منبر الرأيمختارات

أمريكا وإيران: من فائض القوة إلى حدودها

لم تعد الحرب على إيران مجرد اختبار للقوة العسكرية، بل تحولت إلى اختبار لحدود النفوذ الأمريكي ذاته. لم يكن ذلك حدثًا معزولًا، بل جاء في سياق مسار طويل من صعود الهيمنة الأمريكية، مسار بلغ ذروته في لحظة بدت فيها واشنطن قادرة على إدارة الصراعات العالمية عن بُعد، كما حدث في الحرب الأوكرانية، حيث جرت روسيا إلى تلك الحرب لاستنزافها وإضعافها. هناك، لم تكن القوة في المواجهة المباشرة، بل في القدرة على توجيه الصراع، في تكتيك أظهر قدرة الولايات المتحدة على التأثير في العالم حتى مع خصم بحجم روسيا. لكن هذا النمط لم يعد مضمون النتائج بالفاعلية ذاتها، إذ بدأت حدود الاستنزاف غير المباشر تظهر حين تنتقل المواجهات إلى ساحات أكثر تعقيدًا وتعددًا في أطرافها.

في تلك اللحظة، بدا أن واشنطن لا تزال تمسك بخيوط اللعبة الدولية، قادرة على إضعاف خصومها دون أن تنخرط بشكل مباشر، وعلى إعادة تشكيل موازين القوى بأدوات تتجاوز القوة العسكرية التقليدية. لكن هذا المسار لم يستمر على النهج ذاته. ومع صعود دونالد ترامب، حدث تحول واضح، حيث لم يعد الرهان على الاستنزاف الذكي وإدارة التوازنات، بل على الحسم المباشر، في تقاطع واضح مع نهج بنيامين نتانياهو القائم على فرض الوقائع بالقوة، وهو تحول حمل في داخله انتقالًا من إدارة الصراع إلى محاولة إنهائه بالقوة الصلبة.

وفي هذا السياق، برز بُعد إضافي لا يقل أهمية عن التحول الأمريكي الداخلي، يتمثل في الدور الإسرائيلي المتنامي في صياغة اتجاهات هذا التحول. فقد أظهرت هذه الحرب سعي إسرائيل، بقيادة بنيامين نتانياهو، إلى تعزيز مستوى غير مسبوق من الاندماج الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، بما يعكس تصورًا إسرائيليًا قديمًا يقوم على فكرة أن قوة إسرائيل الإقليمية لا تكتمل إلا ضمن مظلة أمريكية أكثر انخراطًا وحسمًا. في هذا التصور، لا تُرى إسرائيل مجرد حليف تقليدي لواشنطن، بل بوصفها الحليف المركزي القادر على دفع الولايات المتحدة نحو دور أكثر مباشرة وهيمنة في الشرق الأوسط، بما يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي على أساس تفوق مشترك.

هذا الطرح، الذي جرى ترويجه سياسيًا وإستراتيجيًا في دوائر القرار، يقوم على تصور أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي ليس فقط علاقة دعم متبادل، بل مشروع نفوذ مشترك، يُراد له أن يمنح الولايات المتحدة دورًا أكثر سيطرة، ويمنح إسرائيل في المقابل موقع الحليف الأكثر تأثيرًا في توجيه هذا الدور. ومن هنا يمكن فهم كيف تداخلت الحسابات، وكيف تحولت بعض رهانات الحسم السريع إلى مغامرة أوسع نطاقًا، اختلط فيها المنطق الاستراتيجي بالتصورات السياسية حول شكل النظام الإقليمي المطلوب.

المغامرة التي قادها ترامب، والمستوحاة في كثير من جوانبها من هذا التداخل في الرؤى، لم تحقق الحسم المأمول، بل فتحت الباب أمام سلسلة من الأثمان الثقيلة التي بدأت ملامحها تتشكل بالفعل. لم يكن الفشل مجرد تعثر ميداني، بل تحول إلى لحظة كاشفة، حيث لا يُقاس بما جرى على الأرض فقط، بل بتداعياته السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي قد تلازم الولايات المتحدة لسنوات.

فحين لا تحقق القوة الأعظم حسمًا واضحًا، رغم التفوق العسكري الهائل، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول فعاليتها، ويبعث برسالة إلى خصومها بأن التحدي لم يعد مستحيلًا، بل قابلًا للاختبار. وهنا يبدأ التآكل، ليس بشكل فجائي، بل تدريجي، في صورة القوة نفسها. لم تعد الولايات المتحدة تلك القوة التي لا تُقاوَم بشكل مطلق، بل قوة يمكن اختبار حدودها، وربما استنزافها، مع بقاء تفوقها قائمًا لكن أقل يقينًا مما كان عليه.

ومع امتداد الحرب، لم يكن الميدان وحده من يدفع الثمن. الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل بالميزانيات، ومع اتساع العمليات، وجدت واشنطن نفسها أمام استنزاف اقتصادي مفتوح، حيث تتراكم التكاليف، وتضطرب الأسواق، وتزداد الضغوط على الداخل. المشكلة لم تكن في القدرة على الدفع، بل في غياب نهاية واضحة، ما حوّل الحرب إلى عبء ثقيل يصعب تبريره.

في الوقت نفسه، لم تحظَ هذه الحرب بإجماع غربي كامل، ما كشف عن فجوة متنامية بين واشنطن وحلفائها. لم يكن هناك انهيار صريح، لكن كان هناك تردد وتحفظ ومسافة سياسية آمنة، ما يعكس حقيقة مقلقة: أن القيادة الأمريكية لم تعد قادرة على حشد التحالفات بنفس السهولة التي كانت عليها في السابق، وأن موقعها داخل الناتو وشبكة حلفائها لم يعد يُدار بالثقة التلقائية ذاتها، بل بات أكثر تعقيدًا وتفاوضًا وأقل يقينًا.

وعلى الضفة الأخرى، ظهرت المفارقة الأبرز. فبدل أن تؤدي الحرب إلى إضعاف الخصم، ساهمت في إعادة تشكيله. خرجت إيران أكثر تماسكًا داخليًا، وتصاعد دور حلفائها، وتنامى التعاون بين القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية. وهكذا، لم تعد المواجهة مجرد محاولة لاحتواء خصم، بل تحولت إلى عامل في تعزيز موقعه وإعادة إنتاج قدرته على الصمود.

ومع تعقّد المشهد، برز التناقض الجوهري: القدرة على التدمير لا تعني القدرة على إعادة البناء أو فرض الاستقرار. النموذج القائم على الضربات الاستباقية وإدارة الصراع بالقوة أثبت محدوديته، خاصة في بيئة معقدة مثل الشرق الأوسط، حيث لا توجد نهايات سريعة أو حاسمة.

هذه التداعيات لم تبقَ خارج الحدود. في الداخل الأمريكي، بدأت الحرب تترك أثرها، حيث تصاعد الانقسام السياسي، وتراجعت الثقة في القيادة، وعاد الجدل حول جدوى التدخلات الخارجية. ومع غياب نتائج حاسمة، لم تعد الحرب تُقدَّم كدليل قوة، بل كعبء سياسي متزايد.

بدل أن تفرض واشنطن إيقاع الأحداث، وجدت نفسها في موقع رد الفعل، مع تعدد الجبهات وتداخل الفاعلين، ما جعل التحكم بمسار الصراع أكثر صعوبة. وهنا، لم يعد الخطر في الخسارة المباشرة، بل في فقدان القدرة على توجيه المسار نفسه.

في هذه اللحظة تحديدًا، بدأ العالم يغير نظرته إلى الولايات المتحدة. لم يعد ينظر إليها فقط كقوة مهيمنة، بل كقوة تتغير طبيعة مركزيتها داخل النظام الدولي، حيث لم يعد السؤال كيف تمارس هيمنتها، بل ما إذا كانت قادرة على الحفاظ عليها بالشكل الذي اعتاده العالم منذ نهاية الحرب الباردة. لقد بدأ التشكيك، ليس فقط لدى الخصوم، بل أيضًا لدى الحلفاء، في طبيعة هذا الدور وفي حدود استمراريته.

وهكذا، يمكن القول إن ما حدث لم يكن مجرد فشل في حرب، بل بداية مرحلة انتقالية في بنية القوة العالمية. لم يكن سقوطًا مفاجئًا، بل إعادة تشكل بطيئة في الإدراك والتوازنات، حيث بدأت ملامح التراجع تظهر، وبدأ العالم، بدوله الكبرى وغيرها، يعيد حساباته تجاه موقع الولايات المتحدة، ليس كقوة خرجت من النظام، بل كقوة لم يعد موقعها داخله ثابتًا كما كان.

وفي هذا السياق الأوسع، يصبح التحالف الأمريكي–الإسرائيلي جزءًا من هذا التحول لا خارجه، حيث لم يعد مجرد علاقة تقليدية بين قوة عظمى وحليف إقليمي، بل أصبح موضع نقاش حول حدود التأثير المتبادل، وطبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه كل طرف في صياغة اتجاهات السياسة الأمريكية نفسها، في لحظة يعاد فيها تعريف مفهوم القيادة والهيمنة معًا.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى