
نار الخليج وأسعار الطاقة: السيناريوهات المتوقعة لأسعار النفط والغاز في ضوء الحرب الجارية
تقدير موقف في زمن الحرب
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين انطلقت الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية نحو إيران فجرًا، لم يكن الذي استيقظ على وقع الانفجارات المدويةَ قادةَ طهران وحدهم. استيقظت معهم أسواق النفط العالمية من سبات الفوائض الطويل الذي كانت تُهيئ له نفسها منذ أشهر، لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام شبح الندرة، الشبح الذي ظنّ كثيرون أن عقدًا كاملًا من ثورة النفط الصخري الأمريكي قد أرسل به إلى غياهب التاريخ.
لم تكن الضربة التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي مجرد اغتيالٍ سياسي. كانت قنبلةً مُلقاةً في قلب منظومة الطاقة العالمية، إذ يمرّ عبر مضيق هرمز الذي باتت إيران تُهدد بإغلاقه ما يزيد على خُمس إمدادات النفط الخام للعالم بأسره، ناهيك عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر، التيتُعدّ شريانًا حيويًا لمحطات الكهرباء في آسيا الكبرى وأوروبا. وقبل أن تمرّ أربع وعشرون ساعة على الضربة الأولى، كان خام برنت قد قفز بنحو عشرة بالمئة دفعةً واحدة، لتتساءل الأسواق: هل هذه بداية ارتداد عابر أم مقدمةٌ لإعادة رسم خريطة الطاقة للعقد القادم؟
السياق الذي سبق الحريق: وفرة كاذبة ونذر حقيقية
لفهم حجم الزلزال الذي تشهده أسواق الطاقة اليوم، لا بدّ من استحضار المشهد الذي كان قائمًا قبيل اندلاع النيران. كانت كبرى المؤسسات المالية والطاقوية تُجمع في مطلع عام 2026 على أن السوق يسير نحو وفرة في المعروض. جي بي مورغان كان يتوقع متوسطًا لبرنت يحوم حول ستين دولارًا للبرميل، وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (إيا))رأت بدورها أن نمو الإنتاج العالمي سيتجاوز نمو الطلب بفارق معتبر. الرياح كانت تهبّ نحو الانخفاض: الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري في أعلى مستوياته، وأوبك بلاس تواجه ضغوطًا داخلية لزيادة الحصص، والطلب الصيني لم يُسجّل الطفرات المتوقعة منه.
غير أن ثمة من كان يقرأ التيارات التحتية بعين أكثر حدةً. مجموعة يوريشيا ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (سيسيس) في واشنطن كانا يُنبّهان في تقارير متعاقبة إلى أن علاوة المخاطر الجيوسياسية مُقيَّمة بأقل من قيمتها الحقيقية في سوق بالغ الهشاشة أمام أي صدمة إمداد مفاجئة. ووصف محللو رايستاد للطاقة الوضع بأنه حبلٌ مشدودٌ بين قوتين متعاكستين: وفرة الأرقام من جهة، وهشاشة البنية اللوجستية لتدفق النفط من جهة أخرى. ما إن انقطع الحبل في الثامن والعشرين من فبراير حتى صار الرهان كله على أيٍّ من السيناريوهات سيُهيمن على ما تبقى من العام.
السيناريو الأول: الصراع القصير والصدمة المحدودة
رأى فريق من المحللين في جولدمان ساكس، على رأسهم داان ستروفن رئيس قسم أبحاث النفط، أن حركة الأسواق الفورية عقب الضربات كانت تعكس رهانًا محددًا: التجار يُسعّرون توقفًا في الإمدادات لا يتجاوز أربعة أسابيع. في إطار هذا السيناريو الذي تصفه المؤسسة بالأكثر ترجيحًا في غياب توسّع ميداني حقيقي، ترى أن القيمة العادلة لخام برنت تقع حول خمسة وستين دولارًا في الظروف الطبيعية. أما في ظل التوترات الراهنة مع انسياب جزئي عبر هرمز، فقد رفعت توقعاتها للربع الثاني من 2026 بعشرة دولارات ليبلغ ستةً وسبعين دولارًا للبرميل في المتوسط، مع قفزات لحظية فاقت الثمانين دولارًا في الأسبوع الأول.
في هذا المسار، لا تزال خطوط الأنابيب البديلة تؤدي دورها: خط شرق-غرب السعودي القادر على نقل ما يزيد على خمسة ملايين برميل يوميًا نحو البحر الأحمر متجاوزًا هرمز كليًا، وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي الذي يُفرغ شحنه في المحيط الهندي بعيدًا عن مرمى الصواريخ الإيرانية. غير أن الاتكاء على هذا السيناريو المريح يستدعي قرّاءةً متأنيةً للخريطة الميدانية، إذ بات كلا الخطين أهدافًا محتملةً بذاتهما وفق ما تُلوّح به طهران.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف وإمدادات معلّقة على حافة الهاوية
إذا امتدت المواجهة لما هو أبعد من أربعة أسابيع مع استمرار تعطّل حركة الناقلات عبر هرمز، نحن أمام معادلة مختلفة كليًا. جي بي مورغان يُقدّر في تقرير حديث أن إغلاق المضيق لفترة وجيزة كافٍ لإجبار العراق والكويت على وقف ضخّهما النفطي، وهو ما سيُفضي إلى خسارة ما يصل إلى أربعة فاصل سبعة ملايين برميل يوميًا من الإمدادات العالمية. وإذا استمر هذا الإغلاق خمسة أسابيع إضافية من المستوى الراهن، فإن الاحتياطيات الاستراتيجية الأوروبية ستبدأ في الانحسار بصورة حادة، ومعها سيشقّ سعر البرميل طريقه إلى مئة دولار ، حدّ الانكسار الذي يُقرّ جولدمان ساكس بأنه سيُطلق موجة تدمير للطلب.
في هذا السيناريو تحديدًا، يتحوّل الغاز الطبيعي إلى المتفجر الاقتصادي الحقيقي. قطر إنرجي أعلنت حالة القوة القاهرة على عقودها، وأشارت مصادر لوكالة رويترز إلى أن إعادة تشغيل منشآت تسييل الغاز في رأس لفان ستستغرق أسابيع في أفضل الأحوال. بنك أوف أمريكا يرى أن الغاز الأوروبي سيتجاوز ستين يورو للميغاواط ساعي في هذا المسار، وهو مستوى كان يُصنَّف قبل أشهر في خانة الأسوأ. أما مؤشر جي كي إم الآسيوي للغاز المسال، فقد رفعت مؤسسة أي إن زد توقعاتها له إلى سبعة عشر دولارًا للوحدة الحرارية البريطانية، وهو مستوى يزيد التوترات في اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة التي تعتمد على هذا الغاز في معظم طاقتها الكهربائية.
السيناريو الثالث: الكارثة المفتوحة وحسابات ما فوق المئة
تُصنّفه مراكز التحليل في خانة المخاطر الذيلية، أي المُستبعَدة إحصائيًا لكنها غير مستحيلة. وهو يُبنى على افتراضين متراكبين::إغلاق تام ومديد لمضيق هرمز لا يقل عن ستة أسابيع، مصحوبًا باستهداف البنية التحتية للطاقة على نطاق واسع. فإذا طالت صواريخ إيرانية منشأة بقيق السعودية أو رأس تنورة أو حقول الغاز القطرية الرئيسية، نكون أمام عجز مادي حقيقي وليس مجرد خوف في الأسواق.
هنا تتقاطع تقديرات أكسفورد إيكونومكس ورايستاد إنيرجي وود ماكنزي على سيناريو قد يُحلّق فيه برنت نحو مئة وخمسين دولارًا إلى مئة وثمانين دولارًا في أسوأ الاحتمالات. وثمة ما هو أكثر إقلاقًا: نموذج محاكاة أكسفورد إيكونومكس يُشير إلى أن فقدان عشرة ملايين برميل يوميًا لمدة ستة أشهر سيُفضي إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية، مشفوعًا بموجة تضخمية لن تعرف معها البنوك المركزية في أي اتجاه تسدّد مساراتها.
في هذا الفلك المظلم، لن يكفي الضخ من الاحتياطيات الاستراتيجية لسدّ الفجوة. وكالة الطاقة الدولية (آي إي إيه)قادرة على إطلاق ما يصل إلى مئتَي مليون برميل في السوق، وهو ما قد يخفّض السعر مؤقتًا عشرة إلى خمسة عشر دولارًا، لكنه لا يُعالج الأزمة بنيويًا. أما الحل الأمريكي المُقترح من الزيادة في إنتاج النفط الصخري، فحتى لو تجاوبت شركات باسن بيرمي مع الضغط السياسي، فإن الطاقة الإضافية لا تُنتَج في أسابيع بل في أشهر.
ما وراء الأسعار: الفوضى المالية والجغرافيا الجديدة للطاقة
حين تتحدث تقارير المؤسسات عن “علاوة المخاطر”، فهي لا تعني فحسب الخوف من انقطاع الإمدادات. تعني أيضًا ثمنًا مضافًا مباشرًا على كل برميل واصل إلى المستهلك: تكاليف تأمين الناقلات في الخليج قفزت بين خمسمئة وألف بالمئة في الأيام الأولى للحرب، وهو ما يترجم عمليًا إلى خمسة دولارات إلى عشرة دولارات مُضافة على سعر كل برميل مستقل عن أسعار البورصات. وتضاف إلى ذلك ظاهرة شراء صناديق التحوط الكثيف للعقود الآجلة كسياج وقائي من التضخم، مما يخلق أحيانًا فقاعة سعرية تتجاوز القيمة الحقيقية للعرض والطلب بمسافة بعيدة.
في المقابل، ثمة عوامل تكبح الصعود المفرط. تدمير الطلب آلية موضوعية ستعمل عند مستويات سعرية بعينها: صناعات كثيفة استهلاك الطاقة ستُخفّض إنتاجها أو تُعلّق عمليات بأكملها في أوروبا وجنوب شرق آسيا. والحكومات الآسيوية تملك أدوات استجابة أسرع مما يُتصور: الصين راكمت احتياطيات استراتيجية ضخمة خلال عامَي 2024 و2025 حين كانت الأسعار رخيصةً، ستستعملها الآن امتصاصًا للصدمة. واليابان وكوريا الجنوبية ستُسرّعان التحوّل نحو الطاقة النووية وإعادة تشغيل مفاعلات كانت في طور الإيقاف، وفق ما يُسجّله محللو نومورا.
غير أن الأهم في كل هذا المشهد المتقلب هو ما يحدث في العمق البنيوي لخريطة الطاقة العالمية. هذه الحرب، مهما كان أمدها ستُعجّل بمسار التنويع بعيدًا عن نفط الشرق الأوسط الذي كان يسير بخطوات تدريجية. كندا وغيانا والبرازيل ستجد في هذا الظرف حافزًا غير مسبوق لتوسيع طاقتها التصديرية. وشركات الطاقة المتجددة في أوروبا وآسيا ستحظى بما لم تستطع حملات الضغط السياسي تحقيقه لها: مبررًا اقتصاديًا صارمًا لتسريع الاستثمار في مصادر بديلة عن النفط.
التقدير الختامي: بين خريطتين
إن الصورة التي ترسمها المؤسسات المالية الكبرى حين تجمعها هي صورة سوق يعيش في الزمن المزدوج: زمن الحرب القصيرة وزمن الصراع المديد في آنٍ معًا، وهو ما يفسر التذبذب الشديد الذي يجعل أسعار اليوم عرضةً لارتدادات سريعة في اتجاهين متعاكسين. المسار الأكثر ترجيحًا، وفق الإجماع الضمني بين جولدمان ساكس وجي بي مورغان ورايستاد وأوبك بلاس، هو أن يتأرجح برنت بين ثمانين وخمسة وتسعين دولارًا خلال معظم الربع الثاني، مع قفزات تتجاوز المئة عند كل تصعيد ميداني مفاجئ، ثم ميل تدريجي نحو الانخفاض إذا ما نجحت جهود تأمين الملاحة أو أشارت بوادر دبلوماسية جدية إلى إمكانية وقف إطلاق النار.
أما الغاز فلن يجد راحته قريبًا. حتى في سيناريو الحل السريع، فإن إعادة تشغيل منشآت التسييل القطرية وإصلاح ما تضرر يستغرق أسابيع لا أيامًا، وستبقى أسعاره في أوروبا وآسيا مرتفعةً بنسبة لا تقل عن خمسة عشر بالمئة عن معدلاتها الطبيعية طوال فترة الغموض.
الجزء الأعمق من التقدير، ذلك الذي لا تُدرجه وول ستريت في نماذجها القياسية، هو ما يتعلق بالعلاقة بين هذه الحرب والهندسة المالية للدولار. حين ترتفع أسعار النفط بهذه الحدة، وحين تتعقد حسابات الفيدرالي الأمريكي بين مكافحة التضخم ودعم النمو في عام انتخابات نصفية، وحين تعمل الصين على إحكام قبضتها على سوق الطاقة الآسيوية عبر عقود اليوان حينئذٍ تصبح الحرب في هرمز حربًا على أكثر من نفط. تصبح حربًا على البنية المالية للنظام الدولي الذي أقامه انتصار عام 1944 في بريتون وودز.
في نهاية المطاف، ما نشهده ليس موجة أسعار عابرة كتلك التي تحدث في كل أزمة خليجية منذ 1973. ما نشهده هو لحظة تحوّل بنيوية في الجغرافيا الطاقوية للعالم، لا يعلم أحدٌ بعد أين ستضع حجرها الختامي.




