
منع جماهير الجيش الملكي: رفض منح الفيزا، قرار تعسّفي يفضح تسييس الرياضة ويضع المنظومة الجزائرية أمام مساءلة قانونية قارية
في سابقة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الحكمة القانونية والدبلوماسية، أقدمت السلطات الجزائرية على منع جماهير نادي الجيش الملكي من الحصول على تأشيرات دخول لحضور مباراة قارية، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها قراراً سياسياً مغلَّفاً بإجراء إداري، يتعارض صراحة مع روح ونص القوانين المنظمة للمنافسات الرياضية الإفريقية والدولية.
أولاً: الإطار القانوني الرياضي… حين يصبح المنع خرقاً صريحاً
تنص لوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، وخصوصاً المبادئ العامة المنظمة للمسابقات القارية، على ضرورة ضمان الظروف المتكافئة للأندية المشاركة، بما في ذلك توفير بيئة آمنة وعادلة لانتقال الفرق ومرافقيها، واحترام مبدأ عدم التمييز بين الأندية على أساس الجنسية أو الخلفية السياسية.
كما يستند التنظيم الرياضي القاري إلى مضامين الميثاق الأولمبي، الذي يؤكد في مبدئه السادس على رفض كل أشكال التمييز السياسي أو غيره داخل المجال الرياضي، وعلى ضرورة الفصل الصارم بين الرياضة والخلافات السياسية.
وعليه، فإن منع جماهير نادٍ مشارك في مسابقة رسمية من الولوج إلى بلد منظم للمباراة، دون تعليل أمني واضح، مكتوب، ومُعلَّل قانونياً، يُعد إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص، وخرقاً لالتزامات الدولة المضيفة تجاه الهيئات القارية.
ثانياً: غياب التبرير… قرينة التعسّف
القانون الإداري، سواء في السياق الوطني أو الدولي، يقوم على قاعدة جوهرية مفادها أن أي قرار تقييدي للحقوق يجب أن يكون معلَّلاً، متناسباً، وضرورياً.
وفي هذه الحالة، لم يُقدَّم أي مبرر رسمي مقنع يرقى إلى مستوى الخطر الأمني الاستثنائي الذي قد يبرر منع جماهير رياضية معروفة بسلميتها وتنظيمها.
إن الصمت التبريري هنا لا يخدم الجهة المانعة، بل يعزز قرينة التعسّف، ويحوّل القرار من إجراء سيادي مشروع إلى تصرف قابل للتشكيك والمساءلة أمام الهيئات الرياضية القارية.
ثالثاً: ازدواجية المعايير… حين تسقط الحجة أخلاقياً
المفارقة الصارخة، والتي لا يمكن تجاهلها في أي تحليل موضوعي، أن المغرب سبق وأن فتح أراضيه دون قيد أو شرط أمام الجماهير الجزائرية خلال تظاهرات إفريقية كبرى، ووفّر لهم الحماية، والاحترام، وحرية التنقل، في التزام صارم بالقانون وروح الأخوة الرياضية.
كما يعيش آلاف الجزائريين، بمن فيهم حاملو الجنسيات المزدوجة، في مدن مغربية كبرى كـالرباط، مراكش، وطنجة، في ظروف طبيعية يسودها الأمن والاستقرار، دون أي تضييق أو تمييز.
هذا التناقض الواضح يسقط أي ادعاء بالحياد، ويضع القرار الجزائري في خانة الانتقائية السياسية لا التنظيم الرياضي.
رابعاً: تسييس الرياضة… مخاطرة تتجاوز مباراة
إن أخطر ما في هذا القرار ليس فقط منع جماهير فريق الجيش الملكي من حضور مباراة، بل تكريس سابقة خطيرة تفتح الباب أمام تحويل المنافسات الرياضية إلى ساحات تصفية حسابات سياسية، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لمصداقية المسابقات القارية برمتها.
فالرياضة، وفق الأعراف الدولية، مساحة للتهدئة وبناء الجسور، لا أداة للتصعيد أو العقاب الجماعي غير المبرر.
خامساً: صورة دولة تحت المجهر
في عالم تُنقل فيه القرارات لحظة بلحظة، لم يعد ممكناً تمرير مثل هذه التصرفات دون تداعيات و إن هذا القرار لا يحرج فقط الجهة التي اتخذته أمام الرأي العام الرياضي الإفريقي، بل يضع صورة الدولة نفسها تحت مجهر التساؤل:
هل تحترم التزاماتها؟
هل تفصل بين السياسة والرياضة؟
هل تلتزم بروح القانون أم توظفه انتقائياً؟
خاتمة: القانون لا ينسى… والتاريخ يوثّق
قد تمر المباراة، وقد تنتهي النتيجة داخل المستطيل الأخضر، لكن القرارات التعسفية تُسجَّل ولا تُمحى.
فالهيئات الرياضية لا تبني تقييماتها على الشعارات، بل على الوقائع، والسوابق، ومدى احترام الدول المنظمة لالتزاماتها القانونية والأخلاقية.
إن منع جماهير الجيش الملكي ليس مجرد خطأ تقديري، بل انزلاق قانوني ودبلوماسي، يعكس أزمة قرار، ويمنح الانطباع بأن تسييس الرياضة بات خياراً مفضوحاً لا يمكن تبريره لا بالقانون ولا بالأعراف الدولية.
والعالم الرياضي… يتابع، يوثّق، ولن ينسى




