
وزارة جديدة لإدارة “ثورة منجمية” مؤجلة: ماذا وراء “الزلزال الوزاري” في الحكومة الجزائرية؟
في غضون ثمان وأربعين ساعة فقط، أطاح النظام العسكري الجزائري بوزير الموارد المائية، وانتزع حقيبة المناجم من يد عرقاب ليمنحها لوجه جديد مجهول، وعيّن كاتبة دولة للقطاع الناشئ في إجراء لا سابق له، وهكذا أصبح محمد عرقاب وزير دولة حصرياً على المحروقات، بينما تسلّم مراد حنيفي وزارة المناجم والصناعات المنجمية، مع تعيين كريمة طافر سكرتيرةً للدولة لديه. المشهد يُوحي بنقلة نوعية، وهو ما يريد النظام تصديره بالضبط. لكن الأرقام، كما هي عادتها، لا تجامل ولا تُزيّن.
أولاً: إقالة وزير الماء أو فن التضحية بالكبش
قبل الحديث عن المناجم، لا بد من الوقوف لحظة عند الوزير المُقال طه دربال، وزير الموارد المائية الذي دفع ثمن أزمة مياه الشرب في عنابة، إثر عطل في محطة تحلية مياه البحر بالطارف. الإقالة لم تكن مباغتة ولم تأت من فراغ، بل جاءت في سياق أزمة المياه الحادة التي ضربت عنابة . لكنها في جوهرها شيء آخر تماماً: هي ما يُسمى في علم السياسة المقارن بـ”التضحية بالوزير”، أي إعادة توجيه غضب الشارع نحو شخص بعينه بدلاً من مواجهة المنظومة التي أنتجته. الوزير يأتي ويذهب، أما سياسة البنية التحتية المائية المتهالكة وندرة المشاريع الجديدة الفاعلة فتبقى. وما يزيد المشهد إثارةً أن تأتي هذه الإقالة قُبيل أيام من وصول البابا إلى عنابة تحديداً، كأن الهدف هو تقديم مدينة “نظيفة” بأي ثمن، ولو بثمن رأس وزير.
ثانياً: عرقاب المتمسك بالعرش النفطي وسر “الفصل“
في مجلس الوزراء المنعقد في الخامس من أبريل الجاري، أكد تبون أن “المرحلة القادمة يجب أن تستجيب لطموحات الجزائر التي تندرج في منطق اقتصاد متين ومتنوع”، مطالباً بـ“أرقام موثوقة وحقيقية”. جملة المفتاح هنا هي آخرها: “أرقام موثوقة وحقيقية”. فهي تكشف ضمنياً أن الأرقام الحالية ليست كذلك، وهو اعتراف ذاتي بالقصور أكثر من كونه إعلاناً عن انطلاقة.
أما الفصل بين المناجم والمحروقات في حد ذاته، فهو يحمل مفارقة بنيوية لا يمكن إخفاؤها: الرجل الذي يحتفظ بحقيبة المحروقات هو محمد عرقاب، الوزير المقرب من الرئيس تبون، والثابت عبر حكومات متعاقبة، بينما يذهب قطاع المناجم إلى وجه تقني جديد. في المنطق الاقتصادي المتعارف عليه، لو كان القطاع المنجمي حقاً “مستقبل الجزائر” كما تدّعي الخطابات الرسمية، لكان المنطق يقضي بمنحه لأكثر الوزراء نفوذاً لا الأقل. العكس هو ما جرى. عرقاب يبقى حيث البترودولار، والمناجم تُمنح لتجربة جديدة، وهو ما يُخبر بنفسه عن التراتبية الحقيقية للأولويات داخل المنظومة.
ثالثاً: التشخيص الرقمي لاقتصاد يعيش على إبرة النفط
قبل الكلام عن المناجم، لا بد أن نتوقف لمواجهة المريض بحقيقة حالته. تمثل المحروقات في الجزائر أربعة وثمانين بالمئة من صادرات البلاد وما يقارب نصف إيراداتها الحكومية. وتشير تقديرات مؤسسات دولية مستقلة إلى أن سعر البرميل التعادلي لتوازن الميزانية يقع فوق مئة وأربعين دولاراً، في وقت تتراوح التوقعات له في 2026 حول رقم ستين دولاراً كمتوسط. والنتيجة المتوقعة لهذه المعادلة المختلة هي عجز في الميزانية يقدر بنحو أربعين مليار دولار في 2026 وحده، ما يعادل اثني عشر فاصل أربعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الفرضيات التي قدمتها الحكومة في موازنتها للعام 2026 عند تقديمها في البرلمان.
وفي سياق موازٍ، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل الدين العام الجزائري إلى واحد وسبعين بالمئة من الناتج المحلي بحلول عام 2027 في حال استمرت المعطيات الراهنة، وهو رقم يُشكّل تحذيراً حقيقياً بالمقاييس الدولية لدول بهذا الحجم من العائدات النفطية. هذا هو السياق الذي وُلدت فيه “الثورة المنجمية”: لا كمبادرة استراتيجية طويلة الأمد، بل كرد فعل دفاعي على فخ الريع النفطي المتراجع.
رابعاً: غارا جبيلات بين الأسطورة والواقع المركّب
لا شك أن احتياطيات منجم غارا جبيلات حقيقية وضخمة. الاحتياطيات المُقدّرة بثلاثة فاصل خمسة مليار طن تجعله واحداً من أكبر رواسب الحديد في العالم، وهذا في حد ذاته إنجاز جيولوجي لا يُنكر. لكن المسافة بين “الرواسب” و”الإيرادات” تمر عبر عقبات تقنية وتمويلية حقيقية تظل الخطابات الرسمية تتجنب قياسها بصدق.
أولى هذه العقبات هي الفوسفور، العدو الصامت لكل مستثمر في هذا الخام. الأوصاف الرسمية الجزائرية تتحدث عن تطوير تكنولوجيا لخفض نسبة الفوسفور في الخام وتحسين جودته لجعله مناسباً للصناعة الفولاذية، لكن ما يغفله الإعلام الرسمي أن الاختبارات الجزائرية على هذه المشكلة بدأت عام 2017 في شراكة مع شركة صينية، ولا تزال حتى اليوم في مرحلة “تسريع التجارب المحلية”، أي أن ثمان سنوات لم تكفِ لحسم هذا التحدي التقني الجوهري.
أما ما يُروّج له كـ”انطلاقة تاريخية” فهو في حقيقته أكثر تواضعاً مما يُصوَّر: أُعلن في يناير 2026 عن أول شحنة خام من غارا جبيلات، وقد بلغت ألفاً وأربعمئة وخمسين طناً فقط كمرحلة تجريبية تُقدَّم للرأي العام كـ”بداية العصر الذهبي”. وللمقارنة، فإن أستراليا وحدها تُصدّر ما يزيد على مئتي مليون طن سنوياً، والبرازيل تُصدّر ما يناهز ذلك، بينما الجزائر تحتفل بألف وأربعمئة طن كأنها وضعت حجر الأساس لنظام عالمي جديد.
الجداول الزمنية الحكومية تتحدث عن إنتاج قد يصل إلى أربعين أو خمسين مليون طن سنوياً بحلول عام 2040، أي أن أفق الطموح يمتد خمسة عشر عاماً كاملاً من الآن، وهو ما يعني أن ما نشهده اليوم هو بالضبط الخطوة رقم واحد من مسيرة مئة خطوة، لا “الثورة المنجمية” التي تتداولها الشاشات والصحف الرسمية.
خامساً: فوسفات تبسة وسياحة المقارنة الدولية
مشروع الفوسفات المدمج في منطقة بلاد الحدبة بتبسة هو المراهنة الكبرى الثانية في الخطاب الجزائري المتعلق بالتنويع المنجمي. الأهداف المُعلنة تصل إلى إنتاج ستة ملايين طن سنوياً، مع توقع عائدات تصديرية سنوية تبلغ ملياري دولار. وهذا رقم مُغرٍ في مظهره، لكنه يستحق وضعه في سياقه الدولي.
المغرب يُنتج اليوم ما يتراوح بين أربعة وثلاثين وسبعة وثلاثين مليون طن سنوياً من الفوسفات، ويمتلك احتياطيات تُقدّر بسبعين بالمئة من الاحتياطيات العالمية المثبتة، ويمتلك عائدات تصديرية تتجاوز عشرة مليارات دولار في السنوات الجيدة، وبنية تحتية ولوجستية جاهزة ورسّخت نفسها عبر عقود. في مقابل ذلك، تُقدّم الجزائر “مليارَي دولار” كإنجاز يستدعي وزارة مستقلة، والأدهى أن أمامنا سنوات قبل الوصول إلى هذا الرقم المستهدف. المقارنة ليست ظلماً للجزائر، بل هي المرآة التي يجب الوقوف أمامها بصدق لتقييم حقيقة موقعها في خريطة التعدين الإقليمية والدولية.
سادساً: البيئة الاستثمارية أو الفيل في الغرفة
كل ما سبق ذكره من تحديات تقنية ولوجستية يظل أهون بكثير من العائق الأعمق: بيئة الاستثمار التي تُحوّل كل مشروع واعد إلى كابوس بيروقراطي. فمنذ أن ألغت الجزائر قاعدة الواحد والخمسين/التسعة والأربعين للقطاعات غير الاستراتيجية، ظل المستثمرون الأجانب متحفظين بشكل واضح. إصلاحات قانون المناجم التي أُقرّت في أغسطس 2025 قدّمت نفسها كفتح أمام الاستثمار الأجنبي في القطاع، لكن الأرقام الفعلية لا تُثبت أنها أحدثت انقلاباً في ثقة المستثمرين الدوليين حتى اليوم. “مجموعات العمل المشتركة” مع شركات أمريكية وصينية وهندية، التي يُكثر الإعلام الرسمي من ذكرها، ليست سوى مباحثات تعبّر عن “اهتمام” لا عن “التزام”، والفرق بين الاثنين يُقاس بالمليارات المودعة وليس بالبيانات المُصدرة.
يُضاف إلى ذلك أن الهيكل القانوني للاستثمار في الجزائر لا يزال يعاني من غياب الشفافية في آليات النزاع وضعف التحكيم المستقل، وهو ما يجعل كبريات شركات التعدين الدولية تفضّل محيطاً آخر حين تُقارن بين فرص متاحة في قارة أفريقيا وحدها. ما يُسمّيه الإعلام الرسمي “انفتاحاً” هو في المصطلح الاقتصادي مجرد “تعديل على الهامش” في منظومة لم تعالج بعد اختلالاتها البنيوية.
السادس عشر من أبريل: هل تُفيد الحقيبة الوزارية الجديدة؟
الجواب الصادق هو: ربما، ولكن ليس بالكيفية التي يُريد النظام إيهام الرأي العام بها. إن كانت وزارة مستقلة للمناجم ستُعجّل فعلياً بالقرار التقني وتُقلّص المسافة البيروقراطية بين مشروع الاستثمار وموافقة الترخيص، فهي خطوة إيجابية. لكن التاريخ الجزائري مليء بمثل هذه “الخطوات الإيجابية” التي أنتجت وزارات إضافية ومديريات جديدة وبيانات رسمية دافئة، بينما ظل الإنتاج الفعلي بعيداً عن مواعيده لسنوات.
سعر التعادل للميزانية الجزائرية يجب أن يبلغ مئة واثنين وأربعين دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن، وهذه الهوة بين الستين والمئة والاثنين والأربعين لا يسدّها وزير مناجم جديد، مهما كانت كفاءته، قبل أن يمر ما لا يقل عن عقد كامل من البناء المنجمي الفعلي على الأرض، لا في البيانات والحقائب الوزارية.
خاتمة: إعادة إنتاج الأزمة بمسمّيات جديدة
ما جرى في الجزائر خلال أربعة وثمانين ساعة ليس “ثورة منجمية”، بل هو “إدارة الصورة” التي أتقنت النظم الريعية صناعتها عبر عقود: حين تضيق هوامش الريع، يلجأ النظام إلى الهيكلة الوزارية كبديل رمزي عن الإصلاح البنيوي. الوزير المُقال كبشٌ فداء لأزمة مياه، والوزارة الجديدة خطابٌ للمؤسسات الدولية ولأسواق الاستثمار، وكاتبة الدولة المُعيّنة تزيينٌ إضافي على واجهة لم تتغير محتوياتها.
غارا جبيلات موجود فعلاً وثروته حقيقية، لكن بينها وبين صناعة فولاذية تتمتع بها الجزائر فعلياً مسافة تُقاس بمليارات الاستثمار وعقود البناء والإصلاح المؤسسي وحل التعقيدات التقنية، كل ذلك في بيئة استثمار تحتاج نفسها إلى ثورة حقيقية لا إلى وزارة جديدة. أما الفوسفات فمنافسته الحقيقية تنتج منذ اليوم وتحتل المراكز الأولى في الخرائط التجارية العالمية.
عندما يقول تبون “أريد أرقاماً موثوقة وحقيقية”، فهو يعترف بأن الأرقام التي تُقدّم له لم تكن كذلك. وهذا ربما هو أكثر ما قاله صدقاً في مجلس وزرائه ذلك، لكنه أيضاً اعتراف لا يُفيد كثيراً ما لم تعترف معه المنظومة بأن المشكلة أعمق من حقيبة وزارية وأقدم من أزمة مياه.




