جنوب الأطلسيمختارات

كوبا على حافة “الخيار الصفر”: استراتيجية الضغط الأقصى وسيناريوهات المواجهة في الكاريبي

لم تكن سماء هافانا في أواخر مارس 2026 مجرد فضاء مفتوح هادئ، بل تحوّلت إلى مسرح لخرق جدار الصوت من قِبَل مقاتلات أمريكية، في تزامن لافت مع تصريحات البيت الأبيض التي تجاوزت مفردة “العقوبات” نحو الحديث عن “تحرير وشيك”. المشهد الكوبي الراهن ليس إعادة إنتاج باهتة لمفردات الحرب الباردة، بل يمثّل ذروة منطقية لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب عقب الأحداث الفنزويلية في مطلع عام 2026. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: هل تُجاهر واشنطن بنيّة غزو الجزيرة فعلاً، أم أننا أمام أكبر مناورة ضغط شهدتها المنطقة منذ أزمة الصواريخ؟

لماذا كوبا الآن؟

الدوافع التي رفعت كوبا إلى صدارة الأجندة الأمريكية في هذا التوقيت بالذات تتقاطع عند ثلاثة محاور لا يمكن فصلها. يرى التيار المحافظ المتشدد داخل واشنطن أن بقاء النظام الشيوعي على بُعد تسعين ميلاً من شواطئ فلوريدا يُشكّل ثغرة رمزية وأمنية في آنٍ واحد؛ وقد استعادت الولايات المتحدة جزءاً من هيبتها بعد كاراكاس، فبات الملف الكوبي “الفاتورة الأخيرة” التي لم تُسدَّد من تركة الحرب الباردة.

يضاف إلى ذلك البُعد الاستخباراتي، إذ تعتبر كوبا قاعدة خلفية للنشاط الروسي والصيني في النصف الغربي من الكرة الأرضية؛ ومحطة لورديس، ذلك المرفق الراداري الضخم الذي جرى تطويره بصمت على مدار العقد الماضي، يُجسّد بالنسبة لواشنطن ما تسميه “أذن الخصم” المزروعة في العمق الأمريكي. أما المحور الثالث فذو طابع انتخابي صريح: الجاليات الكوبية في فلوريدا، بمجموعها الانتخابي الثقيل، تنتظر منذ عقود تصفية ما تسمّيه “إرث كاسترو”، وإيجاد “الحسم في كوبا” يعني رصيداً سياسياً لا يقدَّر بثمن قبل أي استحقاق داخلي.

التهديد العسكري: بين الغزو والحصار

تحليل خطاب ترامب في ميامي في الثامن والعشرين من مارس يكشف عن تحوّل دلالي جوهري؛ لم يعد الرجل يتحدث عن “الديمقراطية وحقوق الإنسان” بالمعنى التقليدي، بل انتقل صراحةً إلى خطاب “تأمين المصالح الحيوية”. غير أن الغزو العسكري الشامل لكوبا، على ما ينطوي عليه من إغراء في الأوساط الشعبوية، يبقى خياراً تُثقله تكاليف استراتيجية باهظة.

فالعقيدة العسكرية الكوبية لا تقوم على المواجهة التقليدية بالمعنى الكلاسيكي، بل تُعوّل منذ عقود على “حرب الشعب الكاملة”، التي تحول كل بيت إلى موضع دفاعي وكل مواطن إلى عنصر في منظومة المقاومة. شبكة الأنفاق الممتدة تحت جزيرة تمتد على ألف ومئة كيلومتر، والخبرة المتراكمة في حرب العصابات منذ سنوات الثورة، تجعل من أي غزو بري مغامرة مُكلِفة في حرب مدن مطولة قد تستنزف الإرادة الأمريكية قبل أن تُحسم عسكرياً. فضلاً عن ذلك، تفتقر واشنطن حتى اللحظة إلى غطاء قانوني دولي واضح؛ وما تلوح به من ذريعة “التهديد الأمني المباشر” أو وجود منصات تجسس سيبراني تمسّ البنية التحتية الأمريكية يبقى في دائرة الادعاء لا الإثبات.

لذا يغدو سيناريو “الحصار الخانق” الأكثر ترجيحاً في التقدير الاستراتيجي الراهن. التحركات البحرية في محيط المياه الإقليمية المحيطة بالجزيرة، وما يجري داخل قاعدة غوانتانامو من تعزيزات لوجستية، تُشير إلى أن التهديد بالغزو قد يكون ذريعةً لفرض “حصار بحري وجوي شامل”.  نموذج مُستَلهم من العزل الأمريكي لكوبا عام 1962، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين. الهدف المُضمَر هو تجفيف الإمدادات النفطية والغذائية حتى يتراكم الضغط الشعبي الداخلي بما يُفضي إلى إما انهيار تدريجي للمنظومة الحاكمة، أو “إعادة تموضع” يفرضها جيل تكنوقراطي داخل الحزب الشيوعي يُدرك استحالة الصمود في مواجهة الخناق المطبق.

كوبا من الداخل: الصمود في ظل الانكسار

تعيش الجزيرة منذ منتصف مارس في حالة طوارئ فعلية غير مُعلنة. مدرعات قديمة في شوارع هافانا وسانتياغو دي كوبا، وخطاب رسمي يستحضر أمجاد المقاومة، في مقابل مزاج شعبي منقسم بعمق: جيل العجائز المتمسك بالميثاق الثوري، وجيل الشباب المُنهَك اقتصادياً الذي يرى في أي تحوّل -حتى وإن جاء من الخارج- مخرجاً من نفق الفقر الطويل.

القيادة الكوبية الحالية، بمزيجها من وجوه الحرس القديم والكوادر التكنوقراطية الصاعدة، تُدرك أن هذا التحدي يختلف جوهرياً عن أزمة الصواريخ عام 1962. موسكو مشغولة بجبهاتها في أوراسيا ولا تملك ترف المناورة في الكاريبي البعيد. وبكين، التي تُفضّل منطق الاختراق الاقتصادي على منطق المواجهة العسكرية المباشرة، تقيس خطواتها بميزان الربح الاستراتيجي بعيد المدى لا بحرارة التضامن الأيديولوجي. هكذا تجد هافانا نفسها تواجه “العملاق الشمالي” بذخيرة محدودة وظهر يكاد يخلو من حلفاء فاعلين.

التداعيات الإقليمية: تأثير الدومينو

أي تحرك عسكري تجاه كوبا لن يبقى في حدود مضيق فلوريدا. المكسيك والبرازيل، اللتان تُمثّلان الثقلَين الرئيسيَّين في الديناميكيات الأمريكية اللاتينية، ستجدان نفسيهما أمام خيار حرج بين الاحتجاج على التدخل الأمريكي أو الانكفاء تجنباً للتصادم مع واشنطن، وكلا الخيارين ينطوي على تكاليف سياسية داخلية باهظة. منظومة الدول الأمريكية ستدخل بدورها في امتحان عسير لتماسكها البنيوي.

التداعي الأكثر إلحاحاً يبقى أزمة اللجوء المحتملة؛ موجة “قوارب العبور” التي ستندفع نحو سواحل فلوريدا حال اندلاع نزاع مسلح ستضع حكام الولايات الجنوبية في مواجهة ضغط اجتماعي قد يُلغي أي مكسب سياسي داخلي جنته إدارة ترامب من “الحسم الكوبي”. أما على المستوى الدولي، فإن غزو كوبا يُقدّم لموسكو ورقة شرعية للرد في الأقاليم الحيوية الأخرى -البلطيق أو الشرق الأوسط أو القوقاز- تحت مبدأ “المعاملة بالمثل” الجغرافي، مما يُهدد بنقل الاحتقان إلى مرحلة تصادم أوسع.

في عقل ترامب: صفقة أم حرب؟

الإنصاف التحليلي يقتضي عدم الاستسلام للقراءة العاطفية. ترامب في جوهره رجل صفقات أكثر منه رجل حروب، وتاريخه يُؤكد أن التهديد العسكري الصاخب كثيراً ما كان مقدمة لاتفاق يُقدَّم على أنه “انتصار” لكلا الطرفين. “الورقة القصوى” التي يلوّح بها على الطاولة الكوبية تُخفي على الأرجح أهدافاً أقل حدةً وأكثر قابلية للتحقيق: إخراج الوجود العسكري والاستخباراتي الروسي والصيني من الجزيرة بصورة معلنة، وفتح الاقتصاد الكوبي أمام الاستثمار الأمريكي لتحويل هافانا إلى ما يشبه “هونج كونج الكاريبي”، وإصلاحات سياسية شكلية تُوفّر لواشنطن ما تحتاجه من غطاء إعلامي للحديث عن “الانتصار الديمقراطي”.

خاتمة: اللحظة الفارقة

الترقب الذي يكتنف المشهد في نهاية مارس 2026 يُشير إلى أن كوبا دخلت مرحلة لا تشبه ما مرّت به من قبل. التهديدات الأمريكية، سواء كانت تمهيداً لعمل عسكري أو ضغطاً دبلوماسياً مكثفاً يرتدي لبوس القوة، قد نجحت فعلاً في عزل الجزيرة عن حلفائها التقليديين وتضييق هامش المناورة أمام القيادة الكوبية.

الغزو الشامل يبقى مغامرة عالية التكلفة يُحجم عنها حتى أشد الصقور تطرفاً في دوائر صنع القرار بواشنطن. غير أن “الحصار الذكي” المدعوم بتهديد عسكري مرئي ومتواصل يُشكّل السلاح الأمضى الذي تُشهره الإدارة الأمريكية في هذه المواجهة غير المُعلنة. هافانا ليست اليوم أمام ثنائية الصمود أو الاستسلام البسيطة، بل أمام حتمية التحول بأحد شكليه: إما تحول ينبثق من الداخل يسبق العاصفة ويُعيد رسم معادلة السلطة بأيدٍ كوبية، وإما عاصفة تجيء من الشمال لتُعيد رسم خارطة الكاريبي بمنطقها الخاص.

في الأيام القليلة القادمة، ستظل العيون شاخصةً نحو مضيق فلوريدا، حيث لا يفصل التاريخ عن كتابة فصل جديد سوى ورقتين: إما أمر عمليات تُوقَّع في العلن، وإما صفقة تُبرَم في الخفاء تحت ضغط المدافع.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى