
هل يمكن لمباراة في كرة القدم هدم تراث علاقة امتدت لقرون بين المغرب والسنغال؟
رسالة الملك محمد السادس: الإجابة التي يتجلى فيها النضج الاستراتيجي
في ليلة 18 يناير 2026، وتحت أمطار الرباط الغزيرة، شهد استاد الأمير مولاي عبد الله مشاهد لم تُرَ من قبل في نهائي كأس أفريقيا. انسحب المنتخب السنغالي من الملعب احتجاجاً على قرارات التحكيم، حاول مشجعون سنغاليون اقتحام أرضية الملعب، واندلعت مشادات عنيفة بين اللاعبين. وبعد 17 دقيقة من التوقف المشحون، عاد السنغاليون ليفوزوا باللقب 1-0 في الوقت الإضافي. لكن الأمر لم ينته عند صافرة النهاية.
في الأيام التالية، خرجت تصريحات من رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم عبد الله فال تتهم المغرب بـ”السيطرة على الكاف” عبر نائب رئيسها فوزي لقجع، وتدّعي أن “لا دولة عارضت المغرب كما فعلت السنغال”، في إشارة صريحة إلى اتهامات بالانحياز وشراء التحكيم. كانت هذه التصريحات صادمة بالنسبة للمغاربة، الذين اعتبروا السنغال دوماً الحليف الأقرب في غرب أفريقيا.
فهل كانت هذه اللحظة بداية قطيعة؟ هل يمكن لمباراة واحدة، مهما كانت مشحونة، أن تهدم علاقة امتدت لقرون بين البلدين؟
الإجابة جاءت واضحة من القصر الملكي بالرباط، في رسالة تاريخية من جلالة الملك محمد السادس، حملت في طياتها رؤية استراتيجية عميقة تتجاوز عواطف اللحظة، وتضع العلاقات المغربية-السنغالية في سياقها الصحيح: تاريخ مشترك، مصالح متشابكة، ومستقبل واعد.
رسالة الملك: حين يتحدث النضج الاستراتيجي
في 23 يناير 2026، أصدر الديوان الملكي بياناً مطولاً شكّل قراءة استثنائية للأزمة. لم يكن البيان مجرد رد فعل دبلوماسي، بل كان درساً في الحكمة السياسية والرؤية بعيدة المدى.
جلالة الملك، بعد أن شكر المغاربة على نجاح تنظيم الكان، أشار مباشرة إلى الأحداث المؤسفة التي شهدتها المباراة النهائية، لكنه لم يستغرق في التفاصيل أو الاتهامات المتبادلة. بدلاً من ذلك، اختار المسار الاستراتيجي الأعلى:
“حتى ولو بدا أن هذا الاحتفال الكروي القاري الكبير الذي احتضنته المملكة، قد شابته للأسف أحداث مؤسفة في الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، حيث حصلت تصرفات غير لائقة ومستهجنة جداً، فإنه يبقى من المؤكد أنه بمجرد أن تهدأ العواطف، ستعود الأخوة الإفريقية طبيعياً إلى سابق عهدها.”
هذه الفقرة، رغم بساطة لغتها، تحمل عدة رسائل استراتيجية:
أولاً: الاعتراف بخطورة ما حدث دون تضخيم أو تهوين. استخدام عبارات “أحداث مؤسفة” و”تصرفات غير لائقة ومستهجنة جداً” يؤكد أن المغرب لا يتجاهل الإساءة، لكنه لا يعتبرها مبرراً لقطيعة.
ثانياً: التمييز بين “العواطف” و”المصالح الاستراتيجية”. الملك يفهم أن ما حدث كان انفعالاً لحظياً في سياق كروي مشحون، وليس موقفاً سياسياً متعمداً.
ثالثاً: الإيمان بقوة “الأخوة الإفريقية” كرابط أعمق من أي خلاف عابر. هذا ليس مجرد خطاب دبلوماسي، بل قناعة راسخة بأن المصالح المشتركة والتاريخ الطويل أقوى من أي أزمة.
ثم ينتقل الملك إلى الرسالة الأهم، الموجهة للمغاربة أنفسهم:
“إزاء محاولات الانتقاص والحط من القيمة، يبقى جلالته مقتنعاً بأن هذه النوايا الخبيثة لن تنجح أبداً، وأن الشعب المغربي، بحكمته وفطنته، لن ينجر إلى المرارة والانقسام. ولن ينال أي شيء من العلاقات الوثيقة التي بنيت على مر القرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا من التعاون المثمر الذي بُني يداً بيد مع مختلف دول القارة.”
هنا، الملك لا يخاطب السنغال، بل يخاطب مواطنيه. الرسالة واضحة: لن نسمح لعواطف اللحظة أن تدمر مصالحنا الاستراتيجية. حكمة الشعب المغربي تقتضي التمييز بين الصواب والخطأ، وعدم الانجرار إلى “المرارة والانقسام”.
وهنا يكمن الفرق بين القيادة الاستراتيجية والردود الانفعالية. كان بإمكان الخطاب الملكي أن يستثمر الغضب الشعبي المغربي (والذي كان كبيراً بعد الأحداث) لتأجيج المشاعر وتصعيد الأزمة. لكن الملك اختار العكس تماماً: تهدئة الوضع، وضع الأمور في نصابها، وتذكير المغاربة بأن مصالحهم طويلة المدى تتطلب منهم تجاوز الإساءة.
السنغال: حين تتحدث المصالح أعلى من العواطف
على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، كان رد الفعل السنغالي متدرجاً ومتناقضاً في البداية. فبينما كان الشارع السنغالي منتشياً باللقب (وهو أمر مفهوم)، كانت التصريحات الرسمية الأولى تحمل لهجة دفاعية، بل واتهامية أحياناً.
رئيس الاتحاد السنغالي عبد الله فال، في حفل استقبال المنتخب بداكار يوم 25 يناير، أدلى بتصريحات نارية باللغة الولوفية، ترجمتها وسائل الإعلام لاحقاً. اتهم فيها المغرب بـ”السيطرة على الكاف” عبر فوزي لقجع، وبمحاولة فرض استخدام مركز محمد السادس للتدريب (وهو مرفق حديث ومتطور) لمعرفة أسرار المنتخب السنغالي، وبتأخير الإعلان عن اسم حكم المباراة لحرمان السنغال من حق الاعتراض.
لكن الأهم كان غياب التهنئة الرسمية الكاملة من المسؤولين المغاربة. رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في خطابه خلال افتتاح اللجنة الثنائية العليا يوم 26 يناير، تحدث عن “عمق العلاقات” و”الروابط الروحية” و”التعاون الاقتصادي”، لكنه لم يهنئ السنغال صراحة بالفوز. هذه “التهنئة الناقصة” كانت رسالة واضحة: المغرب لم ينس ما حدث، لكنه لن يسمح لها بتدمير العلاقة.
ومع ذلك، كان الموقف الرسمي السنغالي من القيادة السياسية مختلفاً تماماً عن خطاب الاتحاد الرياضي.
الرئيس باستف ديوماي فاي، في استقباله للمنتخب يوم 21 يناير، شكر المغرب وجلالة الملك على حسن التنظيم والضيافة. ووصف البطولة بأنها “احتفال يتجاوز كرة القدم”، وأشاد بأداء المنتخب المغربي. هذا الموقف الإيجابي كان أول مؤشر على أن القيادة السنغالية لا تريد تصعيد الأزمة.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة: زيارة رئيس الوزراء عثمان سونغو إلى الرباط يومي 26-27 يناير، لحضور الدورة الخامسة عشرة للجنة الثنائية العليا المغربية-السنغالية.

سونغو، الذي كان محور الكثير من التكهنات حول “النَفَس الثوري” للحكومة الجديدة، فاجأ الكثيرين بخطاب براغماتي ومتصالح. في كلمته الافتتاحية، قال بوضوح:
“يجب فهم هذه التجاوزات على أنها انفعالات عاطفية نتجت عن الحماس، وليست شقاقاً سياسياً أو ثقافياً. صداقة المغرب والسنغال أقوى من العواطف.”
هذا التصريح كان نقطة تحول. سونغو، الذي يُنظر إليه كرجل قوي في النظام السنغالي الجديد، وصف الأحداث بـ”التجاوزات” (excesses) و”الانفعالات العاطفية” (emotional outbursts)، وليس كموقف سياسي مدروس. بل إنه ذهب أبعد من ذلك، معترفاً بأن الأحداث كانت “مؤسفة ومؤلمة” (deplorable and painful)، وأنه “لا ينبغي إنكارها ولا تهويلها”.
هذه النبرة الصريحة والمتصالحة كانت أهم من أي بيان دبلوماسي. سونغو، بكلماته، كان يرسل رسالة مزدوجة: للمغرب، بأن السنغال تعترف بالخطأ وتريد تجاوزه؛ وللداخل السنغالي، بأن المصالح الاقتصادية والسياسية مع المغرب أهم من أي ثأر رياضي.
اللجنة الثنائية العليا: حين تُترجم النوايا إلى أفعال
الدورة الخامسة عشرة للجنة الثنائية العليا، التي انعقدت في الرباط يومي 26-27 يناير 2026 (أي بعد أقل من أسبوع من المباراة المشحونة)، كانت أبلغ رد على كل التكهنات حول “نهاية العلاقة” أو “القطيعة الوشيكة”.
توقيع 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات حيوية يؤكد أن العلاقة أعمق بكثير من أن تهتز بسبب مباراة كرة قدم، مهما كانت الأحداث مؤسفة:
1. مذكرة تفاهم حول إنشاء آلية للتشاور القنصلي – تعزيز الحماية القنصلية للمواطنين في البلدين
2. مذكرة تفاهم في مجال الشباب – تبادل الخبرات والبرامج
3. بروتوكول تنفيذ اتفاقية النقل الدولي البري – تسهيل حركة البضائع والأشخاص
4. اتفاقية تعاون في مجال السلامة الطرقية – تقاسم الخبرات المغربية المتقدمة
5. اتفاق إطاري حول المساعدة التقنية في مجال الطرق السيارة – دعم البنية التحتية السنغالية
6. مذكرة تفاهم حول تعزيز المقاولات الصغرى والمتوسطة – خلق فرص العمل والاستثمار
7. اتفاقية تعاون في مجال البنية التحتية الصناعية – التصنيع المشترك
8. مذكرة تفاهم حول التقييس – توحيد المعايير وتسهيل التبادل التجاري
9. اتفاقيات في الفلاحة والإنتاج الحيواني والصحة الحيوانية والسلامة الغذائية – الأمن الغذائي المشترك
10. اتفاق شراكة بين الوكالة الوطنية للموانئ المغربية وميناء داكار – الربط البحري الاستراتيجي
والأهم من كل ذلك: التأكيد على التقدم في مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الأفريقي (نيجيريا-المغرب)، مع التشديد على أن “السنغال ستلعب دوراً رئيسياً في المرحلة الأولى منه.”
هذه ليست مجرد اتفاقيات ورقية. هذه ترجمة عملية لقرار استراتيجي من الجانبين: العلاقة أكبر من أن تُرهن بحدث رياضي، مهما كان مؤثراً.
وزير الخارجية السنغالي شيخ نيانغ، في البيان المشترك، أكد أن السنغال “تجدد دعمها الثابت لسيادة المغرب ومبادرة الحكم الذاتي” في الصحراء المغربية. هذا ليس موقفاً جديداً، بل تأكيد على استمرارية، لكنه كان ضرورياً في هذا التوقيت لإزالة أي شك حول “تغيير في الموقف” نتيجة التوترات الكروية.
الأبعاد الاقتصادية: شبكة مصالح لا يمكن فكها
لفهم لماذا كانت ردود الفعل الرسمية من الجانبين متصالحة رغم حدة الأزمة، يجب النظر إلى الأرقام:
الاستثمارات المغربية في السنغال:
– البنوك المغربية (التجاري وفا بنك، بنك أفريقيا) تسيطر على أكثر من 40% من القطاع البنكي السنغالي
– المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) يستثمر بكثافة في قطاع الأسمدة
– الخطوط الملكية المغربية تربط داكار بعدة مدن مغربية
– شركة “مارسا ماروك” تدير محطة حاويات في ميناء داكار
– شركة الاتصالات المغربية (Maroc Telecom) حاضرة في السوق السنغالية
التبادل التجاري:
– صادرات السنغال إلى المغرب وصلت إلى 44.6 مليون دولار في 2024، بزيادة 26% عن 2023
– صادرات المغرب إلى السنغال تجاوزت 200 مليون دولار في 2024
– السنغال هي إحدى أهم وجهات الصادرات المغربية في غرب أفريقيا
الجالية السنغالية في المغرب:
– تُقدر بعشرات الآلاف (يقدر البعض عدد أفرادها بقرابة 200 ألف نسمة)، وهي أكبر الجاليات الأفريقية في المغرب، وتشكل جسراً بشرياً وثقافياً واقتصادياً بين البلدين
المشاريع الاستراتيجية المشتركة:
– أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب: مشروع بقيمة 25 مليار دولار، سيمر عبر السنغال في مرحلته الأولى. السنغال ليست مجرد “دولة عبور”، بل شريك استراتيجي سيستفيد من الغاز المار، وسيلعب دوراً في إدارة وتشغيل الأنبوب.
– مشاريع الربط الكهربائي الإقليمية: ضمن تجمع دول غرب أفريقيا (ECOWAS)
– التعاون في مجال الطاقات المتجددة: السنغال تستفيد من الخبرة المغربية المتقدمة في الطاقة الشمسية
كيف يمكن، إذن، لحكومة عقلانية في داكار، أن تخاطر بهذه الشبكة المعقدة من المصالح بسبب مباراة كرة قدم؟ الجواب: لا يمكن.
وهنا تكمن الحكمة في الموقف السنغالي. الرئيس فاي ورئيس الوزراء سونغو، رغم أنهما يمثلان جيلاً جديداً وخطاباً “ثورياً” إلى حد ما، فهما أيضاً رجلا دولة براغماتيان. يفهمان أن السنغال، كدولة نامية مثقلة بالديون، تحتاج إلى الاستثمارات المغربية. يفهمان أن أنبوب الغاز قد يكون أهم مشروع بنية تحتية في تاريخ غرب أفريقيا. يفهمان أن القطيعة مع المغرب ستكلف السنغال أكثر بكثير مما ستكلف المغرب. لهذا، كان خطاب سونغو في الرباط واضحاً: “الصداقة بين المغرب والسنغال أقوى من العواطف.”
الزاوية التيجانية: البُعد الروحي الذي لا يُستهان به
لا يمكن فهم العلاقة المغربية-السنغالية دون التطرق للبعد الروحي، الذي يشكل أحد أعمدتها التاريخية.
الطريقة التيجانية، التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني (1737-1815) في فاس، هي إحدى أكبر الطرق الصوفية في أفريقيا. والسنغال هي قلب التيجانية في غرب أفريقيا، حيث ينتمي إليها ملايين السنغاليين، بما في ذلك عائلات مؤثرة سياسياً واقتصادياً.
الزاوية التيجانية في فاس هي مقصد روحي لملايين التيجانيين الأفارقة، خاصة السنغاليين. كل عام، يزور آلاف الحجاج السنغاليين المدينة لزيارة ضريح الشيخ التيجاني، في رحلة تجمع بين الروحانية والتجارة والثقافة.
هذا الرابط الروحي ليس مجرد “تراث تاريخي”، بل قوة حية تربط شعبي البلدين بطريقة عميقة وغير قابلة للكسر بسهولة. كيف يمكن لحكومة سنغالية، مهما كانت “ثورية”، أن تتجاهل هذا البعد؟
الجواب: لا يمكن. ولهذا، رغم كل التوترات السطحية، بقيت هذه الروابط قائمة، وستبقى.
الحسن الثاني وليوبولد سنغور: إرث لا يُنسى

البعد التاريخي للعلاقة يعود إلى عهد المغفور لهما الملك الحسن الثاني والرئيس السنغالي الشاعر ليوبولد سيدار سنغور.
كانت العلاقة بين الرجلين نموذجاً للصداقة السياسية والثقافية. سنغور، الشاعر والفيلسوف، كان معجباً بالحضارة المغربية وتاريخها العريق. والحسن الثاني، الملك الفيلسوف هو الآخر، وجد في سنغور شريكاً استراتيجياً في بناء علاقات قوية بين المغرب وغرب أفريقيا.
هذه العلاقة التاريخية أرست أسساً متينة للتعاون بين البلدين، وخلقت “ثقافة تعاون” لا تزال حاضرة حتى اليوم. كل زيارة ملكية للسنغال (وقد قام جلالة الملك محمد السادس بثماني زيارات رسمية)، وكل زيارة رئاسية سنغالية للمغرب، تستحضر هذا الإرث وتؤكد على استمراريته.
كيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تمحو هذا التاريخ؟ الجواب، مرة أخرى، وكما قال الملك محمد السادس: “لن ينال أي شيء من العلاقات الوثيقة التي بنيت على مر القرون بين شعوبنا الإفريقية.”
عثمان سونغو: الثوري البراغماتي
أحد المحاور المثيرة للاهتمام في هذه الأزمة كان موقف عثمان سونغو، رئيس الوزراء السنغالي ورجل الرئيس فاي القوي.
سونغو معروف بخطابه “الثوري” وانتقاده للنخب التقليدية وللهيمنة الغربية (خاصة الفرنسية). كثيرون توقعوا أن يتبنى موقفاً متشدداً تجاه المغرب بعد أحداث النهائي، خاصة أن بعض وسائل الإعلام تحدثت عن “خلافات” بينه وبين الرئيس فاي حول “براغماتية” الأخير. لكن سونغو فاجأ الجميع. خطابه في الرباط كان مصالحة خالصة. وصف الأحداث بـ”المؤسفة”، لكنه شدد على أنها لا تمثل “شقاقاً سياسياً أو ثقافياً”. بل إنه ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن “الصداقة بين المغرب والسنغال أقوى من العواطف”.
هذا الموقف يكشف عدة حقائق:
أولاً: سونغو، رغم خطابه الثوري، هو رجل دولة يفهم المصالح الاستراتيجية. يعرف أن قطيعة مع المغرب ستضر بالسنغال أكثر مما ستنفعها.
ثانياً: الحديث عن “خلافات” بينه وبين فاي حول الموقف من المغرب يبدو مبالغاً فيه. الموقف المشترك الذي ظهر في الرباط يدل على توافق واضح بين القيادة السنغالية.
ثالثاً: سونغو، بخلفيته اليسارية، يفهم أهمية “التعاون جنوب-جنوب” الذي يمثله المغرب في أفريقيا. المغرب ليس مستعمراً قديماً، بل شريك أفريقي. هذه الحقيقة تجعل من الصعب على خطاب “معاداة الاستعمار” أن يستهدف الرباط.
أنبوب الغاز: المشروع الذي لا يمكن المجازفة به
إذا كان هناك مشروع واحد يختصر أهمية العلاقة المغربية-السنغالية، فهو أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب (Nigeria-Morocco Gas Pipeline – NMGP).
هذا المشروع العملاق، بتكلفة تقديرية تصل إلى 25 مليار دولار، سيمتد على طول 5,660 كيلومتراً على طول الساحل الغربي لأفريقيا، ليربط احتياطيات الغاز النيجيرية الهائلة (أكبر احتياطيات أفريقيا) بالمغرب، ومنه إلى أوروبا عبر أنبوب “المغرب-أوروبا” (GME).
الدول المستفيدة من الأنبوب هي: نيجيريا، بنين، توغو، غانا، ساحل العاج، ليبيريا، سيراليون، غينيا، غينيا بيساو، غامبيا، السنغال، موريتانيا، والمغرب. كما سيزود دول الساحل المحصورة (النيجر، بوركينا فاسو، مالي).
دور السنغال في المشروع محوري:
– السنغال جزء من المرحلة الأولى للمشروع (المغرب-موريتانيا-السنغال)
– ستستفيد من الغاز المار لتلبية احتياجاتها المحلية المتزايدة
– ستلعب دوراً في إدارة وتشغيل الأنبوب على أراضيها
– الاستثمارات المرتبطة بالمشروع ستخلق آلاف فرص العمل
وزير الطاقة السنغالي بيرام سوليي ديوب، في ديسمبر 2025، أكد أن “السنغال ستبني مشاريعها الطاقية حول مصالحها الوطنية أولاً، وستستفيد من التعاون الإقليمي، خاصة أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب.”
البيان المشترك للجنة الثنائية العليا (27 يناير 2026) نص صراحة على أن “الجانبان رحبا بالتقدم المحرز في مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الأفريقي، رمز التعاون جنوب-جنوب، مع التشديد على أن السنغال ستلعب دوراً رئيسياً في المرحلة الأولى منه.”
هذا التأكيد، بعد أقل من أسبوع من أحداث النهائي، يحمل رسالة واضحة: المشروع أكبر من أي خلاف، وسيمضي قدماً.
هل يمكن للسنغال أن تخاطر بهذا المشروع بسبب مباراة كرة قدم؟ الجواب البديهي: لا، لا يمكن. وهذا بالضبط ما حدث.
الجزائر: الغائب الحاضر
سؤال يطرح نفسه بإلحاح: أين الجزائر من كل هذا؟
النظام الجزائري، العدو التاريخي للمغرب، له مصلحة واضحة في إفشال أي مشروع مغربي استراتيجي في أفريقيا، خاصة أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي يهدد مباشرة موقع الجزائر كمورد رئيسي للغاز إلى أوروبا.
في أكتوبر 2021، أغلقت الجزائر أنبوب “المغرب-أوروبا” الذي كان يمر عبر المغرب، في محاولة لخنق المغرب طاقياً. لكن المغرب رد باستراتيجية بديلة: أنبوب نيجيريا-المغرب. هذا الأنبوب، إذا اكتمل، سيجعل المغرب مركزاً طاقياً إقليمياً، وسيربط غرب أفريقيا بأوروبا عبر المغرب، متجاوزاً الجزائر تماماً. هذا كابوس استراتيجي للنظام الجزائري.
ولهذا، من الطبيعي أن نتساءل: هل كان للجزائر دور في تأجيج التوترات بين المغرب والسنغال؟
لا توجد أدلة مباشرة، لكن هناك مؤشرات:
1. الإعلام الجزائري كان أول من ضخّم الأزمة، ونشر تصريحات نارية من بعض المسؤولين السنغاليين، وحاول تصوير الأمر كـ”قطيعة وشيكة”.
2. النظام الجزائري له تاريخ طويل في محاولة شق الصف الأفريقي المؤيد للمغرب، خاصة في قضية الصحراء.
3. اعتقال مشجع جزائري واحد خلال أحداث النهائي (بينما اعتُقل 18 سنغالياً) يطرح أسئلة حول دوره في الأحداث.
لكن، ومرة أخرى، الواقع الاستراتيجي أقوى من أي محاولة تخريب. المصالح المشتركة بين المغرب والسنغال، والرؤية الواضحة للقيادتين، حالت دون أي انزلاق نحو القطيعة.
الدرس الاستراتيجي: حين تنتصر الرؤية على الانفعال
ما حدث بين المغرب والسنغال في يناير 2026 يقدم درساً استراتيجياً بليغاً في فن إدارة الأزمات الدبلوماسية.
الخطأ الأول الذي كان يمكن أن يحدث هو الانجرار إلى دوامة التصعيد. بعد أحداث النهائي، كان الغضب الشعبي المغربي كبيراً. كان بإمكان القصر الملكي أو الحكومة استثمار هذا الغضب لتصعيد الأزمة، فرض عقوبات، إلغاء اتفاقيات، تجميد علاقات. لكن هذا لم يحدث.
بدلاً من ذلك، اختارت القيادة المغربية مسار النضج الاستراتيجي:
– رسالة ملكية واضحة تضع الأمور في نصابها
– تهدئة للشارع المغربي وتذكير بالمصالح طويلة المدى
– استقبال كريم لرئيس الوزراء السنغالي بعد أيام قليلة من الأزمة
– توقيع 17 اتفاقية في أقل من أسبوع
الخطأ الثاني الذي كان يمكن أن يحدث من الجانب السنغالي هو التمادي في الخطاب الاتهامي. كان بإمكان الحكومة السنغالية أن تستثمر الانتشاء باللقب لتصعيد الخطاب ضد المغرب، واتهامه بالتآمر، والمطالبة بتحقيقات دولية. لكن هذا أيضاً لم يحدث.
بدلاً من ذلك، اختارت القيادة السنغالية مسار البراغماتية:
– تصريحات الرئيس فاي المصالحة فوراً بعد الفوز
– خطاب سونغو الواضح في الرباط: “انفعالات عاطفية وليس شقاق سياسي”
– المشاركة الفعّالة في اللجنة الثنائية العليا
– التأكيد على دعم السنغال لمغربية الصحراء
النتيجة: أزمة كان يمكن أن تتحول إلى قطيعة، تحولت إلى فرصة لتعزيز العلاقة.
هذا هو الفرق بين القيادة الاستراتيجية الناضجة، والردود الانفعالية قصيرة النظر.
الخلاصة: مباراة واحدة لا يمكن أن تهدم قروناً من التاريخ
وبالعودة إلى السؤال الاستنكاري في العنوان: هل يمكن لمباراة في كرة القدم هدم تراث علاقة امتدت لقرون بين المغرب والسنغال؟
الإجابة، كما أكدتها الأحداث التالية، هي لا، لا يمكن. ليس لأن ما حدث لم يكن خطيراً – بل كان خطيراً وصادماً ومؤسفاً.
بل لأن العلاقة أعمق وأقوى من أن تنهار بسبب حدث عابر.
القيادة المغربية، بحكمة جلالة الملك محمد السادس، فهمت هذا جيداً. والقيادة السنغالية، بواقعية الرئيس فاي ورئيس الوزراء سونغو، فهمته أيضاً.
التاريخ المشترك (الحسن الثاني وسنغور، العلاقات التي تمتد لقرون)، الروابط الروحية (الزاوية التيجانية)، المصالح الاقتصادية المتشابكة (البنوك، الاستثمارات، التجارة)، المشاريع الاستراتيجية المشتركة (أنبوب الغاز، التعاون الإقليمي) – كل هذه العوامل أقوى بكثير من عواطف مباراة، مهما كانت مشحونة.
رسالة الملك محمد السادس لم تكن مجرد بيان دبلوماسي. كانت درساً في الحكمة السياسية، ورسالة واضحة لشعبه ولشعب السنغال: العلاقة أكبر من اللحظة، والمستقبل المشترك أهم من الماضي القريب المؤسف.
وعثمان سونغو، بخطابه في الرباط، أكد الرسالة نفسها من الجانب السنغالي.
الدرس الأخير: في السياسة الدولية، المصالح الاستراتيجية تنتصر دائماً على العواطف، إذا وُجِدت قيادات حكيمة.
وهذا بالضبط ما حدث.




