واشنطن تُعجّل الحسم: “وثيقة الأربعين صفحة” ورهانات جولة مفاوضات واشنطن حول مقترح الحكم الذاتي
حين يُقرر مسعد بولص، مستشار الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، تقليص المسافة بين جولتين دبلوماسيتين من ثلاثة أشهر إلى ثلاثة أسابيع، فإن ذلك لا يُقرأ بوصفه تعديلاً تقنياً في الروزنامة، بل إعلاناً عن أن المفاوضات انتقلت من طور “استكشاف المواقف” إلى طور “تثبيت المكتسبات”. الجولة الثانية من المحادثات الرباعية، التي دعا إليها بولص يومي 23 و24 فبراير الجاري في واشنطن، جاءت بعد أسبوعين فحسب من جولة مدريد الأولى (8 و9 فبراير)، في حين كان الجدول المُعلن يشير إلى موعد مايو. هذا التسارع هو موضوع هذه القراءة الاستراتيجية.
الثقل التاريخي للحظة مدريد
لم تكن مدريد مجرد مكان جغرافي محايد اختاره المنظمون للمحادثات الأخيرة. كانت رسالة رمزية ذات طبقات متعددة: في عام 1975، وقّعت في العاصمة الإسبانية ذاتها “اتفاقية مدريد الثلاثية” التي أسقطت سيطرة إسبانيا على الصحراء المغربية، وفتحت الباب أمام خمسة عقود من النزاع. وفي فبراير 2026، وفي السفارة الأمريكية على الأرض الإسبانية ذاتها، جلست على طاولة واحدة وفود المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا لأول مرة منذ سبع سنوات. الجغرافيا الرمزية لم تكن صدفة.
ما يستحق التأمل أن الجزائر، التي ظلت لعقود تُقرّ بأنها مجرد “دولة مُضيفة” لمخيمات اللاجئين، أُجبرت في مدريد على الجلوس بصفة “طرف مباشر في النزاع”، وذلك في ضوء قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في أكتوبر 2025. بولص نفسه لم يترك مجالاً للتأويل حين صرّح لقناة “دويتشه فيله” على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في الرابع عشر من فبراير، مُستنداً إلى صياغة القرار الأممي: “يُحدد القرار بوضوح الأطراف المعنية: المغرب، وجبهة البوليساريو، والجزائر، وموريتانيا، بدرجات متفاوتة من الانخراط”. ليس ثمة هامش للمناورة اللفظية بعد اليوم.
هذا التأطير الأمريكي الصريح يُمثل تحولاً نوعياً في موقف واشنطن. لم يعد الأمر مجرد “دعم سياسي” للمقترح المغربي، بل انتقل إلى “ضمان قانوني” مدعوم بنص ملزم في مجلس الأمن. وعلى الضفة الإسبانية، كشف تصرف وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس خلال الجولة عن الموقف الحقيقي لمدريد دون حاجة إلى تصريح: استقبل ألباريس الوفود الأربعة بشكل منفرد (الولايات المتحدة، المغرب، الجزائر، موريتانيا)، غير أنه رفض صراحةً استقبال وفد البوليساريو في لقاء ثنائي رسمي. حين يُحجم وزير خارجية دولة مضيفة عن منح لقاء دبلوماسي لطرف ما، فإن الرسالة أبلغ من أي بيان رسمي.
“الوثيقة التقنية”: من الإعلان السياسي إلى التشريع التنفيذي
في قلب جولة مدريد، وثيقة مغربية من أربعين صفحة تم الحديث عن أن وزير الخارجية ناصر بوريطة قدّمها مُرفقة بشرائح تفصيلية. هذه الوثيقة، التي أُشير إليها رسمياً بـ”الوثيقة التقنية”، هي نتاج مسار دقيق بدأ مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797. ويعتقد أن عملية صياغتها قد تكلف بها ثلاثة مستشارين ملكيين كبار: الطيب الفاسي الفهري، وعمر عزيمان السفير السابق في مدريد، وفؤاد عالي الهمة، بتنسيق مع الأحزاب الوطنية، الوزارات المعنية، وبالأساس، المديرية العامة للدراسات والمستندات، وهو الجهاز الاستخباراتي الخارجي المغربي. إنها في جوهرها قفزة نوعية من مقترح 2007 الذي لم يتجاوز ثلاث صفحات.
أهمية هذا التفصيل التنفيذي لا تكمن فقط في حجم الوثيقة، بل في ما يعكسه من استراتيجية: المغرب نقل النقاش من ميدان السياسة، حيث يمكن لأي طرف رفع شعار “الاستفتاء” واستمرار الجمود، إلى ميدان التقنية القانونية والإدارية، حيث تصبح الأسئلة محددة، والإجابات قابلة للقياس، والرفض يكشف عن انعدام النية الحقيقية في التفاوض.
يرصد المتابعون للمضمون المُسرَّب من الوثيقة بنية قانونية متعددة الطبقات:
على صعيد هندسة السلطات، ترسم الوثيقة تمييزاً قاطعاً بين “الاختصاصات السيادية الحصرية” للدولة المركزية وتشمل الدفاع الوطني والسياسة الخارجية والعملة والنظام القضائي الأعلى ورموز السيادة، وبين “الاختصاصات الجهوية الواسعة” التي تشمل التهيئة الترابية والتخطيط الاقتصادي وتدبير الثروات البحرية والفلاحية والتعليم والصحة والبيئة والبنية التحتية. الوثيقة كما تُشير تقارير “أتالاير” الإسبانية المتخصصة تتبنى “مبدأ التفريع”، أي أن كل صلاحية غير مُسندة صراحةً للجهة تبقى اختصاصاً وطنياً، مع آلية واضحة لتفويضها باتفاق مشترك.
على صعيد التمثيل الديمقراطي، تقترح الوثيقة برلماناً جهوياً بشرعية مزدوجة: أعضاء منتخبون بالاقتراع العام المباشر، وأعضاء معيّنون من قِبل القبائل الصحراوية المعترف بها وفق آليات محددة في قانون تنظيمي. وتُضمّن الوثيقة حصصاً إلزامية لتمثيل المرأة، وهو تفصيل ذو دلالة في سياق يُراد له أن يكون “نموذجاً للحكامة الجهوية”.
على صعيد الهندسة القضائية، تُنشئ الوثيقة منظومة قضائية جهوية تصدر أحكامها “باسم الملك” مع آلية للمراجعة الدستورية تضمن انسجامها مع الإطار القانوني الوطني، وتكفل في الآن ذاته خصوصية التشريع الجهوي في المجالات التي تُحيلها إليه الوثيقة.
على صعيد البنية المالية والضريبية، تُقرّ الوثيقة نظاماً ضريبياً جهوياً مستقلاً في القطاعات المُفوَّضة، وصندوقاً للتنمية الجهوية يُموَّل من عائدات الثروات الطبيعية المحلية. هذا العنصر تحديداً هو ما وصفه بعض المحللين بـ”الجزرة الاقتصادية” التي تُخاطب الطبقات الوسطى في المخيمات وتُقدم لها مشروع انتماء ملموساً.
على صعيد مسار المصالحة والعودة، خصصت الوثيقة فصلاً لآليات إدماج سكان المخيمات لا بوصفهم “عائدين” فقط، بل بوصفهم “شركاء في بناء المؤسسات الجهوية”، مع برنامج زمني واضح وصندوق دولي للتعويضات وإعادة الإعمار.
بعض التسريبات ذهبت إلى حد الحديث عن إدماج بعض عناصر البوليساريو -بعد خضوعها لبرنامج تأهيل شامل- في أجهزة الأمن الداخلي في الأقاليم الصحراوية؛ وذهب بعضها الآخر إلى الحديث عن “جزرة” أخرى أقترحت على الجزائر هذه المرة، وتتعلق بإنشاء مناطق حرة على الحدود الجزائرية المغربية، تسهل عملية إيصال السلع الجزائرية إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة. لكن في انتظار موقف رسمي مغربي، تبقى جميع التسريبات السابقة في إطار التكهنات، في انتظار خروج “الدخان الأبيض” من غرف التفاوض!
ما يُثير الاهتمام في ردود فعل مدريد هو ما وصفته صحيفة “أتالاير” بأن “بولص (مستشار ترامب) وولتز (مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة) أبديا تجاوباً إيجابياً” مع العرض المغربي، في حين قبلت المجموعة كافة، بما فيها الجزائر والبوليساريو، التعامل مع الوثيقة بوصفها “الوثيقة التقنية المرجعية”، أي الوثيقة التي ستشتغل عليها لجنة الخبراء والتقنيين التي أُسست في مدريد، وستجتمع في عواصم لاحقة. هذا القبول بالعمل على الوثيقة المغربية بدلاً من إدخال “مقترحات بديلة” هو في حد ذاته اعتراف ضمني بأن الأرضية المغربية هي أرضية التفاوض الوحيدة.
مصداقية “الليونة الجزائرية”: قراءة متأنية في الدلالات
الإجابة عن سؤال “هل قبلت الجزائر فعلاً بالحكم الذاتي؟” تقتضي تمييزاً دقيقاً بين ثلاثة مستويات من القبول تتباين في دلالاتها وتبعاتها.
ثمة مستوى أول يمكن توصيفه بـ”القبول الإجرائي”: الجزائر جلست على الطاولة، قبلت الوثيقة المغربية إطاراً مرجعياً للنقاش التقني، ولم تُقدّم “مقترحات بديلة” في مدريد، وتتهيأ للجلوس مجدداً في واشنطن. هذا وحده يُمثل تحولاً تاريخياً قياساً بعقود من الرفض المطلق.
وثمة مستوى ثانٍ هو “القبول الاضطراري”: المحللون الجزائريون أنفسهم، ومنهم وليد كبير الذي نقل عنه موقع “الاستقلال”، يُقرون بأن “الجزائر، بمشاركتها في اجتماع مدريد، تُقرّ بقبول الجلوس للتفاوض على الملف الصحراوي في إطار مقترح الحكم الذاتي”. تقارير أخرى تُشير إلى أن الجانب الجزائري يعيش هاجساً حقيقياً من سيناريو عزل دولي مماثل لما عاشته فنزويلا، إضافةً إلى خشية وضع البوليساريو على قوائم التنظيمات الإرهابية. هذا القبول، إذن، لا ينبع من اقتناع بل من المفاضلة بين خيارات متاحة كلها مُكلفة.
أما المستوى الثالث فهو ما يجب التحفظ عليه تحليلياً: المصادر الجزائرية والبوليساريو لا تزال تتحدث عن “مفاوضات حول آلية للحكم الذاتي تنتهي باستفتاء”، في حين يؤكد المغرب أن الحكم الذاتي ذاته تعبير عن حق تقرير المصير. هذا التباين لا يُزال بتصريح واحد. ومن هنا يأتي سر تسارع وتيرة بولص: إغلاق هذه الهوة التفسيرية قبل أن تتسع، لأنها إذا تسعت فُتح الباب من جديد أمام مسار، تعرف واشنطن أنه لن يُفضي إلى شيء.
تكشف “إنترناشيونال كرايسيس غروب”، في تقريرها المُفصل الصادر مؤخراً، أن الأطراف لم تتفق رسمياً حتى على إنشاء “لجنة الخبراء” كما أُعلن، في حين تُؤكد مصادر مغربية قريبة من المفاوضات أنه تم فعلاً. هذا التضارب في الروايات دليل إضافي على أن ما جرى في مدريد هو “توافق هش” يسعى بولص إلى تصليبه وتحويله إلى التزامات رسمية في الجولة الأمريكية.
بولص بين منطق “الصفقة” ومنطق “الاستقرار“
مسعد بولص، رجل الأعمال اللبناني-الأمريكي الذي لا يكف عن التحرك بين العواصم، لا يُدير هذا الملف كما يُدير محامٍ قضية، بل كما يُدير تاجرٌ صفقة متشعبة الخيوط. حين صرّح لفرانس 24 في الخامس عشر من فبراير بأن موقف الولايات المتحدة “ثابت ولا يتغير” فيما يخص سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وأن هذا الثبات أكده الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو وبولص نفسه، فإنه كان يُرسي “سقفاً” لا تحاور فيه. وحين رفض في المقابل الكشف عن مضمون الوثيقة التقنية، مؤكداً أن السرية تكريم للأطراف وأن المضمون “يعود للأطراف المعنية في المقام الأول للمغرب والصحراويين”، فإنه كان يحمي المفاوض الأقوى: الرباط.
الصيغة التي اعتمدها بولص مُحكمة من الناحية التقنية: واشنطن “تُيسّر” ولا “تُملي”، لكن الإطار الذي تُيسّر فيه لا يترك في الواقع إلا مساراً واحداً مُمكناً. هذا هو الفارق بين “وساطة” الأمم المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات بإدارة نزاعات قابلة للاستمرار، وبين وساطة أمريكا عام 2026 برؤية تريد طي الملف وفتح أفق استثماري جديد في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
بولص صرّح علناً في ميونيخ أنه “متفائل بالتوصل إلى حل قبل الصيف”. هذا الإعلان بالغ الدلالة: لا يُعلن مسؤول في إدارة أمريكية عن أفق زمني من هذه الدقة ما لم يكن يمتلك ضمانات داخلية تُسوّغ هذا التفاؤل.
المغرب: هدوء الواثق من نفسه
لن تجد في التصريحات المغربية الرسمية بعد مدريد احتفالاً صاخباً أو إعلاناً عن انتصار. هذا الصمت المُدار ليس تحفظاً بل هو منهج: حين تكون في موقع القوة، تتركُ الحجج تتكلم عن نفسها، وتُتيح للطرف الآخر وقتاً كافياً ليُنجز المشهد المناسب لحفظ ماء الوجه.
غير أن قراءة المشهد بصبر تكشف حجم ما تحقق: فرض الوثيقة المغربية إطاراً تقنياً مرجعياً، وإدراج الجزائر طرفاً مباشراً، واستبعاد “المقترحات البديلة”، وإنشاء لجنة تقنية ثلاثية ستعمل على النص المغربي. هذه مُكتسبات بنيوية تبقى حتى لو شهدت جولات لاحقة تعقيدات.
وزير الخارجية الإسباني ألباريس بات وبوريطة نموذجاً في تقديم وسائل الإعلام الإسبانية للعلاقة بين البلدين. هذا الظهور المشترك الذي جاء في مدريد ليس مجرد بروتوكول؛ إسبانيا، المدرجة ضمن الدول الكبرى التي تعترف بمغربية الصحراء منذ إعلان أبريل 2022، باتت شريكاً فعلياً في دعم العملية الدبلوماسية، لا مجرد دولة مضيفة محايدة.
ماذا بعد واشنطن؟
السؤال المشروع الذي يطرحه المحللون بعد قراءة هذه المعطيات: ماذا ستُفضي إليه جولة 23-24 فبراير الأمريكية؟
المؤكد هو أن بولص لا يدعو إلى لقاء ثلاثي لمجرد إعلان التقدم. كل جولة في منظوره يجب أن تُضيف حجراً جديداً إلى البناء. ما يُرجَّح أن واشنطن ستسعى إلى تحويل “القبول الضمني” للجزائر والبوليساريو بالوثيقة التقنية إلى التزام رسمي موثق، وإلى رسم جدول زمني واضح لاجتماعات لجنة الخبراء وتسليم تقاريرها.
أما الهاجس الجزائري الأكبر فيبقى “الشكل” لا “الجوهر”. الجزائر أدركت أن النظام الدولي لم يعد يُتيح لها استمرار لعبة التمنع، لكنها تبحث عن كيفية تقديم هذا التحول لرأيها العام الداخلي بصورة لا تُقدّمه هزيمة كاملة. التنازل المُرتقب سيكون محاطاً بصياغات تُحفظ ماء الوجه، وهذا ما ستتفاوض عليه الأطراف في الجولات القادمة أكثر مما ستتفاوض على الجوهر الذي أُغلق فعلياً في مدريد.
النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لم ينتهِ بعد، لكنه دخل مرحلة يصعب فيها على أي طرف أن يُعيد الساعة إلى الوراء. وثيقة الأربعين صفحة، بما تُجسّده من إرادة ملكية وبناء دبلوماسي متراكم، وضعت معادلة جديدة على الطاولة: ليس “هل يقبل الطرف الآخر الحكم الذاتي؟” بل “متى وكيف؟”. وفي الدبلوماسية، حين يتحول سؤال “هل” إلى سؤال “كيف”، فإن الجواب يصبح مجرد مسألة وقت.




