دراسات وتقاريرمختارات

من مضيق هرمز إلى الأطلسي: تداعيات الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاقتصاد والموقع الاستراتيجي للمغرب

مقدمة

لم تعد الحروب في الشرق الأوسط أحداثاً إقليمية معزولة، بل تحوّلت في ظل العولمة الاقتصادية إلى صدمات جيوسياسية تمتد آثارها عبر القارات، من مضيق هرمز في الخليج إلى السواحل الأطلسية لشمال إفريقيا. وفي هذا السياق، يشكّل اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في أواخر فبراير ومطلع مارس 2026، بمشاركة إسرائيلية، لحظة مفصلية في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط، بما تحمله من تداعيات محتملة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

ورغم البعد الجغرافي للمغرب عن مسرح العمليات في الخليج، فإن الترابط العميق للأسواق الدولية، ولا سيما في مجالات الطاقة والسلع الأساسية والنقل البحري، يجعل من أي اضطراب في منطقة حيوية مثل مضيق هرمز حدثاً ذا انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد المغربي. فالمغرب، باعتباره بلداً مستورداً صافياً للطاقة وجزءاً من منظومة التجارة العالمية، يبقى عرضة لتقلبات الأسعار الدولية وما تفرزه الأزمات الجيوسياسية من ضغوط تضخمية واختلالات في سلاسل الإمداد.

انطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تحليل التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب الأمريكية–الإيرانية على المملكة المغربية، من خلال مقاربة تحليلية ذات طابع أكاديمي، مدعومة بمعطيات كمية تقريبية، مع التركيز على الأبعاد الاستراتيجية بعيدة المدى. فهذه الحرب لا تمثل مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل تشكّل اختباراً جديداً لقدرة الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها المغرب، على التكيّف مع الصدمات الجيوسياسية في نظام اقتصادي عالمي يتسم بترابط متزايد وهشاشة متنامية.

ggg 2

أولاً: السياق الجيوسياسي والطاقي للأزمة

1.     التصعيد العسكري في الشرق الأوسط

يشكّل التصعيد العسكري المباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بمشاركة إسرائيلية، في أواخر فبراير ومطلع مارس 2026، لحظة مفصلية في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط. هذه المواجهة لا تقتصر تأثيراتها على المنطقة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، خصوصًا أسواق الطاقة والسلع الأساسية، مما يزيد من هشاشة النظام الاقتصادي في ظل الاعتماد المتبادل بين الدول.

2.     أهمية مضيق هرمز في الأمن الطاقي العالمي

يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أي ما يقارب 17 إلى 20 مليون برميل يومياً. وأي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي قد يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، كما حدث خلال الأيام الأولى من التصعيد حيث ارتفع سعر النفط نحو 10 دولارات للبرميل، مع توقعات بأن تتجاوز الأسعار مستويات 150–200 دولار في حال استمرار الحرب.

3.     صدمة أسواق الغاز والتأمين البحري

شهدت أسواق الغاز الطبيعي ارتفاعاً يتراوح بين 20 و25% نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات، كما قفزت أقساط التأمين البحري على ناقلات النفط والسفن التجارية العابرة لمياه الخليج. وهذا يعكس الطبيعة المعقدة للصدمات الخارجية، إذ أن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس بسرعة على كلفة النقل الصناعي والزراعي والتجاري، ويزيد الضغط التضخمي على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، ومنها المغرب.

4.     إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على المغرب

يمثل إغلاق مضيق هرمز الجزئي أو الكامل السيناريو الأكثر حساسية في هذه الحرب. فمثل هذا التطور لا يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل يهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية للسلع الأساسية، بما في ذلك الحبوب والأسمدة والمواد الخام الصناعية. وبالتالي، يصبح المغرب معرضًا للتضخم المستورد، وارتفاع أسعار السلع الغذائية والطاقة، واضطراب حركة التجارة البحرية، ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الوطني ويؤكد الحاجة الماسة لتعزيز مخزونه الاستراتيجي للطاقة والغذاء.

5.     التحديات الاستراتيجية أمام المغرب

في هذا السياق، تواجه المملكة تحديات مزدوجة: من جهة، تأمين إمدادات الطاقة والسلع الأساسية، ومن جهة أخرى، إدارة الضغوط التضخمية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وتسلط الأزمة الضوء على أهمية:

  • تعزيز التحول الطاقي وتنويع مصادر الاستيراد.
  • تطوير البنية التحتية اللوجستية لتقليل الاعتماد على خطوط الإمداد الخارجية الحساسة.
  • وضع خطط طوارئ لتأمين المخزون الاستراتيجي للطاقة والغذاء.

ثانياً: الانعكاسات الاقتصادية على المغرب

 1. صدمة الطاقة والضغط التضخمي

يعتمد المغرب على الاستيراد لتغطية أكثر من 85–90% من حاجياته الطاقية. ومع متوسط استهلاك نفطي يقارب 300 ألف برميل يومياً، فإن أي ارتفاع بـ10 دولارات في سعر البرميل يعني زيادة سنوية في فاتورة الاستيراد قد تتجاوز مليار دولار تقريباً (باحتساب 300 ألف برميل × 365 يوماً × 10 دولارات).

في حال ارتفاع السعر إلى حدود 150 دولاراً للبرميل، فإن فاتورة الطاقة قد تتضاعف مقارنة بمتوسط أسعار 2025، ما سينعكس على:

  • أسعار المحروقات في محطات الوقود (الغازوال والبنزين).
  • تكاليف النقل الطرقي، الذي يمثل العمود الفقري لسلاسل التوزيع الوطنية.
  • كلفة الإنتاج الصناعي، خاصة في قطاعات الإسمنت، الفوسفاط، والصناعات الغذائية.

وبالنظر إلى أن معدل التضخم في المغرب كان قد استقر نسبياً في حدود 2–3% قبل الأزمة، فإن استمرار الصدمة الطاقية قد يدفعه مجدداً نحو مستويات تفوق 5–6%، وهو ما يؤثر مباشرة في القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود.

2.  الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد

يرتبط الأمن الغذائي في المغرب بدرجة كبيرة بعوامل خارجية، وفي مقدمتها تقلبات أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة في الأسواق العالمية. فعلى سبيل المثال، يؤدي ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالمياً بنسبة تقارب 25% إلى زيادة تكلفة إنتاج الأسمدة، وهو ما ينعكس لاحقاً على تكاليف الإنتاج الفلاحي، وبالتالي على أسعار الخضروات والفواكه والحبوب في السوق المحلية.

كما أن جزءاً مهماً من تكلفة استيراد الحبوب يرتبط بما يُعرف في التجارة الدولية بتكلفة الواصل” (CIF). ويشير هذا المصطلح إلى السعر الإجمالي للسلعة عند وصولها إلى ميناء البلد المستورد، حيث يشمل ثمن السلعة، وتكاليف الشحن البحري، إضافة إلى التأمين ضدالمخاطر. ويُعدّ هذا المصطلح اختصاراً للعبارة الإنجليزية: Cost, Insurance and Freight.

وفي أوقات الأزمات الدولية، مثل الحروب أو التوترات في الممرات البحرية، ترتفع أقساط التأمين وتكاليف النقل نتيجة زيادة المخاطر، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة “الواصل” للحبوب بنسبة قد تتراوح بين 10 و15% في المدى القصير.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن المغرب يستورد سنوياً ما بين 5 و8 ملايين طن من الحبوب، فإن أي زيادة قدرها 30 دولاراً في سعر الطن الواحد قد تعني عبئاً إضافياً يتراوح بين 150 و240 مليون دولار على فاتورة الاستيراد، وهو ما يعكس مدى تأثر الأمن الغذائي الوطني بتقلبات الأسواق العالمية.

3. اضطراب التجارة البحرية وسلاسل التوريد العالمية

لا تقتصر تداعيات الحرب في الخليج على أسواق الطاقة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى حركة التجارة البحرية العالمية. فالممرات البحرية المرتبطة بالشرق الأوسط تشكل جزءاً أساسياً من شبكة النقل البحري الدولي، وأي توتر عسكري فيها يؤدي عادة إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن البحري.

وفي مثل هذه الظروف، قد ترتفع أقساط التأمين على السفن التجارية المارة عبر مناطق النزاع بنسبة قد تصل أحياناً إلى 50% أو أكثر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل السلع والمواد الأولية. وبالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية لتأمين وارداته من الطاقة والمواد الغذائية والسلع الصناعية، فإن أي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في كلفة الواردات وتأخر وصول بعض الإمدادات.

غير أن هذه التحولات قد تفتح في المقابل فرصاً لوجستية جديدة للمملكة، إذ قد يعزز الاستقرار النسبي في الموانئ المغربية، وخاصة ميناء طنجة المتوسط، مكانة المغرب كمحطة بديلة لإعادة توزيع التجارة بين أوروبا وإفريقيا، في سياق سعي الشركات الدولية إلى تقليص المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بممرات الملاحة التقليدية.

4. ضغط الميزانية وصندوق المقاص

رغم إصلاحات الدعم، ما تزال الدولة تتحمل جزءاً مهماً من دعم غاز البوتان وبعض المواد الأساسية. ومع ارتفاع الأسعار الدولية، قد تضطر الحكومة إلى:

  • توسيع اعتمادات الدعم الاجتماعي المباشر.
  • رفع مخصصات صندوق المقاصة لتفادي انفجار اجتماعي.
  • إعادة ترتيب أولويات الاستثمار العمومي.

هذا الوضع قد ينعكس على عجز الميزانية، الذي قد يرتفع بنقطة مئوية إضافية من الناتج الداخلي الخام في حال استمرار الأزمة، كما قد يضغط على المديونية العمومية التي تناهز 70% من الناتج الداخلي الخام.

ثالثاً: الانعكاسات السياسية والاستراتيجية

 1. تعزيز التموضع الدبلوماسي

يحافظ المغرب على شراكة استراتيجية متقدمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في المجالات الأمنية والعسكرية. وفي سياق الحرب، قد يتعزز هذا التحالف، بما ينعكس إيجاباً على:

  • استمرار الدعم الأمريكي لموقف المغرب في قضية الصحراء.
  • توسيع التعاون العسكري والتكنولوجي.
  • جذب استثمارات أمريكية تبحث عن بيئة مستقرة خارج مناطق النزاع.

كما أن الاصطفاف مع دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يعزز من فرص استمرار الدعم المالي والاستثماري الخليجي، لا سيما في قطاعات السياحة، العقار، والطاقة المتجددة.

2. تحجيم النفوذ الإيراني إقليمياً

سبق للمغرب أن قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران على خلفية اتهامات بدعم أطراف معادية لوحدته الترابية. وفي حال أفضت الحرب إلى إضعاف القدرات الإيرانية أو انكفائها الداخلي، فإن ذلك قد يقلص من قدرتها على التأثير غير المباشر في شمال إفريقيا.

من منظور استراتيجي، يُنظر إلى هذا التحول باعتباره عاملاً معززاً للأمن الإقليمي المغربي، ولو بشكل غير مباشر.

رابعاً: الفرص الاستراتيجية الممكنة

1. المغرب كمنصة لوجستية بديلة

مع اضطراب موانئ الخليج وارتفاع المخاطر الجيوسياسية في شرق المتوسط، قد يتعزز دور المغرب، وخاصة ميناء طنجة المتوسط، كمركز لوجستي مستقر يربط أوروبا بإفريقيا والأمريكتين.

وقد يؤدي ذلك إلى:

  • زيادة حركة إعادة الشحن (Transshipment).
  • جذب شركات صناعية تبحث عن سلاسل توريد أقصر وأكثر أماناً.
  • تعزيز موقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية.

2. تسريع الانتقال الطاقي

تُعد الأزمة بمثابة إنذار استراتيجي للمغرب لتسريع تقليص التبعية للنفط المستورد. فالمملكة قطعت أشواطاً مهمة في الطاقات المتجددة، إذ تمثل الطاقة النظيفة نسبة مهمة من القدرة الكهربائية المركبة.

غير أن المرحلة المقبلة تتطلب:

  • تسريع مشاريع الهيدروجين الأخضر.
  • توسيع قدرات التخزين الكهربائي.
  • تعزيز النجاعة الطاقية في النقل والصناعة.

على المدى المتوسط، قد يساهم تقليص الاعتماد على النفط بنسبة 10–15% إضافية في تقليص حساسية الاقتصاد المغربي للصدمات الخارجية.

3. إعادة توجيه الاستثمارات وسلاسل الإنتاج العالمي

غالباً ما تؤدي الحروب والأزمات الجيوسياسية الكبرى إلى إعادة رسم خريطة الاستثمارات الدولية وسلاسل الإنتاج العالمية. فالشركات متعددة الجنسيات تميل في مثل هذه الظروف إلى البحث عن مواقع إنتاج أكثر استقراراً سياسياً وأقرب إلى الأسواق الرئيسية، في إطار ما يُعرف بسياسات “القرب الصناعي” أو Nearshoring.

وفي هذا السياق، قد يجد المغرب نفسه في موقع ملائم للاستفادة من هذه التحولات، نظراً لموقعه الجغرافي القريب من أوروبا، واستقراره السياسي النسبي، وتطوره الصناعي في قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران والصناعات الغذائية. كما أن البنية التحتية المتقدمة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط وشبكة المناطق الصناعية واللوجستية، تعزز من قدرة المملكة على جذب استثمارات تبحث عن بدائل إنتاجية خارج مناطق التوتر الجيوسياسي.

وعلى المدى المتوسط، قد تساهم هذه التحولات في تعزيز اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، وتحويله إلى منصة صناعية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا والأسواق الأطلسية.

خاتمة: المغرب بين صدمة الاقتصاد وفرص إعادة التموضع الاستراتيجي

تضع الحرب الأمريكية الاسرائيلية –الإيرانية المغرب أمام معادلة مركبة: ضغوط اقتصادية آنية ناجمة عن صدمة الطاقة والغذاء، مقابل فرص سياسية واستراتيجية محتملة على مستوى التموضع الدولي وجذب الاستثمارات.

إن قدرة المغرب على امتصاص الصدمة ستعتمد على مجموعة من السياسات المتكاملة، أهمها:

  1. توسيع المخزون الاستراتيجي من الطاقة والحبوب لتقليل التأثر بالأزمات الخارجية.
  2. تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لمواجهة التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة.
  3. تسريع التحول الطاقي، بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لتقليص الاعتماد على النفط المستورد وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني.
  4. استثمار الاستقرار السياسي والأمني لجذب رؤوس الأموال الأجنبية والشركات الدولية الباحثة عن ملاذات مستقرة في بيئة إقليمية مضطربة.

في المحصلة، تمثل هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد المغربي على التكيف مع الصدمات الخارجية، وفي الوقت نفسه فرصة لإعادة هيكلة أولوياته الاستراتيجية بما يعزز سيادته الطاقية والغذائية ويكرّس موقعه كفاعل إقليمي مستقر في بيئة دولية غير مستقرة.

د. عياد جلول

مدير الأبحاث والدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى