منبر الرأيمختارات

المغرب والخليج.. شراكة استراتيجية تتجاوز منطق التحالفات العابرة

في زمنٍ تتقاذف فيه الجيوسياسةُ التحالفاتِ كأوراق الخريف، وتُعيد ترتيب المشهد الدولي وفق حسابات الربح اللحظي والمصلحة الظرفية، يبقى ثمة استثناء لافت يستحق التأمل والدراسة: الشراكة الاستراتيجية بين المملكة المغربية ودول مجلس التعاون الخليجي. ليست هذه الشراكة نتاجَ ظرفٍ طارئ أو حاجةٍ آنية، بل هي بناءٌ متكامل تشيّد عبر عقود، ونسيجٌ متشابك الخيوط بالتاريخ والثقافة والمصير المشترك، ليقدم للعالم العربي نموذجاً فريداً في صناعة التحالفات الحقيقية.

لا يمكن فهم هذه الشراكة دون العودة إلى ينابيعها البعيدة. فالروابط التي تجمع المغرب بالخليج لم تنشأ في دهاليز الدبلوماسية الحديثة، بل تمتد جذورها إلى قرون من التبادل الحضاري والتواصل الروحي والانتماء المشترك إلى فضاء الهوية العربية الإسلامية. كانت هذه الروابط في مراحل سابقة مجرد إرثٍ ثمين محفوظ في الذاكرة الجماعية، لكنها تحولت في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى واقعٍ حيّ ومتجدد.

فمنذ قمة الرياض التاريخية عام 2016، أضفى جلالته زخماً غير مسبوق على هذه العلاقة، إذ تتابعت الزيارات الرسمية ووُقّعت الاتفاقيات الاستراتيجية، وتحول التضامن من شعور وجداني إلى شراكة مؤسسية راسخة. فالتاريخ المشترك ليس نوستالجيا تُستحضر في المناسبات، بل هو رافدٌ دائم يغذّي الحاضر ويُشكّل المستقبل.

ربما لا يوجد مؤشر أصدق على عمق الشراكة من الموقف الأمني. وفي هذا الإطار، يسود مبدأ راسخ تترجمه السياسة المغربية بوضوح: أمن الخليج خطٌّ أحمر بالنسبة للمغرب، وأمن المغرب خطٌّ أحمر بالنسبة للخليج. وهذا ليس خطاباً دبلوماسياً، بل موقفٌ أُختبر على أرض الواقع.

عام 2015، شاركت المملكة المغربية بفاعلية في عملية «عاصفة الحزم» التي قادتها المملكة العربية السعودية، مُسهمةً بطائرات مقاتلة وكوادر عسكرية في التحالف العربي الذي واجه التمدد الميليشياوي والتهديدات التي تستهدف وحدة اليمن والاستقرار الإقليمي. لم يكن ذلك انجراراً وراء تيار، بل كان خياراً سيادياً نابعاً من قناعة بأن التهديدات الإقليمية لا تعرف الحدود، وأن التضامن الحقيقي لا يتأجل حتى تحلّ الأزمة.

في المقابل، لم تتوقف دول الخليج عن الإعلان الصريح عن دعمها للوحدة الترابية للمملكة المغربية. وفي الاجتماع الوزاري المشترك الثامن بين المغرب ومجلس التعاون الخليجي المنعقد في 12 مارس 2026، جُدِّد هذا الدعم بنبرة قوية، إذ أشاد الأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديوي بالمغرب حليفاً موثوقاً راسخ المبادئ. فضلاً عن ذلك، أقدمت دول خليجية عدة على افتتاح قنصليات لها في مدينتَي العيون والداخلة، وهو إجراءٌ لا يُعدّ خطوةً دبلوماسية عادية، بل إعلانٌ صريح بأن الصحراء المغربية جزءٌ لا يتجزأ من سيادة المملكة.

لا تقتصر الشراكة على التضامن السياسي والأمني، بل تمتد جذورها إلى البنية الاقتصادية بصورة تعكس عمقاً حقيقياً. فالاستثمارات الخليجية في المغرب شهدت ارتفاعاً ملموساً في قطاعات محورية كالطاقة المتجددة والسياحة والبنية التحتية، ضمن إطار خطة عمل مشتركة مُمتدة حتى عام 2030.

في قطاع الطاقة، تضخّ شركات إماراتية رائدة كـ«مصدر» استثماراتها في مشاريع شمسية عملاقة، لعل أبرزها مجمع نور للطاقة الشمسية. وفي الوقت ذاته، تتجه رؤوس الأموال السعودية والقطرية نحو مشاريع الغاز الأطلسي وتنمية المناطق الجنوبية، مما يُسهم في تعزيز الأمن الطاقوي والغذائي على المستويين الوطني والإقليمي.

هذا التشابك الاقتصادي ليس مجرد استثمارات تبحث عن عوائد مالية، بل هو رهانٌ مشترك على مستقبل واحد. حين يُوظّف الخليج أمواله في بنية المغرب، وحين يُبني المغرب شراكاته الاقتصادية على أساس الثقة المتبادلة، فإن كلا الطرفين يصنعان نسيجاً من المصالح المتداخلة التي تجعل الانفصال أمراً مُكلفاً وغير مجدٍ.

ما يرفع هذه الشراكة فوق الترتيبات التكتيكية البراغماتية هو بُعدها الأخلاقي والمبدئي. فهي لا تُبنى على حسابات الكسب والخسارة الآنية، بل تقوم على منظومة من القيم الثابتة: احترام السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتضامن الفاعل في أوقات الشدة لا في أيام الرخاء فحسب.

يرى المغرب في أمن الخليج امتداداً طبيعياً لأمنه الوطني، لا حساباً سياسياً يُعاد تقييمه مع كل تحول في موازين القوى. وبالمثل، تنظر دول الخليج إلى استقرار المغرب باعتباره ركيزةً للاستقرار العربي الشامل. وهذا التماهي في الرؤية هو ما يُعطي الشراكة روحها الحقيقية ويجعلها قادرة على تجاوز الاختبارات الصعبة بل والخروج منها أقوى.

لا تُختبر الشراكات الحقيقية في زمن الهدوء، بل في أوج العواصف. وقد جاءت الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، التي تتصاعد فيها التوترات في ظل الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على سيادة دول الخليج، لتكون المحكّ الأمين لمصداقية الحليف المغربي.

في 28 فبراير 2026، بادر صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى إجراء سلسلة اتصالات هاتفية مع كبار قادة المنطقة، شملت الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، والملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والأمير تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر. وكانت الرسالة واضحة لا تحتمل التأويل: إدانة قاطعة للاعتداءات التي وصفها جلالته بـ«الاعتداءات الآثمة»، وتأكيد راسخ أن أمن الخليج جزءٌ لا يتجزأ من أمن المغرب، ودعمٌ كامل لكل التدابير المشروعة التي تتخذها هذه الدول لحماية سيادتها.

ثم جاء الاجتماع الوزاري المشترك الثامن في 12 مارس 2026 ليُكرّس هذا الموقف على المستوى الرسمي، حين أعاد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة التأكيد على عمق الشراكة وثباتها، وسط إشادة خليجية واسعة بالموقف المغربي الداعم في لحظة فارقة.

ما يجعل هذا الموقف بالغ الأهمية هو سياقه. فبينما آثرت أطرافٌ عديدة التحفظ أو المراوغة حين اشتدت العاصفة، لم يتردد المغرب لحظة واحدة. هذا هو الفارق الحاسم بين الحليف الذي يقف إلى جانبك تحت الشمس، والحليف الذي يقف معك في قلب العاصفة.

في خضم المشهد الدولي الراهن المثقل بانعدام الثقة وتآكل الشراكات، تقدم الشراكة المغربية-الخليجية درساً بليغاً: إن بناء تحالفات حقيقية يتطلب ما هو أعمق من المصالح المؤقتة؛ يحتاج إلى رؤية مشتركة، وإرادة صادقة، وثباتٍ على المبادئ حتى حين تكون التكاليف باهظة.

لا تُنتج الأزمات شروخاً في هذه الشراكة، بل تمنحها طبقات جديدة من العمق والمصداقية. وبينما يترقب العالم العربي انعقاد الاجتماع الوزاري المشترك التاسع الذي سيستضيفه المغرب قريباً، يبدو جلياً أن هذه العلاقة ليست حديث الحاضر فحسب، بل هي استثمارٌ في مستقبل عربي أكثر تماسكاً وأمناً.

المتغيرات الدولية قد تخلخل ما بُني على الرمال، لكنها تزيد ما شُيِّد على الصخر متانةً ورسوخاً. وهكذا هي الشراكة المغربية-الخليجية: ليست تحالفاً يتبدل مع تبدل الأهواء، بل بناءٌ استراتيجي يتجدد مع كل اختبار، ويزداد عمقاً كلما ازداد الضغط شدة. إنها ليست فقط نموذجاً يُحتذى في العلاقات العربية البينية، بل منارةٌ تُضيء الطريق نحو تضامن عربي حقيقي، يُعلي من قيم السيادة والكرامة والمصير المشترك.

محمد أعزوز

كاتب وصحفي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى