المملكة الشريفةالإشعاع الدولي

 موقع ومكانة المغرب في نظام عالمي جديد يتشكل!

كيف شخص غوتيريش آفاق النظام العالمي الجديد؟

 مقدمة: لحظة مفصلية في التاريخ الدولي

في مؤتمره الصحفي الأخير بصفته أميناً عاماً للأمم المتحدة، قدّم أنطونيو غوتيريش تشخيصاً نادراً بصراحته للحظة التاريخية الراهنة. خطابه لم يكن مجرد وداع دبلوماسي تقليدي، بل كان بمثابة إنذار استراتيجي من دبلوماسي شهد خلال عقد من الزمن تآكل النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وضع غوتيريش العالم أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: العودة إلى الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والصين، أو الانتقال نحو تعددية قطبية حقيقية، أو الانزلاق نحو ما أسماه “الفوضى العظمى” – عالم تحكمه “شريعة الغاب” حيث تُدار العلاقات الدولية بناءً على موازين القوى الصرفة. وأيا كان السيناريو الذي سيتحقق، فمن واجبنا التساؤل ومحاولة استشراف موقع المغرب ومكانته وفق السيناريوهات الثلاثة المذكورة، وماهية الفرص والتحديات التي يحملها كل سيناريو.

هذا التقدير يسعى إلى تحليل هذه السيناريوهات الثلاثة من منظور استراتيجي، واستشراف تداعياتها على مستقبل النظام الدولي والأمم المتحدة كمؤسسة، مع محاولة رصد المؤشرات الحالية التي تدفع العالم في اتجاه دون آخر.


أولاً: السياق التاريخي والمرحلة الانتقالية الحالية

1. أزمة النظام الأحادي القطبية

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، دخل العالم في مرحلة اللحظة الأحادية القطبية (Unipolar Moment) التي تميزت بهيمنة أمريكية شبه مطلقة على النظام الدولي. لكن هذه اللحظة، كما توقع المحللون الاستراتيجيون منذ التسعينيات، لم تكن سوى فترة انتقالية. فالتاريخ يُظهر أن الهيمنة المطلقة لقوة واحدة تحمل في طياتها بذور تآكلها الذاتي – من الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية البريطانية.

ما نشهده اليوم هو تسارع نهاية تلك اللحظة، مع مؤشرات واضحة على تراجع القدرة الأمريكية على فرض النظام وحدها. حرب العراق (2003)، الأزمة المالية العالمية (2008)، الانسحاب الفوضوي من أفغانستان (2021)، وأخيراً التعثر في احتواء الحرب الأوكرانية والعجز عن وقف الإبادة في غزة – كلها علامات على تحول بنيوي في موازين القوى الدولية.

2. صعود الصين والتعقيد الجيوسياسي

في المقابل، شهد العالم صعوداً اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً هائلاً للصين خلال العقدين الماضيين. من اقتصاد يمثل أقل من 4% من الناتج العالمي في مطلع الألفية، إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي ومنافس جدي في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. مبادرة الحزام والطريق، بنك التنمية الآسيوي، منظمة شنغهاي للتعاون، مجموعة البريكس – كلها أدوات تستخدمها بكين لبناء نظام دولي بديل أو موازٍ.

لكن الصعود الصيني لا يحدث في فراغ. فهناك قوى إقليمية أخرى تطمح لأدوار أكبر: الهند بثقلها الديموغرافي والاقتصادي المتنامي، اليابان وألمانيا باقتصاداتهما الرائدة، إندونيسيا أكبر الدول الإسلامية، تركيا بطموحها العثماني الجديد، البرازيل كقائد طبيعي لأمريكا اللاتينية، المغرب قطب القارة الأفريقية، دون إغفال منافسيه القاريين: نيجيريا وجنوب أفريقيا.

3. أزمة المؤسسات الدولية

في قلب هذا التحول، تواجه الأمم المتحدة أزمة وجودية. مجلس الأمن – بهيكله الموروث من 1945 – لم يعد يعكس موازين القوى الحالية. القوى الخمس الدائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا) لم تعد وحدها القادرة على تشكيل النظام الدولي. غياب أفريقيا، أمريكا اللاتينية، والعالم الإسلامي عن المقاعد الدائمة يمثل عجزاً تمثيلياً فاضحاً.

الأخطر من ذلك هو التآكل المنهجي للقانون الدولي. كما أشار غوتيريش، “القانون الدولي بات يُعامل كقائمة طعام اختيارية”. من الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى الإبادة الإسرائيلية في غزة، إلى التدخلات التركية في سوريا وليبيا، إلى الضربات الأمريكية الأحادية في إيران – الجميع ينتهك القانون الدولي دون رادع حقيقي.


ثانياً: السيناريو الأول – الثنائية القطبية (الولايات المتحدة – الصين)

1. المنطق التاريخي للثنائية القطبية

يرى البعض أن العالم يتجه حتماً نحو ثنائية قطبية جديدة تشبه نموذج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. المنطق بسيط: عندما تصعد قوة جديدة لتنافس القوة المهيمنة، يميل النظام الدولي نحو الاستقطاب الحاد. هذا ما يطلق عليه علماء العلاقات الدولية “فخ ثوسيديدس” (Thucydides Trap) – نسبة إلى المؤرخ اليوناني الذي وثّق الحرب بين أثينا الصاعدة وإسبرطة المهيمنة.

المؤشرات الحالية تدعم هذا السيناريو: الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، حظر التكنولوجيا الحساسة، المنافسة العسكرية في بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهندي والهادئ، التنافس على النفوذ في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأخيراً تشكيل التحالفات العسكرية (AUKUS، Quad، منظمة شنغهاي).

2. لماذا يحذر غوتيريش من هذا السيناريو؟

غوتيريش رفض بوضوح هذا الخيار، معتبراً أن “تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ متنافسة” لن يحل مشكلات العالم. تحذيره مبني على عدة اعتبارات:

أولاً، دروس الحرب الباردة: الثنائية القطبية السابقة أنتجت عقوداً من الحروب بالوكالة، سباق التسلح النووي الذي كاد يُفني البشرية، وأزمات متكررة كادت تتحول إلى حرب عالمية ثالثة (أزمة الصواريخ الكوبية، الحروب الكورية والفيتنامية). التكلفة البشرية والاقتصادية كانت فادحة، خاصة على دول العالم الثالث التي تحولت إلى ساحات معارك.

ثانياً، التعقيد الحالي: عالم اليوم أكثر تعقيداً من عالم الحرب الباردة. التحديات العابرة للحدود – تغير المناخ، الأوبئة، الهجرة، الإرهاب، الجريمة المنظمة، الأمن السيبراني – تتطلب تعاوناً دولياً، لا تنافساً صفرياً. لا يمكن حل أزمة المناخ أو الأوبئة من خلال تقسيم العالم إلى معسكرين متصارعين.

ثالثاً، الترابط الاقتصادي: على عكس الحرب الباردة حيث كان الاقتصاد السوفييتي منفصلاً تماماً عن الاقتصاد الغربي، فإن الاقتصادين الأمريكي والصيني مترابطان بشكل عميق. سلاسل الإمداد العالمية، الاستثمارات العابرة للحدود، التبادل التجاري الضخم – كلها تجعل “الفصل” (decoupling) أمراً شديد التكلفة على الجانبين.

رابعاً، غياب الأيديولوجيا: الحرب الباردة كانت صراعاً أيديولوجياً بين الرأسمالية والشيوعية. اليوم، الصراع ليس أيديولوجياً بل جيوسياسي واقتصادي صرف. الصين ليست دولة شيوعية بالمعنى الكلاسيكي، بل رأسمالية دولة استبدادية. هذا يجعل الاستقطاب أقل حدة من الناحية القيمية، لكن أكثر خطورة من الناحية العملية لأنه يفتقد الخطوط الحمراء الأخلاقية.

3. مخاطر السيناريو الثنائي القطبي

إذا تحقق هذا السيناريو، فإن العالم سيدفع ثمناً باهظاً:

  • إعادة تقسيم العالم: ستُجبر الدول المتوسطة والصغرى على الاختيار بين معسكرين، مما يعني فقدان استقلالية قرارها وتحولها إلى أدوات في صراع الكبار.
  • سباق تسلح جديد: السباق على الذكاء الاصطناعي، التقنيات الكمومية، الأسلحة الفضائية، والأسلحة البيولوجية والسيبرانية سيستنزف موارد هائلة كان يمكن توجيهها للتنمية.
  • تجميد التعاون الدولي: المؤسسات الدولية ستتحول إلى ساحات صراع بين المعسكرين، مما يشلّ قدرتها على معالجة القضايا العالمية.
  • حروب بالوكالة: من أوكرانيا إلى تايوان، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا – ستتحول هذه المناطق إلى ساحات تصفية حسابات بين القوتين.

ثالثاً: السيناريو الثاني – التعددية القطبية الحقيقية

1. رؤية غوتيريش للتعددية

دعا غوتيريش بوضوح إلى “التعددية القطبية” كضرورة وجودية لاستقرار العالم. قال: “إذا أردنا عالماً مستقراً، إذا أردنا عالماً يمكن فيه استدامة السلام، وحيث يمكن تعميم التنمية، فيتعين علينا أن ندعم التعددية القطبية”.

التعددية القطبية لا تعني الفوضى، بل تعني نظاماً دولياً يقوم على توزيع القوة بين عدة مراكز إقليمية ودولية، مع آليات تنسيق وتوازن تمنع أي طرف من الهيمنة المطلقة. هذا النموذج يعترف بتعدد مراكز القوة والنفوذ، ويسعى لخلق توازنات ديناميكية بدلاً من ثنائيات جامدة.

2. أقطاب النظام المتعدد المحتمل

في نظام متعدد الأقطاب، تتوزع القوة على ثلاث مستويات متدرجة. المستوى الأول يضم القوى العظمى التقليدية والناشئة: الولايات المتحدة التي تبقى القوة الأولى عسكرياً رغم التراجع النسبي، والصين كقوة اقتصادية ثانية وقائد الكتلة الآسيوية، والاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية ضخمة لكنها مشتتة سياسياً وعسكرياً.

المستوى الثاني يشمل القوى الصاعدة ذات الطموحات الإقليمية والعالمية. الهند بثقلها الديموغرافي (1.4 مليار نسمة) واقتصادها المتنامي، روسيا التي تبقى قوة نووية وطاقوية وعسكرية مهمة رغم تراجعها الاقتصادي، اليابان كثالث أكبر اقتصاد وقوة تكنولوجية متقدمة، دون تجاهل طموح البرازيل القائد الطبيعي لأمريكا اللاتينية، وإندونيسيا كأكبر دولة إسلامية وقوة صاعدة في جنوب شرق آسيا.

المستوى الثالث يضم القوى الإقليمية المؤثرة التي تمتلك نفوذاً متزايداً في مناطقها. تركيا بموقعها كبوابة بين آسيا وأوروبا وطموحاتها العثمانية الجديدة، المغرب كقوة استراتيجية في شمال أفريقيا والمحيط الأطلسي ومرشح محتمل لتمثيل أفريقيا، المكسيك كقوة صاعدة في أمريكا اللاتينية، وكوريا الجنوبية وأستراليا كقوى متوسطة ذات نفوذ إقليمي متزايد.

3. آليات عمل النظام المتعدد الأقطاب

نجاح نظام متعدد الأقطاب يتطلب آليات عمل واضحة ومؤسسات فعالة. إصلاح مجلس الأمن الدولي يأتي في المقدمة، عبر توسيع العضوية الدائمة لتشمل ممثلين عن أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وتقييد حق النقض (الفيتو) أو جعله جماعياً يحتاج إلى ثلاثة أعضاء دائمين على الأقل، مع آليات أسرع وأكثر مرونة لاتخاذ القرارات في الأزمات.

تعزيز المؤسسات الإقليمية يمثل ركيزة ثانية أساسية. الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، منظمة الدول الأمريكية، ورابطة جنوب شرق آسيا – كلها بحاجة للتحول من منتديات حوار إلى أقطاب حقيقية لصنع القرار. دعم مبادرات التكامل الإقليمي مثل حلف الأطلسي الجنوبي والتحالفات الأفريقية-اللاتينية يصبح ضرورة استراتيجية.

الشراكات المرنة بدلاً من التحالفات الجامدة تمثل ميزة جوهرية للنظام المتعدد. تجاوز منطق المعسكرات نحو تحالفات موضوعية حول قضايا محددة (تغير المناخ، مكافحة الإرهاب، الأمن الغذائي، التكنولوجيا) يسمح بعلاقات متشابكة ومتداخلة. الهند مثلاً تملك علاقات قوية مع روسيا والولايات المتحدة معاً دون أن يشكل ذلك تناقضاً في نظام متعدد الأقطاب.

القواعد الدولية المعززة والملزمة تشكل الضمانة الحقيقية لاستقرار النظام. تفعيل المحكمة الجنائية الدولية وإلغاء الاستثناءات التي تحمي القوى الكبرى، معاهدات ملزمة في مجال المناخ والتجارة والأسلحة والهجرة، وآليات عقوبات جماعية فعالة على منتهكي القانون الدولي – كل هذا يخلق بيئة من القواعد بدلاً من الهيمنة.

4. مزايا وتحديات السيناريو المتعدد الأقطاب

مزايا هذا السيناريو واضحة وجوهرية. توزيع القوة يمنع الهيمنة ويقلل من احتمالات الصراع المباشر بين الكبار، في حين تملك الدول المتوسطة والصغرى خيارات متعددة ولا تُجبر على الانحياز المطلق. التحديات العالمية العابرة للحدود تجد معالجة أفضل عبر التعاون متعدد الأطراف، والتمثيل الأوسع للقارات والحضارات في صنع القرار يحقق عدالة أكبر في النظام الدولي.

لكن التحديات لا تقل وضوحاً. كثرة الفاعلين تعني مفاوضات أصعب وأطول وتعقيداً أكبر في اتخاذ القرار. بدون آليات قوية، قد يتحول النظام إلى صراع الجميع ضد الجميع بدلاً من التوازن المنشود. والأهم، نجاح هذا النظام يتطلب مؤسسات أقوى وأكثر فعالية، وهو ما يستلزم تنازلات من القوى الكبرى عن امتيازاتها الحالية – وهو الثمن الذي قد لا تكون مستعدة لدفعه طوعاً.


رابعاً: السيناريو الثالث – الفوضى العظمى (Great Chaos)

1. ماذا يعني غوتيريش بـ “الفوضى العظمى”؟

هذا هو السيناريو الأسوأ الذي حذّر منه غوتيريش: عالم بلا نظام، تُدار فيه العلاقات الدولية بناءً على موازين القوى الصرفة و”شريعة الغاب”. في هذا السيناريو، ينهار النظام الدولي القائم على القواعد تماماً، وتتحلل المؤسسات الدولية، ويصبح العالم فضاءً من الصراعات المفتوحة والتنافس غير المنضبط.

“الفوضى العظمى” لا تعني غياب الأقطاب، بل تعني غياب القواعد. عالم تمارس فيه كل قوة – كبيرة أو متوسطة – ما تستطيعه دون رادع أخلاقي أو قانوني أو مؤسسي. عالم الانتهاك الدائم للسيادة، التدخلات العسكرية الأحادية، الحروب الاقتصادية، الصراعات السيبرانية، والإفلات الكامل من العقاب.

2. المؤشرات على الانزلاق نحو الفوضى

للأسف، العديد من المؤشرات الحالية تشير إلى أننا ندخل بالفعل في مرحلة من “الفوضى العظمى”. انهيار القانون الدولي يتجلى بوضوح في غزة حيث تستمر الإبادة الجماعية منذ أكثر من 15 شهراً رغم قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية. في أوكرانيا، الغزو الروسي يشكل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة دون قدرة حقيقية على إيقافه. الضربات العسكرية الأمريكية المتكررة على إيران تتم دون تفويض من مجلس الأمن، بينما تشهد سوريا تدخلات متعددة من روسيا وإيران وتركيا وأمريكا وإسرائيل دون احترام حقيقي للسيادة.

ضعف الأمم المتحدة يتفاقم يوماً بعد يوم. الأزمة المالية المستمرة بسبب تأخر الدول الكبرى في دفع اشتراكاتها، شلل مجلس الأمن نتيجة الاستخدام المتكرر للفيتو، وفقدان المصداقية والقدرة على التأثير في الأزمات الكبرى – كلها علامات على تآكل المؤسسة الدولية الأهم.

ظهور مبادرات أحادية موازية يعمّق الأزمة. “مجلس السلام” الذي أسسه ترامب يمثل محاولة واضحة لإنشاء هيئة موازية للأمم المتحدة تديرها واشنطن. المبادرات الصينية الموازية مثل بنك التنمية الآسيوي ومنظمة شنغهاي ومبادرة الحزام والطريق – كلها تعمل خارج الإطار الأممي التقليدي.

عودة سياسات القوة العارية أصبحت سمة العصر الحالي. تهديدات ترامب بضم غرينلاند، خطف الرئيس الفنزويلي، فرض عقوبات وحصار على الأصدقاء والأعداء دون تمييز. كما أشار غوتيريش، “الإفلات من العقاب بات محرك الصراعات الحالية” – لم تعد هناك آليات فعالة لمحاسبة المنتهكين، مما يشجع على مزيد من الانتهاكات.

3. خصائص عالم الفوضى العظمى

إذا استمر الانزلاق نحو هذا السيناريو، سنشهد حروباً إقليمية متعددة تشتعل في كل القارات. في الشرق الأوسط، تصاعد محتمل للصراع بين إيران وإسرائيل وتركيا والسعودية. في أفريقيا، حروب على الموارد الحيوية مثل المياه والمعادن النادرة. في آسيا، توترات خطيرة بين الصين والهند، والصين وتايوان، والتهديد الدائم من كوريا الشمالية.

الأمن الاقتصادي سينهار تحت وطأة حروب تجارية شاملة دون قواعد منظمة التجارة العالمية. عقوبات أحادية متبادلة ستشل التجارة والاستثمار الدوليين، بينما تنهار سلاسل الإمداد العالمية التي بُنيت على مدى عقود من العولمة. سباق تسلح غير محدود سيشهد تطوير أسلحة جديدة بيولوجية وسيبرانية وفضائية دون أي قيود، انتشار نووي قد يشمل إيران والسعودية وتركيا وكوريا الجنوبية، وأسلحة ذكاء اصطناعي مستقلة تعمل دون رقابة دولية.

الأزمات الإنسانية ستتفاقم بشكل مروع. موجات لجوء ونزوح جماعية غير مسبوقة، مجاعات وأوبئة بسبب انهيار التعاون الدولي، وتفاقم أزمة المناخ دون أي آليات جماعية فعالة للمواجهة.

4. من المستفيد من الفوضى؟

قد يبدو لبعض القوى أن الفوضى تخدم مصالحها قصيرة الأمد. القوى الكبرى المنفردة تعتقد أنها قادرة على فرض إرادتها بالقوة دون قيود. الفاعلون غير الدولتيين – المليشيات، الجماعات الإرهابية، شبكات الجريمة المنظمة – تزدهر في غياب النظام. الأنظمة الاستبدادية تستغل الفوضى العالمية لتوطيد قبضتها الداخلية وقمع المعارضة دون رقيب.

لكن على المدى البعيد، الجميع خاسر في عالم الفوضى. حتى القوى العظمى ستدفع أثماناً باهظة: حروب متعددة ومكلفة، عدم استقرار اقتصادي يضرب الجميع، تهديدات عابرة للحدود لا يمكن مواجهتها منفردة، وتآكل تدريجي للشرعية والنفوذ الأخلاقي الذي يشكل أساس القوة الناعمة.


خامساً: مستقبل الأمم المتحدة: بين الإصلاح والتهميش والانهيار

1. الأمم المتحدة في مواجهة الاختبار الوجودي

مستقبل النظام الدولي مرتبط عضوياً بمستقبل الأمم المتحدة. المنظمة الأممية، التي بُنيت على رماد الحرب العالمية الثانية، تواجه اليوم اختباراً وجودياً لا يقل خطورة عن الاختبارات التي واجهتها عصبة الأمم قبل انهيارها.

في سيناريو الثنائية القطبية، ستتحول الأمم المتحدة إلى ساحة صراع بين المعسكرين، كما حدث خلال الحرب الباردة. ستتجمد قراراتها، وسيُستخدم الفيتو بشكل منهجي لحماية حلفاء كل معسكر. ستفقد فعاليتها وتتحول إلى منتدى خطابي دون قدرة حقيقية على التأثير.

في سيناريو التعددية القطبية، يمكن للأمم المتحدة أن تلعب دوراً محورياً كمنصة تنسيق بين الأقطاب المختلفة. لكن هذا يتطلب إصلاحاً جذرياً: توسيع مجلس الأمن، تقييد الفيتو، زيادة صلاحيات الجمعية العامة، وتعزيز الاستقلال المالي. الأمم المتحدة المُصلحة يمكن أن تكون “البرلمان العالمي” الذي يوازن بين المصالح المتنافسة.

في سيناريو الفوضى العظمى، ستتحول الأمم المتحدة إلى هيكل فارغ، تماماً كما حدث لعصبة الأمم في الثلاثينيات. ستتجاهلها القوى الكبرى، وستظهر مبادرات موازية متعددة، وستنهار قدرتها المالية والمؤسسية. قد تبقى اسماً دون مضمون، أو قد تنهار تماماً.

2. متطلبات إصلاح الأمم المتحدة

لتجنب سيناريو التهميش أو الانهيار، تحتاج الأمم المتحدة إلى إصلاحات جذرية. إصلاح مجلس الأمن يشكل الأولوية القصوى، عبر توسيع العضوية الدائمة إلى 10-12 عضواً لتشمل ممثلين عن أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الجنوبية، وجعل الفيتو جماعياً يحتاج لثلاثة أعضاء دائمين على الأقل بدلاً من عضو واحد، مع إنشاء آلية مراجعة دورية لتكوين المجلس كل 15-20 سنة لضمان استمرار تمثيله لموازين القوى المتغيرة.

تعزيز صلاحيات الجمعية العامة يمثل خطوة ضرورية ثانية. إمكانية تجاوز فيتو مجلس الأمن بأغلبية الثلثين في الجمعية العامة للقضايا الإنسانية الملحة، وإنشاء آليات تنفيذية للجمعية لا تعتمد كلياً على موافقة المجلس – كل هذا يمنح المنظمة مرونة أكبر وقدرة على التحرك حتى في حالات الشلل السياسي.

الاستقلال المالي يشكل ضمانة أساسية لفعالية المنظمة. إنشاء مصادر تمويل مستقلة مثل ضريبة صغيرة على المعاملات المالية الدولية أو رسوم على التجارة الدولية، ونظام عقوبات واضح على الدول المتأخرة في سداد اشتراكاتها (فقدان حق التصويت) – كل هذا يحرر المنظمة من الابتزاز المالي الذي تمارسه الدول الكبرى.

تفعيل المحكمة الجنائية الدولية يتطلب إلغاء استثناء الدول الكبرى من الملاحقة القانونية، وإنشاء آليات إلزامية لتنفيذ أحكام المحكمة. اقتراح غوتيريش بأن “الوقت قد حان لتقود امرأة الأمم المتحدة” ليس مجرد خطوة رمزية، بل قد يجلب منظوراً مختلفاً وأقل ارتباطاً بسياسات القوة التقليدية.

3. التحديات أمام الإصلاح

كل هذه الإصلاحات تواجه تحدياً جوهرياً واحداً: القوى الخمس الدائمة العضوية لن تتخلى طوعاً عن امتيازاتها. الفيتو يمنحها قوة مطلقة، وهي لن تسمح بتقييده إلا تحت ضغط هائل.

الأزمة الحالية قد تخلق فرصة نادرة. عندما تفقد المؤسسة فعاليتها بالكامل، قد يدرك الجميع أن الإصلاح أفضل من الانهيار. الخيار الحقيقي ليس بين “الأمم المتحدة كما هي” و”أمم متحدة مُصلحة”، بل بين “أمم متحدة مُصلحة” و”لا أمم متحدة على الإطلاق”. عندما يصبح البديل هو الفوضى الكاملة، قد تضطر حتى القوى الكبرى للتنازل عن بعض امتيازاتها للحفاظ على نظام دولي يخدم مصالحها على المدى البعيد.


سادساً: المؤشرات الحالية: أي اتجاه يسلك العالم؟

1. قراءة المؤشرات المتضاربة

العالم اليوم يرسل إشارات متضاربة حول وجهته المستقبلية. المؤشرات الدافعة نحو الثنائية القطبية واضحة ومتصاعدة: التصعيد المستمر في العلاقات الأمريكية-الصينية عبر جبهات متعددة (التكنولوجيا، التجارة، قضية تايوان)، الضغوط الأمريكية المتزايدة على حلفائها للانحياز ضد الصين (حظر هواوي، رقائق الذكاء الاصطناعي)، التحالفات العسكرية الجديدة المصممة لمواجهة الصين (AUKUS، Quad)، والأخطر من ذلك: الخطاب السياسي الداخلي في كلا البلدين الذي يصوّر الآخر كتهديد وجودي لا يمكن التعايش معه.

لكن في المقابل، هناك مؤشرات قوية على إمكانية التطور نحو التعددية القطبية. صعود القوى المتوسطة وتأكيدها المتزايد على استقلاليتها الاستراتيجية (الهند، البرازيل، تركيا، المغرب) يخلق ديناميكية مختلفة. نجاح مجموعة البريكس في التوسع وضم أعضاء جدد (السعودية، الإمارات، مصر، إثيوبيا، إيران) يشير إلى رغبة متزايدة في بناء أقطاب بديلة. رفض العديد من الدول الانحياز المطلق – الهند في Quad تحافظ على علاقات قوية مع روسيا، والسعودية تطور علاقاتها مع الصين رغم الشراكة الأمريكية – يعكس رغبة في الحفاظ على هامش مناورة. مبادرات التكامل الإقليمي المتزايدة (الاتحاد الأفريقي، حلف الأطلسي الجنوبي المقترح) والدعوات المتصاعدة لإصلاح المؤسسات الدولية تدل على وعي متنامٍ بضرورة بناء نظام أكثر توازناً.

2. المؤشرات الأقوى: الانزلاق نحو الفوضى

لكن المؤشرات الأقوى والأكثر إثارة للقلق هي تلك الدافعة نحو الفوضى العظمى. الانتهاكات المتكررة والصارخة للقانون الدولي دون أي رادع فعال (غزة منذ 15 شهراً، أوكرانيا، الضربات على إيران) أصبحت القاعدة وليس الاستثناء. شلل مجلس الأمن المتزايد وعجزه عن اتخاذ أي قرار فعال في الأزمات الكبرى. ظهور مبادرات أحادية موازية مثل “مجلس السلام” الذي أسسه ترامب كبديل للأمم المتحدة. تراجع الثقة العالمي في المؤسسات الدولية وفقدانها لمصداقيتها. عودة خطاب القوة العارية والتهديدات المباشرة (كما في تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة).

3. التقييم: مرحلة انتقالية خطيرة

بناءً على المؤشرات الحالية، يبدو أن العالم يمر بمرحلة انتقالية مضطربة تجمع بين عناصر من الثنائية القطبية والفوضى العظمى، مع إمكانية التطور نحو تعددية قطبية إذا توفرت الإرادة السياسية والإصلاحات اللازمة. المؤشرات الأقوى حالياً هي نحو الفوضى: غياب القواعد الفعالة، الإفلات الكامل من العقاب، شلل المؤسسات الدولية.

لكن هذه الفوضى ليست مستدامة على المدى البعيد. إما ستدفع العالم نحو استقطاب ثنائي حاد بين أمريكا والصين (الخيار الأسهل لكنه الأخطر)، أو ستخلق ضغطاً وألماً كافيين لإجبار القوى الكبرى على قبول نظام متعدد الأقطاب أكثر عدالة واستقراراً. السؤال المفتوح: كم من الوقت ستستمر هذه المرحلة الانتقالية المضطربة؟ وكم سيكون ثمنها البشري والاقتصادي قبل أن يستقر العالم على نظام جديد؟


سابعاً: ما هو موقع المغرب وفق السيناريوهات الثلاثة؟

بما أن النظام العالمي الجديد لا يزال في طور التشكل، دون أن يمتلك أحد اليقين بوجهته النهائية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما هو موقع المغرب داخل هذا النظام الجديد، وفق كل سيناريو؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو محاولة لرسم خارطة المخاطر والفرص التي قد تواجه المشروع الاستراتيجي المغربي في العقود القادمة.

1. المغرب في معادلة القوى العالمية

عند محاولة فهم موقع المغرب في التحولات الجارية، لا بد من الاعتراف بحقيقة استراتيجية: المغرب ليس مجرد متفرج سلبي على هذه التحولات. الجغرافيا وحدها تمنحه دوراً لا يمكن تجاهله – بوابة أفريقيا، مفترق طرق بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، قرب مباشر من أوروبا مع عمق أفريقي حقيقي-. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي في عالم اليوم.

ما يميز المغرب عن العديد من القوى المتوسطة هو استمراريته التاريخية النادرة – اثنا عشر قرناً من البقاء السياسي دون انقطاع، وهو رصيد لا تملكه سوى قلة من الدول حول العالم. هذه الاستمرارية لم تكن صدفة تاريخية، بل نتاج قدرة فريدة على التكيف مع التحولات الكبرى والبقاء ككيان سيادي مستقل حتى في أحلك الظروف. المغرب لم يُحتل بالكامل قط، وهذه حقيقة تختزل الكثير عن قدرته على إدارة التحديات الوجودية.

اليوم، يضاف إلى هذا الرصيد التاريخي رصيد دبلوماسي متنامٍ – أكثر من 115 دولة تعترف بمغربية الصحراء، بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا. هذا الاعتراف الدولي المتزايد ليس مجرد انتصار دبلوماسي، بل هو تعبير عن تقدير دولي متنامٍ للدور الاستراتيجي المغربي في منطقة مضطربة. في إقليم يشهد انهياراً في ليبيا، وعدم استقرار مزمن في الساحل، ونظام عسكري متأزم في الجزائر، يبرز المغرب كجزيرة استقرار نادرة.

ما يزيد من قيمة هذا الموقع هو استقلالية القرار المغربي النسبية – علاقات قوية مع الغرب لا تمنع شراكات اقتصادية مع الصين، وعودة للاتحاد الأفريقي لم تأتِ على حساب العلاقات الأوروبية. هذا التوازن الدقيق يمنح المغرب هامشاً من المناورة قلما تحظى به القوى المتوسطة في النظام الدولي.

2. الثنائية القطبية: بين الفرصة والخطر

في سيناريو العودة إلى الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والصين، سيجد المغرب نفسه في موقع استراتيجي حساس يحمل فرصاً ومخاطر بنفس القدر. تاريخ الحرب الباردة يُظهر أن القوى الكبرى في لحظات الاستقطاب الحاد لا تكتفي بالحلفاء الفاترين – بل تطالب بولاء مطلق. هذا يعني أن المغرب قد يواجه ضغوطاً متزايدة من واشنطن لتقليص علاقاته الاقتصادية مع الصين، أو حتى قطعها كلياً. مثل هذه الضغوط ستضع المغرب أمام معضلة: التضحية بشراكات اقتصادية مهمة مع الصين، أو المخاطرة بفتور العلاقة مع شريكه الاستراتيجي التقليدي.

الخطر الآخر في هذا السيناريو يتعلق بالجارة الجزائر، ولو نظريا على الأقل في ظل الوضع الحالي. ففي عالم منقسم إلى معسكرين، والجزائر المرتبطة تاريخياً بروسيا والمنفتحة اقتصادياً على الصين، قد تتحول إلى قاعدة استراتيجية للمعسكر المنافس للغرب. هذا قد يعني تسليحا أكبر للجزائر، وربما دعما سياسيا ودبلوماسيا أكبر من قوتين عظميين لنظام معادٍ للمغرب، مع احتمال ضعيف بأن واشنطن – في محاولة لتحييد الجزائر أو حتى سحبها من المعسكر الصيني-الروسي – قد تقدم تنازلات على حساب المغرب، كما حدث مع مصر في السبعينيات عندما استمالتها أمريكا من المعسكر السوفييتي.

في المقابل، هذا السيناريو يفتح أمام المغرب فرصاً استراتيجية لا يمكن تجاهلها. كحليف غير عضو رئيسي في الناتو، ومع موقعه الجغرافي الحاسم على المحيط الأطلسي، يصبح المغرب ذا قيمة هائلة للمعسكر الغربي في أي مواجهة استراتيجية مع الصين. طرق التجارة البحرية، والسيطرة على مضيق جبل طارق، والعمق الأفريقي – كلها تجعل المغرب قطعة لا يمكن الاستغناء عنها في لوحة الشطرنج العالمية.

هذه القيمة الاستراتيجية يمكن أن تُترجم إلى مكاسب ملموسة: دعم مطلق وغير قابل للتراجع للموقف المغربي من الصحراء، صفقات سلاح متقدمة تعزز القدرات الدفاعية، استثمارات اقتصادية ضخمة في البنية التحتية والطاقات المتجددة. بل إن المغرب، بفضل علاقاته المتوازنة مع الجميع، قد يجد نفسه في موقع “الوسيط السري” الذي يحتاجه الطرفان في لحظات الأزمات الحادة – وهو دور يمنح نفوذاً استثنائياً لا تملكه حتى دول أكبر حجماً.

المشروع الأفريقي المغربي قد يواجه تحدياً في هذا السيناريو. عندما تتحول أفريقيا إلى ساحة تنافس بين المعسكرين، فإن الاستثمارات المغربية الضخمة في البنية التحتية الأفريقية قد يُنظر إليها بريبة من كلا الجانبين – هل هي امتداد للنفوذ الغربي؟ أم محاولة للموازنة بين المعسكرين؟ هذا الغموض الاستراتيجي قد يحد من فعالية المشروع المغربي في القارة. لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام تسريع مشروع “حلف الأطلسي الجنوبي” – تحالف استراتيجي بين الدول الأطلسية الأفريقية ونظيرتها في أمريكا اللاتينية، بقيادة مغربية-برازيلية، كقطب ثالث يوازن بين المعسكرين الكبيرين.

3. التعددية القطبية: السيناريو الذهبي

لو كان هناك سيناريو يبدو وكأنه صُمم خصيصاً لتعظيم الفرص الاستراتيجية المغربية، فهو التعددية القطبية. في نظام عالمي متعدد الأقطاب قائم على قواعد واضحة ومؤسسات مُصلحة، تزدهر القوى المتوسطة التي تمتلك رصيداً حضارياً ودبلوماسياً وجغرافياً. المغرب يمتلك كل هذه المقومات.

أول وأهم ميزة لهذا السيناريو هي الاستقلالية القصوى في القرار. لن يُجبر المغرب على الاختيار بين معسكرين متصارعين، بل يمكنه بناء شراكات متوازنة مع الجميع – مع أوروبا والولايات المتحدة كشركاء استراتيجيين تقليديين، ومع الصين كشريك اقتصادي حيوي، ومع الهند والبرازيل وإندونيسيا كأقطاب صاعدة تشكل النظام الجديد. التنوع الاستراتيجي، الذي قد يُنظر إليه كـ”خيانة” في عالم ثنائي القطبية، يصبح في هذا السيناريو ميزة استراتيجية وعلامة على الحكمة الدبلوماسية.

إصلاح الأمم المتحدة – وتحديداً مجلس الأمن – يفتح باباً تاريخياً أمام المغرب. عندما يُضاف مقعد أفريقي دائم في مجلس الأمن المُصلح، سيبدأ سباق أفريقي محموم على هذا المقعد. المغرب يملك من المؤهلات ما يجعله المرشح الأبرز: الاستقرار السياسي النادر في القارة، الخبرة الدبلوماسية العريقة، العلاقات الدولية المتنوعة والمتوازنة، والأهم – الشرعية التاريخية الضاربة في القدم. نيجيريا وجنوب أفريقيا (ومن ورائهما مصر وإثيوبيا) قد تنافسان بحجم سكانهما واقتصادهما، لكن المغرب يملك شيئاً أعمق: رصيد حضاري واستمرارية سياسية لا يمكن مضاهاتهما. الـ115+ اعتراف دولي بمغربية الصحراء يصبح في هذا السياق رأسمال دبلوماسياً هائلاً – كل دولة اعترفت بالصحراء المغربية هي حليف محتمل في معركة المقعد الدائم.

حلف الأطلسي الجنوبي، الذي قد يبقى فكرة عائمة في سيناريو الثنائية القطبية، يمكن أن يتحول في سيناريو التعددية إلى قطب حقيقي ومؤثر. 23 دولة أفريقية أطلسية و20 دولة أمريكية لاتينية، بقيادة مشتركة مغربية-برازيلية، تشكل كتلة استراتيجية عابرة للأطلسي ذات وزن جيوسياسي واقتصادي كبير. في نظام متعدد الأقطاب، مثل هذه التحالفات الإقليمية لا ينظر إليها بريبة، بل يرحب بها كعنصر توازن في بنية النظام الدولي. قمة تأسيسية في الرباط، بحضور قادة هذه الدول الثلاثة والأربعين، ستكون إعلاناً رمزياً وعملياً عن ميلاد قطب جديد في النظام العالمي.

الملف الجزائري قد يجد حلاً نهائياً في هذا السيناريو. في نظام قائم على القواعد والشرعية الدولية، الأرقام تتحدث بوضوح: 115+ اعتراف دولي بمغربية الصحراء مقابل عدد قليل من الدول – معظمها أنظمة هشة أو معادية للغرب – التي لا تزال تدعم موقف الجزائر. الشرعية الدولية الساحقة هذه، في ظل مؤسسات أممية مُصلحة وفعالة، يمكن أن تُترجم إلى آليات دولية لفرض الاعتراف بالصحراء كأمر واقع. الجزائر – كنظام عسكري فاقد للشرعية الديمقراطية ومعزول دبلوماسياً – لن تجد موطئ قدم في نظام يقوم على الشرعية والقواعد. حل الحكم الذاتي المغربي يمكن أن يُقدم كنموذج للحلول السياسية في النزاعات المجمدة، مما يعطيه بعداً دولياً إيجابياً.

اقتصادياً، التعددية القطبية تعني نظام تجارة منفتح ومتوازن بدون حروب تجارية مدمرة. الموقع اللوجستي المغربي كمحور بين أفريقيا وأوروبا وأمريكا يصبح أكثر قيمة في بيئة تجارية عالمية مستقرة. الفوسفاط المغربي – المورد الاستراتيجي الحاسم للأمن الغذائي العالمي – والطاقات المتجددة التي يستثمر فيها المغرب بكثافة، والسياحة التي تزدهر في بيئة دولية مستقرة – كل هذه القطاعات ستشهد انتعاشاً غير مسبوق.

الشراكة الأوروبية يمكن أن تتطور في هذا السيناريو من مجرد علاقة حسن جوار إلى شراكة استراتيجية متقدمة. أوروبا، المهددة بموجات الهجرة وعدم الاستقرار في الجوار الجنوبي، تحتاج المغرب أكثر من أي وقت مضى. المغرب المستقر والمزدهر هو خط الدفاع الأول لأوروبا ضد الفوضى الأفريقية. هذه الحقيقة الاستراتيجية يمكن ترجمتها إلى اتفاقيات شراكة شاملة في الأمن والطاقة والتجارة والاستثمار.

آسيا – القارة الصاعدة – تصبح مجالاً حيوياً للانفتاح المغربي. الهند، بثقلها الديموغرافي والاقتصادي وطموحها لدور عالمي، يمكن أن تكون بوابة المغرب إلى جنوب آسيا. اليابان وكوريا الجنوبية، بتقدمهما التكنولوجي، يمثلان فرصة لنقل تكنولوجيا وبناء صناعات متقدمة. حتى الصين، رغم التوتر مع الغرب، تبقى شريكاً اقتصادياً حيوياً يمكن الحفاظ على العلاقة معه دون تهديد الشراكة الغربية – وهذا بالضبط ما تسمح به التعددية القطبية.

4. الفوضى العظمى: إدارة البقاء

السيناريو الثالث – الفوضى العظمى – هو الكابوس الذي يجب الاستعداد له حتى لو بدا غير محتمل. في عالم تنهار فيه القواعد الدولية، وتتحلل المؤسسات الأممية، وتُدار العلاقات بناءً على موازين القوى الصرفة، يصبح القانون الدولي حبراً على ورق. هذا ليس سيناريو خيالياً بعيد المنال – المؤشرات الحالية تشير إلى أننا ندخل فعلاً في هذا المسار -لفترة انتقالية لا يعلم أحد مداها- إذا لم تحدث تحولات جذرية.

بالنسبة للمغرب، هذا السيناريو يحمل تهديدات وجودية نظرية -قد تتحول إلى فعلية- لا يمكن الاستهانة بها. في غياب القانون الدولي، لا شيء يحمي الحدود سوى القوة العسكرية. الجزائر، بترسانتها العسكرية الضخمة ونظامها المتأزم داخلياً، قد تلجأ إلى المغامرة العسكرية كهروب للأمام – طريقة كلاسيكية للأنظمة الاستبدادية لتحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية. سيناريو “حرب الرمال 2.0″، لكن بأسلحة القرن الواحد والعشرين الفتاكة، يصبح احتمالاً واقعياً يجب أخذه بجدية.

الفوضى الإقليمية قد تضغط على المغرب من كل الاتجاهات. ليبيا المنهارة كلياً، الساحل المتفجر، عدم الاستقرار في موريتانيا – كلها على الحدود المباشرة للمغرب. موجات لجوء هائلة، انتشار السلاح بدون رقابة، نشاط متزايد للجماعات الإرهابية – كلها تهديدات أمنية مباشرة. المغرب، كجزيرة استقرار محاطة بالفوضى، سيجد نفسه تحت ضغط هائل.

اقتصادياً، الفوضى العالمية تعني انهيار التجارة الدولية. المغرب – باقتصاده المنفتح والمعتمد على الصادرات والسياحة – سيتأثر بشدة. قطاع السياحة، الذي يشكل جزءاً حيوياً من الاقتصاد، سينهار في بيئة عالمية غير مستقرة.

لكن، وكما هو الحال في كل أزمة كبرى، الفوضى تحمل فرصاً لمن يستطيع البقاء والصمود. النظام الجزائري، الأضعف اقتصادياً والأكثر هشاشة من الداخل، قد ينهار تحت وطأة أزماته قبل أن يتمكن من تهديد المغرب. سيناريو التفكك أو الحرب الأهلية في الجزائر – وإن كان مأساوياً إنسانياً – يفتح الباب أمام تصفية نهائية لملف البوليساريو. المغرب قد يجد نفسه في موقع يسمح له بفرض حلول نهائية في غياب الموازين الدولية التقليدية.

الاستقرار المغربي، في بحر من الفوضى الإقليمية، يصبح أصلاً استراتيجياً نادراً. المغرب يمكن أن يتحول إلى “سويسرا شمال أفريقيا” – ملاذ آمن يجتذب الاستثمارات واللاجئين المهرة والشركات الباحثة عن الاستقرار. أوروبا والولايات المتحدة، اللتان ستكونان في أمس الحاجة إلى الاستقرار على الضفة الجنوبية للمتوسط، ستعتمدان كلياً على المغرب. هذا الاعتماد يعني دعماً أمنياً وعسكرياً واقتصادياً غير محدود.

لكن البقاء في هذا السيناريو يتطلب استعداداً شاملاً. العسكري: تسريع برامج التسلح والحصول على أنظمة دفاع جوي متقدمة، وطائرات مقاتلة من الجيل الخامس، وصواريخ بعيدة المدى، وتعزيز برنامج التصنيع العسكري لتقليل الاعتماد على الخارج. الهدف واضح – أن تصبح القوات المسلحة الملكية أقوى قوة عسكرية في شمال أفريقيا بلا منازع، مما يجعل أي مغامرة جزائرية انتحاراً عسكرياً واضحاً. الجدار الرملي في الصحراء يتحول من سياج ترابي إلى منظومة دفاعية متكاملة بالرادارات والطائرات المسيّرة والصواريخ.

الحصانة الاقتصادية بنفس الأهمية: الأمن الغذائي عبر استراتيجية وطنية للتخزين والإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، الأمن المائي عبر مزيد من السدود وتحلية المياه وترشيد الاستهلاك، والأمن الطاقوي عبر تسريع مشاريع الطاقات المتجددة للوصول إلى استقلال طاقوي شبه كامل. احتياطي مالي ضخم يقترب من 30 مليار دولار أو أكثر يصبح ضرورة لمواجهة الصدمات المفاجئة. وليس من قبيل الصدفة، أن الملك محمد السادس قد أصدر توجيهات واضحة للحكومة، لتأمين متطلبات كل نقطة من هذه النقاط (العسكرية والاقتصادية)، إدراكا منه لأهميتها الاستراتيجية.

الدبلوماسية الحيوية تعني بناء تحالفات أمنية حديدية مع الغرب – اتفاقيات دفاع مشترك ملزمة مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا. محور أطلسي-أفريقي-لاتيني يمكن أن يتحول من فكرة اقتصادية إلى تحالف عسكري حقيقي للدفاع المشترك. عزل الجزائر دولياً عبر فضح نظامها العسكري والبوليساريو كمصدر رئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي.

الصمود الداخلي قد يكون الأهم. تعزيز التماسك الوطني ومعالجة بؤر التوتر الاجتماعي، محاربة الفساد، تحسين الخدمات العامة، وبناء نظام حكامة رشيدة، كل ذلك يجعل الدولة أكثر مرونة ومناعة. خطط طوارئ وطنية شاملة للتعامل مع الأوبئة والكوارث الطبيعية والحروب – كل هذا يصبح ضرورة وليس رفاهية.

5. المغرب أمام خيارات تاريخية

المغرب، إذن، أمام ثلاثة مسارات محتملة، كل منها يحدد موقعه في النظام العالمي الجديد بطريقة مختلفة جذرياً. في سيناريو الثنائية القطبية، يصبح المغرب لاعباً استراتيجياً مهماً لكنه محاصر بين خيارات صعبة. في سيناريو التعددية القطبية، يتحول إلى قوة إقليمية صاعدة مع إمكانية حقيقية لدور دولي مؤثر. في سيناريو الفوضى العظمى، يصبح جزيرة استقرار محاطة بالعواصف، تكافح من أجل البقاء بينما تبحث عن فرص في قلب الأزمة.

مما سبق، يتضح أن السيناريو الأمثل – من منظور المصلحة الاستراتيجية المغربية – واضح: التعددية القطبية توفر أكبر حرية حركة، وأوسع هامش مناورة، وأفضل فرصة لتحقيق الطموحات الإقليمية والدولية. لكن السيناريوهات لا تتحقق بالتمني – العالم يسير حالياً نحو الفوضى ما لم تحدث تحولات جذرية. هذا يعني أن المغرب بحاجة إلى: العمل بنشاط على دفع العالم نحو التعددية القطبية (عبر الترشح للمقعد الأفريقي، وقيادة حلف الأطلسي الجنوبي، والدعوة الصريحة لإصلاح الأمم المتحدة)، بينما يستعد عملياً لسيناريو الفوضى (عبر التسلح، والحصانة الاقتصادية، والتماسك الداخلي، والتحالفات الأمنية).

اللحظة التاريخية الحالية ليست عادية. النظام العالمي في طور إعادة تشكيل جذرية – ما يحدث الآن سيحدد شكل العالم للعقود الثلاثة أو الأربعة القادمة. المغرب أمام فرصة تاريخية لتحقيق قفزة استراتيجية نوعية. السؤال المركزي ليس ما إذا كان النظام العالمي سيتغير – فهو يتغير فعلاً – بل أين سيكون موقع المغرب في النظام الجديد.


ثامناً: الاستنتاجات والخلاصة

1. الاستنتاج المركزي

العالم يقف عند مفترق طرق تاريخي. الخيارات محدودة وواضحة، والوقت ضيق. غوتيريش محق في رفضه للثنائية القطبية ودعوته للتعددية القطبية، لكنه أيضاً محق في تحذيره من الانزلاق نحو الفوضى العظمى. المشكلة أن المسار الحالي يقودنا بالفعل نحو الفوضى، ما لم تحدث تحولات جذرية.

بالنسبة للمغرب: التعددية القطبية هي السيناريو الأمثل الذي يعمل المغرب بنشاط لتحقيقه، مع الاستعداد العسكري والاقتصادي الكامل لسيناريو الفوضى العظمى المحتملة، والتحسب لتكريس -ولو مؤقتا- خيار الثنائية القطبية الذي سبق للعالم تجربته وفشل.

3. الخلاصة النهائية

وصايا غوتيريش الأخيرة ليست مجرد خطاب وداع، بل هي إنذار أخير من رجل شهد تآكل النظام الدولي على مدار عقد. العالم يمكن أن يختار طريقه، لكن النافذة الزمنية ضيقة. الاستمرار في المسار الحالي يعني حتماً الانزلاق نحو الفوضى، ومن الفوضى قد ننتهي إلى ثنائية قطبية أو – الأسوأ – إلى صراع مباشر بين القوى العظمى.

البديل موجود وواضح: التعددية القطبية المبنية على القواعد، المؤسسات المُصلحة، والتعاون الحقيقي. لكنه يتطلب شجاعة سياسية لتجاوز المصالح الضيقة والتفكير في المصلحة الجماعية للبشرية. السؤال ليس ما إذا كان العالم يحتاج إلى هذا التحول، بل ما إذا كان قادراً على إنجازه قبل فوات الأوان.

وكما حذّر غوتيريش: “البديل عن الأمم المتحدة ليس قوة عظمى، بل هو فوضى عظمى”. الخيار للمجتمع الدولي، والتاريخ سيحكم.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى