مختاراتجنوب الأطلسي

العلاقات المغربية–الكاميرونية: نموذج للشراكة الاستراتيجية في إطار التعاون جنوب–جنوب

مقدمة

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وما يرافقها من إعادة تشكيل لموازين القوة وأنماط التعاون، برزت القارة الإفريقية كفضاء استراتيجي لإعادة بناء الشراكات على أسس جديدة تقوم على التكامل والتضامن جنوب–جنوب. وفي هذا السياق، اعتمدت المغرب مقاربة متجددة في سياستها الخارجية، تقوم على الانفتاح المتوازن وتعزيز الحضور داخل العمق الإفريقي، بما يتجاوز الأبعاد الدبلوماسية التقليدية نحو شراكات متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والأمن والثقافة والدين. ويُعدّ هذا التوجه جزءًا من رؤية استراتيجية يقودها محمد السادس، ترتكز على جعل إفريقيا امتدادًا طبيعيًا للدور المغربي ومجالًا حيويًا لتكريس التعاون المتكافئ.

في هذا الإطار، تبرز الكاميرون كشريك محوري للمغرب في منطقة إفريقيا الوسطى، نظرًا لموقعها الجيو-استراتيجي وإمكاناتها الاقتصادية ودورها الإقليمي المتنامي. وقد شهدت العلاقات المغربية–الكاميرونية خلال السنوات الأخيرة دينامية متصاعدة، تجسدت في تكثيف الزيارات الرسمية، وتوقيع اتفاقيات تعاون متنوعة، إلى جانب توسع الاستثمارات المغربية في قطاعات حيوية داخل الكاميرون، مما يعكس إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

ولا تقتصر هذه العلاقات على بعدها الاقتصادي، بل تمتد لتشمل مجالات ذات طابع رمزي واستراتيجي، من قبيل التعاون الديني والثقافي، حيث يوظف المغرب ما يُعرف بـ”الدبلوماسية الروحية” لتعزيز حضوره الناعم في إفريقيا، من خلال تكوين الأئمة ونشر نموذج ديني قائم على الاعتدال. كما يشمل التعاون بين البلدين الجانب الأمني، في ظل التحديات المشتركة المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة، خاصة في محيط إقليمي يتسم بعدم الاستقرار، وهو ما يفرض تنسيقًا وثيقًا في إطار مقاربات جماعية، لاسيما داخل الاتحاد الإفريقي.

انطلاقًا من هذه المعطيات، تكتسي دراسة العلاقات المغربية–الكاميرونية أهمية علمية وعملية بالغة، إذ تتيح فهمًا أعمق لديناميات التفاعل بين الدول الإفريقية خارج الأطر التقليدية، كما تسهم في تحليل نموذج صاعد للتعاون القاري قائم على تنويع مجالات الشراكة وتكامل المصالح. وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك مختلف أبعاد هذه العلاقات، من خلال مقاربة تحليلية تستحضر السياق التاريخي والسياسي، وتستكشف محددات التعاون الاقتصادي وافاق تطوره ، وتبرز دور القوة الناعمة، فضلًا عن تقييم الرهانات الأمنية والاستراتيجية التي تؤطر هذه الشراكة، في أفق استشراف آفاق تطورها المستقبلية.

الفصل الأول: الإطار التاريخي والسياسي للعلاقات المغربية–الكاميرونية

تُعدّ العلاقات المغربية–الكاميرونية جزءًا من دينامية أوسع لإعادة تشكيل العلاقات الإفريقية البينية، حيث تجاوزت نطاق التمثيل الدبلوماسي التقليدي لتصبح شراكة متعددة الأبعاد، تجمع بين الاعتبارات السياسية، الاقتصادية، والثقافية. وقد أسهمت الخلفية التاريخية والسياسية للبلدين في بلورة تقارب تدريجي، تعزز بشكل واضح خلال العقود الأخيرة.

1.1 الجذور التاريخية للعلاقات المغربية–الكاميرونية

1.1.1 بداية العلاقات بعد الاستقلال

ترتبط العلاقات بين المغرب والكاميرون بفترة ما بعد الاستقلال، حيث كان البلدان يطمحان إلى ترسيخ حضورهما في محيطهما الإقليمي والدولي عبر شراكات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وقد اتسمت هذه المرحلة بطابع تأسيسي، ضمن سياق دولي متأثر بالحرب الباردة، وسعي الدول الإفريقية حديثة الاستقلال إلى تثبيت سيادتها وتعزيز تعاونها البيني.

1.1.2 تطور التمثيل الدبلوماسي

شهد التمثيل الدبلوماسي بين المغرب والكاميرون تطورًا تدريجيًا منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين، بعد استقلال البلدين ضمن السياق الإفريقي العام الذي شهد تأسيس علاقات دبلوماسية بين الدول حديثة الاستقلال. فقد حصل المغرب على استقلاله سنة 1956، بينما نالت الكاميرون استقلالها سنة 1960 من فرنسا وبريطانيا.

وبناءً على ذلك، بدأ فتح السفارات وتبادل التمثيليات الدبلوماسية تدريجيًا، ما مكّن من إرساء قنوات مؤسساتية للحوار والتشاور بين البلدين. ومع مرور الوقت، توسعت مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد، الثقافة، والتعليم، إلى جانب التنسيق في المحافل الدولية والإقليمية، مما أسهم في بناء ثقة متبادلة وأسس قوية لتطوير العلاقات لاحقًا، وصولًا إلى الزيارات الرسمية والمبادرات الحديثة.

1.2 الدينامية السياسية الجديدة

1.2.1 دور الملك محمد السادس في تعزيز العلاقات الإفريقية

مع اعتلاء الملك محمد السادس العرش، شهدت السياسة الخارجية المغربية تحولًا نوعيًا نحو تعزيز الانخراط في العمق الإفريقي، اعتمادًا على مقاربة تقوم على الشراكة المتكافئة والتعاون جنوب–جنوب. وقد انعكس هذا التوجه بشكل واضح على العلاقات مع الكاميرون، حيث أصبح التركيز على البعد العملي للتعاون من خلال مشاريع تنموية، تعزيز الاستثمارات، ودعم الاستقرار السياسي والأمني في القارة.

1.2.2 الزيارة الملكية إلى الكاميرون سنة 2004 وأثرها

قام الملك محمد السادس بزيارة رسمية إلى الكاميرون في يونيو 2004، ضمن جولة شملت عددًا من دول غرب ووسط إفريقيا. مثلت هذه الزيارة محطة مفصلية في العلاقات الثنائية، إذ عكست الإرادة السياسية المشتركة للارتقاء بالتعاون إلى مستويات أوسع.

أبرز محطات الزيارة:

  • الاستقبال والمباحثات الرسمية مع الرئيس بول بيا في قصر الوحدة بياوندي، بتاريخ 16 يونيو 2004.
  • توشيح الملك محمد السادس بـ “الصليب الأكبر للوسام الوطني للقيم” وهو أعلى وسام في الكاميرون.
  • زيارة المتحف الوطني لتعزيز الروابط الثقافية بين البلدين.
  • توقيع اتفاقيات تعاون شملت إعادة تفعيل اللجنة المشتركة، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والثقافية.

وقد أسهمت هذه الزيارة في تعزيز قنوات التواصل السياسي، توطيد الثقة المتبادلة، وفتح آفاق للتعاون متعدد الأبعاد، مع التركيز على البعد الاقتصادي، الثقافي، والديني، من خلال مؤسسات مثل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.

1.2.3 التطورات الحديثة في التعاون المغربي–الكاميروني

تعكس المبادرات الحديثة، مثل منتدى الابتكار والشراكات المغربي-الكاميروني “Maroc  Cameroun Bridge”  لسنة 2025، استمرار الدينامية الثنائية، حيث يجمع المنتدى القطاعين العام والخاص والمؤسسات الأكاديمية ورواد الأعمال لتعزيز الاستثمار المشترك وبناء شراكات استراتيجية تخدم التنمية الشاملة في البلدين. ويهدف إلى تحويل الإمكانات إلى مشاريع ملموسة، مع التركيز على الابتكار وريادة الأعمال، خصوصًا بين الشباب، وإعداد خارطة طريق للفترة 2025-2030.

1.3 التنسيق السياسي والدبلوماسي

1.3.1 التعاون داخل المنظمات الإقليمية

يشكل الاتحاد الإفريقي إطارًا مهمًا للتنسيق بين المغرب والكاميرون، حيث يساهم البلدان في تعزيز العمل المشترك داخل المنظمة، مع دعم مشاريع التنمية، السلم والأمن، والتكامل الإقليمي. وقد مثلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 نقطة تحول مهمة في تعزيز حضوره الإقليمي.

1.3.2 التقارب في القضايا الإفريقية

يظهر التقارب بين البلدين في دعم الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية، مع التركيز على تعزيز الاستقرار والتنمية، والانخراط في مبادرات إقليمية مشتركة لمواجهة تحديات مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية، ما يعزز الثقة ويهيئ الأرضية لتطوير شراكة مستدامة.

1.3.3 موقف الكاميرون من قضية الصحراء المغربية

تتمسك الكاميرون بموقف ثابت داعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية، معتبرة أن تسوية قضية الصحراء يجب أن تتم في إطار الشرعية الدولية وتحت إشراف منظمة الأمم المتحدة. وقد عبّرت ياوندي عن هذا الموقف في عدة محطات دبلوماسية، سواء عبر التصريحات الرسمية أو من خلال مواقفها داخل المنظمات الإقليمية والدولية.

فمنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، برز تقارب واضح بين الرباط وياوندي في ما يتعلق بدعم المسار الأممي لحل النزاع، حيث انخرطت الكاميرون في دعم القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، لا سيما تلك التي تكرّس أولوية الحل السياسي الواقعي والتوافقي، مثل القرار 2414 (2018)، والقرار 2548 (2020)، ثم القرار 2703 (2023)، والتي تؤكد جميعها على مركزية العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة.

كما تجلى هذا الموقف في التصريحات الرسمية المتبادلة خلال اللقاءات الثنائية، حيث أكدت الكاميرون دعمها للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سياسي دائم، قائم على التوافق ويحترم سيادة المغرب ووحدته الترابية. وقد تعزز هذا التوجه في سياق الدينامية الجديدة التي أعقبت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، حيث عمل البلدان على تنسيق مواقفهما داخل المنظمة، خاصة فيما يتعلق بدعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز الحلول الإفريقية للنزاعات.

وعلى المستوى العملي، يظهر هذا الدعم أيضًا من خلال عدم تبني الكاميرون لمواقف معارضة للوحدة الترابية للمغرب داخل المحافل الإفريقية، إلى جانب انخراطها في دينامية التعاون الثنائي التي يقودها المغرب في القارة، وهو ما يعكس تقاربًا في الرؤى السياسية والاستراتيجية بين البلدين.

ويُعد هذا الموقف عنصرًا أساسيًا في تعزيز الثقة السياسية بين الرباط وياوندي، كما يشكل ركيزة داعمة لتطوير الشراكة الاستراتيجية بينهما، بما يشمل مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والأمنية، في إطار رؤية مشتركة قائمة على الاستقرار والتكامل الإقليمي..

1.4   محددات العلاقات المغربية–الكاميرونية

تتأثر العلاقات بين البلدين بعدد من المحددات الرئيسة، من أبرزها:

  • الإرادة السياسية المشتركة: المحرك الأساسي لتطوير العلاقات الثنائية.
  • الانتماء الإفريقي المشترك: الذي يعزز التعاون ويتيح تنسيق الجهود لمواجهة التحديات المشتركة.
  • التحولات الجيوسياسية في القارة: خاصة في ظل التنافس الدولي على إفريقيا.
  • البعد الاستراتيجي لإفريقيا الوسطى: باعتبارها مجالًا حيويًا لتعزيز الحضور المغربي.

1.5 خلاصة الفصل

تظهر العلاقات المغربية–الكاميرونية باعتبارها نموذجًا لتطور التعاون الإفريقي من مرحلة التمثيل الدبلوماسي المحدود إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. يعكس هذا التطور التحولات التي شهدتها السياسة الإفريقية للمغرب، وإدراك الكاميرون لأهمية تنويع شراكاتها داخل القارة. كما يمثل الإطار التاريخي والسياسي قاعدة أساسية لفهم أبعاد هذه العلاقة واستشراف مستقبلها في سياق تعزيز التنمية والاستقرار الإقليمي.

الفصل الثاني: البعد الاقتصادي والاستثماري في العلاقات المغربية–الكاميرونية

تعد العلاقات المغربية–الكاميرونية نموذجًا متقدمًا للتعاون جنوب–جنوب، الذي يكرسه المغرب كجزء من استراتيجيته الإفريقية الشاملة. فقد انتقلت هذه العلاقة على مدى العقود الماضية من تبادل تجاري بسيط إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد، الاستثمار، اللوجستيك، والقطاعات الحيوية، مدعومة بإرادة سياسية قوية واتفاقيات تجارية وإقليمية، من أبرزها الانخراط في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA).

ويعكس هذا التطور رغبة الطرفين في تعميق التكامل الاقتصادي وتحقيق الاستفادة المشتركة من الإمكانات المتاحة، مع التركيز على تطوير الاستثمارات، نقل التكنولوجيا، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما يسهم هذا التوجه في تعزيز التكامل جنوب–جنوب، وفتح آفاق جديدة أمام المبادلات التجارية في إفريقيا، بما يرسخ الثقة بين البلدين ويؤسس لشراكة مستدامة.

2.1   المبادلات التجارية : بنية الصادرات والواردات

2.1.1   حجم التجارة

شهد حجم التجارة بين المغرب والكاميرون تطورًا ملحوظًا، حيث ارتفع إجمالي الصادرات والواردات بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة. وتشير التقديرات الخاصة بالفترة 2024-2025 إلى أن صادرات المغرب إلى الكاميرون تجاوزت 98 مليون دولار أمريكي، بينما بلغت قيمة واردات الكاميرون نحو 4.6  مليون دولار أمريكي، وهي مركزة أساسًا في المنتجات الزراعية والمواد الخام.

ويعكس هذا الفارق في حجم المبادلات التجاريّة وجود فائض تجاري لصالح المغرب، وهو ما يوضح قدرة الاقتصاد المغربي على تلبية جزء كبير من احتياجات السوق الكاميرونية، في حين تسعى الكاميرون لرفع قيمة صادراتها وتنويع منتجاتها للوصول إلى توازن أكبر في التبادل التجاري مستقبلاً.

2.1.2   هيكل المبادلات

يظهر هيكل المبادلات بين البلدين تنوعًا نسبيًا لكنه ما زال محدودًا نسبيًا مقارنة بالإمكانات المتاحة:

  • من المغرب: تهيمن الأسمدة الفوسفاتية، الأسلاك الكهربائية، المنتجات الغذائية مثل السمك المعلب والسكر، والإسمنت.
  • من الكاميرون: يبرز البن، الذي يشكل أكثر من 50% من الصادرات، إضافة إلى الأخشاب المنشورة، القطن الخام، وأوراق القشرة.

ويشير هذا التركيز على بضائع محددة إلى الحاجة إلى مزيد من التنويع في المبادلات التجارية، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات ذات القيمة المضافة العالية والخدمات التقنية، لضمان تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.

  2.1.3   التحديات في التبادل التجاري

رغم الدينامية الملحوظة في المبادلات، تواجه العلاقات التجارية عدة تحديات:

  • ضعف الربط اللوجستي المباشر بين موانئ البلدين، مما يزيد كلفة النقل ويبطئ تدفق السلع.
  • غياب خطوط نقل منتظمة ومستقرة، سواء جواً أو بحراً.
  • قيود متعلقة بالبنية التحتية والقدرة على التوسع في مناطق إنتاج جديدة.

مع ذلك، تسعى الاتفاقيات الثنائية والقارية، مثل (AfCFTA)، African ContinentalH  Free Trade Area، إلى تقليص الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وتسهيل حركة السلع والخدمات، ما يفتح آفاقًا أوسع أمام الفاعلين الاقتصاديين ويحفز المزيد من المبادلات التجارية المستقبلية.

2.2  الاستثمارات المغربية في الكاميرون: الفاعلون والقطاعات

2.2.1  القطاع المالي والمصرفي

يشكل القطاع المالي حجر الزاوية في الاستثمار المغربي بالكاميرون، حيث تسيطر الأبناك المغربية على نحو 30% من السوق الكاميرونية، بما في ذلك:

  • التجاري وفا بنك: يساهم في تمويل المشاريع الكبرى ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
  • البنك الشعبي المركزي وبنك أفريقيا: يعززان الاندماج المالي وتوفير الخدمات المصرفية للشركات والأفراد.

ويمثل هذا الوجود المصرفي قدرة المغرب على دعم الاقتصاد المحلي الكاميروني، وتسهيل المعاملات الدولية، ونقل خبرات الإدارة المالية الحديثة.

2 2.2  قطاع البناء والإسمنت

تلعب مجموعة CIMAF المغربية دورًا أساسيًا في تزويد الكاميرون بالإسمنت، لدعم المشاريع العمرانية والبنى التحتية. ويعكس هذا النشاط الاستراتيجي قدرة المغرب على المشاركة في تنمية قطاع البناء، بما يساهم في دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل.

2.2.3   قطاع الفلاحة والأمن الغذائي

شهد التعاون المغربي في القطاع الزراعي تحولًا نوعيًا عبر مجموعة OCP، وهي اختصار لـ Office Chérifien des Phosphates، أي المكتب الشريف للفوسفات التي ساهمت في:

  • إعداد خرائط لخصوبة التربة الكاميرونية.
  • تدريب آلاف المزارعين على أساليب زراعية حديثة.
  • زيادة إنتاجية محاصيل البن والكاكاو.

ويؤكد هذا التحرك على الانتقال من مجرد بيع الأسمدة إلى شراكة استراتيجية في تطوير القطاع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي.

2.2.4   قطاعات أخرى

يمتد حضور المغرب إلى مجالات التأمين، الخدمات، والاتصالات، حيث يمثل نشاط اتصالات المغرب جزءًا مهمًا من الاستثمارات المغربية في القطاع الرقمي، ويدعم التحول الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية في الكاميرون.

2.3 اللوجستيك والنقل: شرايين الشراكة

2.3.1 النقل الجوي

تعتبر (RAM)  الخطوط الملكية المغربية ، الكاميرون وجهة استراتيجية، حيث تربط مدينتي ياوندي ودوالا بالدار البيضاء عبر رحلات يومية. وتخطط الشركة لتوسيع أسطولها في 2026، مما يتيح دعم حركة الأشخاص والبضائع، ويعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين.

 2.3.2  الشحن البحري

يوجد خط منتظم بين ميناء طنجة المتوسط ومينائيدوالا وكريبي، ما يقلل من التكاليف الزمنية والمادية لنقل البضائع الثقيلة، ويزيد من قدرة الصادرات المغربية والكاميرونية على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.

2.3.3   التسهيلات الجمركية

دخلت اتفاقيات جديدة حيز التنفيذ في مطلع 2026، تهدف إلى تبسيط المساطر الإدارية في الموانئ، وتفعيل الامتيازات الممنوحة بموجب منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بما يعزز انسيابية التجارة ويحفز المزيد من الاستثمارات.

2.4 آفاق التعاون الاقتصادي لعام 2026 وما بعده

2.4.1  التحول الرقمي

تركز الشراكة المستقبلية على تبادل الخبرات في مجالات الحكومة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية، بما يسهم في تحسين الإدارة العامة وتطوير الخدمات البنكية والتكنولوجية.

2.4.2  الصناعة الصيدلانية

تتيح الكاميرون بيئة مناسبة لتشجيع المختبرات المغربية على إنشاء وحدات إنتاج، لتغطية احتياجات وسط إفريقيا، مما يعزز الأمن الصحي ويدعم اقتصاديات البلدان الإقليمية.

2.4.3 الشراكات الصناعية

يتضمن التعاون نقل التكنولوجيا والخبرات لتطوير التصنيع المحلي، وإنشاء سلاسل قيمة مشتركة في مختلف القطاعات الصناعية، بما يخلق فرص عمل ويعزز الاقتصاد الوطني.

 2.4.4   دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة

يشكل المنتدى الاقتصادي المغربي–الكاميروني 2026 بالرباط منصة لإطلاق مشاريع مشتركة لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها محركًا للنمو وخلق فرص العمل، ويعكس تحول التعاون بين البلدين من السياسة إلى شراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ عبر فريق عمل مشترك يحدد القطاعات وآليات التمويل والمتابعة.
ويأتي اختيار الكاميرون استراتيجيًا لدورها كبوابة نحو إفريقيا الوسطى، ما يمنح الشراكة بعدًا إقليميًا، ويسعى المغرب من خلالها إلى بناء سلاسل قيمة إفريقية تجمع الموارد الكاميرونية والخبرة المغربية لإنتاج مشترك للأسواق الإفريقية.
وتستدعي فعالية المنتدى توقيع اتفاقيات دقيقة، وتوفير تمويل وضمان، وتجاوز الإكراهات البنيوية مثل ضعف البنيات التحتية وارتفاع كلفة المبادلات.
وتمثل الشراكة اختبارًا لقدرة المغرب على لعب دور فاعل في الاقتصاد الإفريقي، حيث يقاس النجاح بحجم المشاريع المنجزة ومدى دمجها ضمن سلاسل قيمة قابلة للتنفيذ.

2.5 خلاصة الفصل

يشكل البعد الاقتصادي محورًا أساسيًا في العلاقات المغربية–الكاميرونية، حيث تجاوز التعاون مرحلة التبادل التجاري التقليدي ليصبح شراكة استراتيجية متكاملة تقوم على:

  • الاستثمار المشترك.
  • نقل التكنولوجيا والخبرة.
  • تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
  • تعزيز التكامل جنوب–جنوب ضمن رؤية إفريقيا المشتركة.

ويتيح هذا النهج للبلدين الاستفادة من الإمكانات المتاحة، مع مواجهة التحديات الاقتصادية الحالية، ويفتح آفاقًا واسعة أمام تطوير شراكات مستدامة تعكس طموحات النمو الاقتصادي الإقليمي.

الفصل الثالث: الأبعاد الدينية والثقافية في العلاقات المغربية–الكاميرونية

تُعدّ الأبعاد الدينية والثقافية من الركائز الجوهرية التي تؤطر مسار العلاقات المغربية–الكاميرونية، إذ يتجاوز التعاون بين البلدين نطاقه السياسي والاقتصادي ليشمل مجالات التأثير الرمزي والقيمي، بما يعكس عمق الروابط الحضارية والروحية بينهما. وفي هذا السياق، يوظّف المغرب رصيده التاريخي والديني، إلى جانب أدواته الثقافية والتعليمية، لتعزيز حضوره في إفريقيا جنوب الصحراء، وفق مقاربة متكاملة تستند إلى مفهوم القوة الناعمة.

يحتل الإسلام موقعًا مهمًا في البنية الدينية للمجتمع الكاميروني، حيث تتراوح نسبة المسلمين بين 24% و35% من مجموع السكان، أي ما يقارب خمسة ملايين نسمة وفق بعض التقديرات. ويتركز وجودهم بشكل رئيسي في المناطق الشمالية، مع حضور ملحوظ في المناطق الغربية، خاصة في أوساط مجموعة “باموم” التي تُعد من أبرز المكونات المسلمة في تلك الجهات. وعلى المستوى المذهبي، ينتمي غالبية المسلمين في الكاميرون إلى الطرق الصوفية، وعلى رأسها القادرية والتيجانية، ما ينسجم مع الخصوصية الدينية لغرب إفريقيا القائمة على التصوف السني والاعتدال.

في هذا الإطار، يضطلع المغرب بدور ديني محوري في الكاميرون، من خلال سعيه إلى نشر نموذج ديني معتدل قائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، وهو النموذج الذي يتقاطع مع التقاليد الدينية السائدة في المنطقة. ويتجسد هذا الدور أساسًا في تكوين الأئمة والعلماء الكاميرونيين داخل المؤسسات الدينية المغربية، وفي مقدمتها مؤسسة محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، حيث يتم تأهيلهم وفق مقاربة علمية تجمع بين التأصيل الشرعي والانفتاح الفكري، بما يمكنهم من نشر خطاب ديني وسطي يواجه مظاهر التطرف والغلو.

ولا يقتصر الحضور الديني المغربي على جانب التكوين، بل يمتد ليشمل الدعم الدعوي والعلمي، من خلال تنظيم الندوات والملتقيات الدينية، وإيفاد بعثات علمية، فضلاً عن دعم المراكز والمؤسسات الإسلامية في الكاميرون. كما تلعب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة دورًا مهمًا في تعزيز الروابط الروحية والعلمية، عبر تنسيق الجهود بين الهيئات الدينية في البلدين، بما يسهم في ترسيخ وحدة المرجعية الدينية وتقوية أواصر التعاون.

3.1 الدبلوماسية الدينية

تُشكّل الدبلوماسية الدينية إحدى أبرز آليات السياسة الخارجية المغربية في القارة الإفريقية، حيث يعتمد المغرب على توظيف الحقل الديني كمدخل لتعزيز الاستقرار وبناء الثقة مع شركائه. ويقوم هذا التوجه على ترسيخ نموذج ديني معتدل يوازن بين الأصالة والانفتاح، ويستند إلى ثلاثية المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني.

وفي هذا السياق، يحتل تكوين الأئمة الكاميرونيين مكانة مركزية ضمن هذه الدبلوماسية، إذ يُعدّ رافعة أساسية لبناء نخب دينية مؤهلة قادرة على تأطير الشأن الديني محليًا وفق رؤية معتدلة. كما يسهم هذا التكوين في الحد من تأثير التيارات المتشددة، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها بعض مناطق إفريقيا.

وقد أفضت هذه الجهود إلى تعزيز مكانة المغرب كشريك موثوق في مجال الأمن الروحي، حيث يُنظر إليه كفاعل أساسي في دعم الاستقرار الديني ومواجهة التطرف. كما ساهمت في بناء شبكة من العلاقات مع النخب الدينية الكاميرونية، الأمر الذي يعزز الحضور الرمزي والثقافي للمغرب داخل القارة، ويدعم توجهه الاستراتيجي نحو ترسيخ عمقه الإفريقي.

3.2 التعاون الثقافي والتعليمي

يمثل التعاون الثقافي والتعليمي رافعة أساسية لتقوية العلاقات المغربية–الكاميرونية، حيث يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز التبادل المعرفي.

في هذا السياق، تستقبل الجامعات المغربية أعدادًا متزايدة من الطلبة الكاميرونيين، الذين يستفيدون من برامج التكوين في مختلف التخصصات، بما في ذلك الطب والهندسة والعلوم الإنسانية. ويُعزى هذا الإقبال إلى جودة التعليم العالي في المغرب، إلى جانب الروابط الثقافية واللغوية التي تسهّل اندماج الطلبة.

كما تلعب المنح الدراسية التي تقدمها المملكة دورًا حاسمًا في دعم هذا التوجه، حيث تتيح للطلبة الكاميرونيين فرص متابعة دراستهم في ظروف ملائمة، مما يسهم في تكوين نخب إفريقية شابة ذات ارتباط معرفي وثقافي بالمغرب. وغالبًا ما يشكّل هؤلاء الطلبة، بعد عودتهم إلى بلدهم، جسورًا للتواصل والتعاون بين البلدين، سواء في القطاعين العام أو الخاص.

3.3 القوة الناعمة المغربية في إفريقيا

تعكس العلاقات المغربية–الكاميرونية تجليات واضحة لاستراتيجية القوة الناعمة التي يعتمدها المغرب في إفريقيا، والتي تقوم على التأثير غير المباشر من خلال الثقافة والدين والتعليم.

ويبرز تأثير النموذج المغربي في كونه نموذجًا يجمع بين الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والتعدد الثقافي، ما يجعله مصدر إلهام لعدد من الدول الإفريقية. كما يسهم الحضور الثقافي المغربي، من خلال الفنون والتراث واللغة، في تعزيز صورة إيجابية عن المملكة داخل المجتمعات الإفريقية.

إضافة إلى ذلك، يساهم التفاعل الإنساني المباشر، سواء عبر الطلبة أو الأئمة أو الفاعلين الثقافيين، في ترسيخ هذا التأثير، حيث يتحول المغرب إلى فضاء للتلاقي الحضاري وتبادل الخبرات. وتُترجم هذه الدينامية إلى رصيد استراتيجي يعزز مكانة المغرب كشريك موثوق وفاعل محوري في القارة الإفريقية.

خلاصة الفصل

يتضح من خلال هذا الفصل أن الأبعاد الدينية والثقافية تشكل دعامة أساسية في العلاقات المغربية–الكاميرونية، حيث تسهم في بناء روابط عميقة ومستدامة تتجاوز المصالح الظرفية. ومن خلال توظيف أدوات الدبلوماسية الدينية والتعاون التعليمي والثقافي، ينجح المغرب في ترسيخ حضوره في إفريقيا ونشر الاسلام الوسطي ، وتعزيز قوته الناعمة، بما يخدم أهدافه الاستراتيجية على المدى البعيد.

الفصل الرابع: البعد الأمني والاستراتيجي في العلاقات المغربية–الكاميرونية

يشكّل البعد الأمني والاستراتيجي أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها العلاقات المغربية–الكاميرونية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التهديدات غير التقليدية، وعلى رأسها الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وقد دفع هذا السياق البلدين إلى تعزيز تعاونهما الأمني وتكثيف التنسيق الاستراتيجي، بما يضمن حماية مصالحهما الوطنية ويسهم في استقرار محيطهما الإقليمي.

4.1   التعاون الأمني

في سياق التحول الذي تعرفه السياسة الخارجية لـالمغرب نحو ترسيخ عمقها الإفريقي، برز البعد الأمني والعسكري كركيزة أساسية في علاقاتها مع دول جنوب الصحراء، وهو ما تجسد في توقيع اتفاقية تعاون عسكري شاملة مع الكاميرون في مارس 2025، تعكس إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة استراتيجية متكاملة.

وتندرج هذه الاتفاقية ضمن مقاربة مغربية قائمة على تعزيز الأمن الجماعي في الفضاء الإفريقي، لا سيما في مناطق غرب إفريقيا والساحل والصحراء، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود. وقد شملت مجالات التعاون التكوين والتدريب العسكري، وتنظيم التمارين المشتركة، وتطوير منظومات الصحة العسكرية، إضافة إلى المساعدة التقنية وتبادل الخبرات، بما يسهم في رفع جاهزية القوات المسلحة وتعزيز قدراتها العملياتية.

كما يعكس هذا التعاون توجهاً مغربياً نحو تقاسم خبراته المتراكمة في المجال الأمني والعسكري، خاصة فيما يتعلق بتحديث المنظومة الدفاعية واعتماد مقاربة استباقية متعددة الأبعاد. وفي هذا الإطار، اكتست زيارة الوزير الكاميروني المكلف بالدفاع، جوزيف بيتي أسومو، إلى الرباط أهمية خاصة، حيث شكلت محطة لتعزيز التعاون جنوب–جنوب، والإشادة بالدور الذي يضطلع به محمد السادس في دعم الاستقرار الإقليمي.

ويرتبط هذا المسار بدينامية أوسع تجسدت أيضاً في توقيع اتفاق مماثل مع مالي في فبراير 2025، بما يعكس توجهاً نحو بناء شبكة من الشراكات الدفاعية الإقليمية، والانتقال من التعاون الثنائي إلى مقاربة جماعية تستهدف إرساء منظومة أمنية إفريقية قادرة على مواجهة التهديدات المشتركة.

وعلى المستوى العملي، يُجسد التعاون الأمني بين البلدين إدراكاً مشتركاً لطبيعة المخاطر الراهنة، من خلال التنسيق وتبادل الخبرات، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، حيث يستفيد الجانب الكاميروني من التجربة المغربية في تفكيك الخلايا المتطرفة واعتماد مقاربة تجمع بين الأبعاد الأمنية والوقائية، بما في ذلك التأطير الديني ومراقبة الفضاء الرقمي. كما يشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، باعتباره أداة حاسمة في التصدي للتهديدات العابرة للحدود، بما يعزز من قدرة البلدين على الاستباق والحد من المخاطر، ويعكس مستوى متقدماً من الثقة والتكامل في العمل الأمني.

4.2 التحديات الإقليمية

تواجه العلاقات المغربية–الكاميرونية مجموعة من التحديات المرتبطة بالوضع الأمني في محيطهما الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل التي تُعد إحدى أكثر المناطق هشاشة في العالم من حيث الاستقرار الأمني.

فقد أصبحت منطقة الساحل بؤرة لنشاط الجماعات المتطرفة وشبكات الاتجار غير المشروع، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على دول الجوار، بما فيها الكاميرون التي تواجه تهديدات أمنية متزايدة في مناطقها الشمالية. وفي هذا السياق، يبرز دور المغرب في دعم الجهود الإفريقية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، سواء من خلال التعاون الثنائي أو عبر المبادرات متعددة الأطراف.

إلى جانب ذلك، تمثل الجريمة المنظمة تحديًا متناميًا، حيث تشمل شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والهجرة غير النظامية. وتفرض هذه الظواهر ضرورة تنسيق الجهود الأمنية وتبني مقاربات شاملة تعالج الأسباب العميقة لهذه التهديدات، بما في ذلك الفقر والهشاشة الاجتماعية.

4.3   الرهانات الجيوسياسية

تكتسي العلاقات المغربية–الكاميرونية أهمية خاصة بالنظر إلى الرهانات الجيوسياسية التي تحكم موقع البلدين داخل القارة الإفريقية.

فالكاميرون، بحكم موقعها الجغرافي في إفريقيا الوسطى، تُعد حلقة وصل بين غرب ووسط إفريقيا، ما يمنحها أهمية استراتيجية في معادلات الأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي. ويجعل هذا الموقع منها شريكًا مهمًا للمغرب في توسيع حضوره داخل العمق الإفريقي.

في المقابل، يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كفاعل قاري من خلال سياسة خارجية نشطة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون جنوب–جنوب. ويُوظف في ذلك مزيجًا من الأدوات الأمنية والاقتصادية والدينية، بما يكرّس حضوره كشريك موثوق في مواجهة التحديات المشتركة.

وتتجلى هذه الدينامية في انخراط المغرب في عدد من المبادرات الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، إلى جانب دوره المتنامي في دعم قدرات الدول الإفريقية على مواجهة التهديدات الأمنية، وهو ما يعزز من مكانته الاستراتيجية داخل القارة.

خلاصة الفصل

يُظهر تحليل البعد الأمني والاستراتيجي في العلاقات المغربية–الكاميرونية أن هذه الشراكة تقوم على إدراك مشترك لطبيعة التحديات الراهنة، وعلى إرادة سياسية لتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. ومن خلال تطوير آليات التنسيق الأمني والانخراط في مقاربات إقليمية شاملة، يسهم البلدان في دعم الاستقرار الإقليمي وترسيخ أسس شراكة استراتيجية مستدامة.

خاتمة عامة

خلصت هذه الدراسة إلى أن العلاقات المغربية–الكاميرونية تمثل نموذجًا متقدمًا للشراكة الإفريقية متعددة الأبعاد، التي انتقلت من إطارها التقليدي القائم على التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى أعمق من التعاون الاستراتيجي الشامل. وقد ساهمت التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية المغربية، خاصة في بعدها الإفريقي، في إعادة تشكيل طبيعة هذه العلاقة، من خلال تبني مقاربة تقوم على التكامل والتضامن جنوب–جنوب.

وقد أظهر التحليل أن البعد السياسي والدبلوماسي شكّل الأساس الذي انبنت عليه هذه الشراكة، مدعومًا بإرادة سياسية مشتركة عززتها الزيارات الرسمية والتنسيق داخل المنظمات الإقليمية. كما برز البعد الاقتصادي والاستثماري كركيزة محورية، حيث شهدت المبادلات التجارية والاستثمارات المغربية في الكاميرون تطورًا ملحوظًا، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والربط اللوجستي.

وفي المقابل، أكدت الدراسة أن الأبعاد الدينية والثقافية تمثل أحد أبرز عناصر التميز في هذه العلاقة، من خلال توظيف المغرب لأدوات القوة الناعمة، خاصة الدبلوماسية الدينية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الروحي وبناء روابط مستدامة مع النخب المحلية. كما أظهر البعد الأمني والاستراتيجي أهمية متزايدة، في ظل التهديدات الإقليمية المشتركة، حيث يشكل التعاون الأمني بين البلدين آلية فعالة لدعم الاستقرار ومواجهة التحديات العابرة للحدود.

وعلى الرغم من هذه المكتسبات، فإن مستقبل العلاقات المغربية–الكاميرونية يظل رهينًا بمدى قدرة الطرفين على تحويل الدينامية السياسية إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، وتعزيز التنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية، بما يرسخ هذه الشراكة كنموذج ناجح للتعاون الإفريقي القائم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة.

المراجع العربية (حديثة وحقيقية)

  1. ايت قشي، ع. أ. (2024). سياسة المغرب الإفريقية وتأثيرها على موقف الدول الإفريقية من نزاع الصحراء المغربية: دراسة تاريخية تقييمية. مجلة ليكسوس: في التاريخ والعلوم الإنسانية, 1(55), 65–92. https://doi.org/10.34874/PRSM.-vol1iss55.52014
  2. خالد، ف. (2023). الاستراتيجيات السياسية المغربية وتأثيرها على المواقف الدولية بخصوص قضية الصحراء المغربية. مجلة القانون والمجتمع, 3(9), 81–99. https://doi.org/10.5281/zenodo.8018922
  3. ميدي1نيوز.كوم (23 أكتوبر 2021). الكاميرون تدعو إلى حل “توافقي” و“نهائي” للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية في الأمم المتحدة. Medi1 News (خبر صحفي).
  4. الساحل نيوز (2021). الصحراء المغربية .. الكاميرون تدعو إلى حل “توافقي” و“نهائي. SNRT News (خبر صحفي).
  5. Arab News Maroc (ترجمة & تحليل) (23 أكتوبر 2021). الكاميرون تجدد دعمها لحل سياسي توافقي لقضية الصحراء المغربية أمام الأمم المتحدة. 7News.ma.

ملاحظة: الصحف والمواقع العربية التي تنقل مواقف الدول أمام الأمم المتحدة تُعد مصادر معتمدة خاصة عند توثيق مواقف الدول من النزاع في سياق الدراسات السياسية والتنموية.

📗 المراجع الأجنبية (حديثة وحقيقية)

  1. Bishku, M. B. (2021). Morocco and Sub‑Saharan Africa: In the Shadow of the Western Sahara Dispute. Contemporary Review of the Middle East, 8(3), 273–289. https://doi.org/10.1177/23477989211017568
  2. Zhiwen, L. (2024). Morocco’s Western Sahara Policy during the Reign of Mohammed VI. Kashere Journal of Politics and International Relations, 2(2), 419–434.
  3. Tangui, I. Z. Z., & Tenkoul, A. (2025). Relations between Morocco and West Africa: Paths to Sustainable Development and Regional Integration. International Journal of Environmental Sciences. https://doi.org/10.64252/jzy48j89
  4. The United Nations Security Council (2025, 31 أكتوبر). Resolution on Western Sahara endorsing negotiations based on Morocco’s autonomy proposal. United Nations documents (U.N. press release).
  5. Reuters (2025, 26 مايو). Kenya backs Morocco’s autonomy plan for Western Sahara, joint statement says. Reuters (خبر صحفي .

د. عياد جلول

مدير الأبحاث والدراسات كاتب وأكاديمي من لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى