جنوب الأطلسيمختارات

من التالي بعد مالي؟ — قراءة في خريطة الانسحابات الأفريقية المتوقعة من وهم تندوف

حين أعلنت باماكو في أبريل 2026 سحب اعترافها بما يُسمى “الجمهورية الصحراوية”، لم يكن ذلك حدثاً معزولاً في تاريخ الدبلوماسية الأفريقية، بل كان الحلقة الأحدث في سلسلة تُعيد رسم خريطة القارة بصورة تُثبت أن الأيديولوجيا لا تصمد طويلاً حين تصطدم بمتطلبات البقاء. وقبل مالي، أسقطت نيروبي ورقتها بهدوء حين أعلنت كينيا سحب اعترافها بتندوف، وهو قرار لم يصنع ضجيجاً يستحق حجمه الاستراتيجي، إذ طوت به نيروبي صفحة كاملة من إرث التضامن الأفريقي ما بعد الاستعماري لتفتح صفحة جديدة تكتبها لغة المصالح وحدها. والسؤال الذي يُفرض نفسه الآن بقوة: من التالي؟

للإجابة على هذا السؤال بعيداً عن الأمنيات والمفاضلات الخطابية، لا بد من معيار واحد صارم: أيّ الدول تشهد تحولاً حقيقياً في بنية مصالحها بما يجعل استمرار الاعتراف بالبوليساريو تكلفةً سياسية لا عائداً استراتيجياً؟ عند هذا المعيار يتضح أن ثمة دولاً باتت تحمل اعترافها بجبهة تندوف كعبء من الماضي لا كرصيد في الحاضر.

كينيا نفسها تمنح التحليل بُعداً لم يكن متاحاً قبل قرارها. فنيروبي ليست دولة هامشية في الهندسة الأفريقية؛ هي القوة الاقتصادية الأولى في شرق القارة، ومركز المال والأعمال الإقليمي، وإحدى أكثر العواصم الأفريقية استقطاباً للمؤسسات الدولية. وقرارها يُرسل إشارة مزدوجة: الأولى للرباط بأن المنهجية المغربية في تأطير الشراكات الاقتصادية تُنتج نتائج سياسية ملموسة، والثانية لجيرانها -تنزانيا وإثيوبيا تحديداً- بأن التمسك بالاعتراف القديم أصبح موقفاً يستدعي تفسيراً لا مجرد استمرار اعتيادي. فنيروبي ودار السلام وأديس أبابا تتنافس على نفس الفضاء الاستثماري الأفريقي، وحين تختار الأولى تعميق شراكتها مع المغرب وتصفية هذا الملف، فإنها تُعيد ترتيب الحسابات الاستراتيجية لمنافستيها بصورة لا يمكن تجاهلها.

king in tanzania

تنزانيا تبدو اليوم في موقف المُحاصَر من الجانبين. إذا نظرت شمالا، تجد أن كينيا أسقطت ورقتها وغدت شريكاً مغربياً بلا أثقال أيديولوجية، وإذا يممت غربا، تلمس تصاعد الاستثمارات المغربية في القطاع الزراعي التنزاني بوتيرة تترك أثراً إيجابيا واضحا في البنية الاقتصادية الداخلية. دار السلام لم تعد تُوظف خطابها القديم عن حركات التحرر بالحماس ذاته الذي رسّخه جوليوس نيريري في الوجدان السياسي التنزاني، وأجيال التكنوقراط الجديدة في الحكومة التنزانية تُقيّم الشراكات بمنطق المردودية لا بمنطق الإرث. ما يُبطئ تنزانيا ليس اقتناعاً بالموقف القديم، بل هو الحاجة إلى بناء توافق داخلي بين مؤسسات يتباين مزاجها الأيديولوجي، غير أن الضغط الجغرافي المتمثل في قرار نيروبي قد يُعجّل هذه العملية الداخلية أكثر مما كان مُتوقعاً.

king in etheopia

إثيوبيا بدورهاتحمل ملفاً مختلف التركيب. فأديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي، ذلك الجهاز الذي ظل لعقود منبراً للموقف الجزائري في ملف الصحراء، غير أن إثيوبيا تحتضن المنظمة ولا تقودها، وهو فرق يُتيح لها هامشاً أوسع مما يُتصور في إعادة صياغة علاقاتها. ما يُحرك الحسابات الإثيوبية هو ضرورة براغماتية نابعة من الداخل: أزمة اقتصادية ضاغطة، وحاجة ماسّة إلى دعم دولي في ملف سد النهضة، ورغبة في تأمين الوصول إلى البحر عبر مسارات تفاوضية تستلزم شركاء ذوي ثقل في المحافل الدولية. المغرب يُوفر لإثيوبيا هذه الصورة، فيما لا تُقدم الجزائر سوى دعم أيديولوجي باهت لا يُترجم إلى مكاسب ملموسة. وقرار نيروبي -المنافس الأول لأديس أبابا على القيادة الأفريقية- يُضع إثيوبيا أمام معادلة غير مريحة: فالإبقاء على الاعتراف القديم بعد خروج كينيا منه يضعها في موقع المدافع عن إرث لم يعد له أصحابه، وهو موقف لا يُلائم دولة تسعى إلى قيادة أفريقية وليس إلى وراثة خطاب منتهي الصلاحية.

king in nigeria

نيجيريا تقف في مكان مختلف نوعياً عن هذه الدول. فأبوجا لا تُشكّل الجزائر ضغطاً مباشراً على حدودها كما تُشكله على موريتانيا، ولا تحمل الثقل الأيديولوجي المؤسسي الذي تحمله إثيوبيا بحكم احتضانها للاتحاد الأفريقي، لكنها تحمل عبئاً من نوع آخر: ثقلها القاري ذاته الذي يجعل قرارها أكثر تأثيراً، مما يجعله أيضاً أكثر تكلفةً. فأبوجا القوة الأولى في الإيكواس والعملاق الأفريقي تدرك أن أي تحرك منها سيُعيد رسم خريطة التوازنات القارية بأسرها، وهو ما يدفعها إلى تفضيل الصمت الفعّال على الإعلان الرسمي. الترابط الهيكلي مع المغرب عبر أنبوب الغاز واستثمارات OCP في الأسمدة يتعمق سنةً بعد سنة، وهو ما يُحوّل الاعتراف النيجيري بتندوف تدريجياً إلى هيكل فارغ المحتوى، تماماً كما تُصبح العملة بلا قيمة حين تسحب من التداول الفعلي وإن ظلت مطبوعة.

أوغندا وأنغولا تُقدّمان حالتين تستحقان وقفة خاصة، إذ تجمعهما معادلة متشابهة في بنيتها وإن اختلفت في تفاصيلها: الإرث الأيديولوجي لأنظمة نضالية لا تزال تحكم، في مواجهة براغماتية اقتصادية تشق طريقها بثبات. كمبالا تنامت علاقاتها مع الرباط عبر قنوات الأمن الغذائي والتكوين المهني والفضاء الديني، وموسيفيني الذي حكم أوغندا منذ عام 1986 يُدرك أن مستقبل بلاده لا يرسمه التضامن القاري المجرد بل الشراكات التي تُنتج مستشفيات ومصانع أسمدة وشبكات كهرباء. في المقابل تراجع الحضور الجزائري في كمبالا تراجعاً ملموساً، لم يعد الجزائريون قادرين على تقديم بدائل اقتصادية منافسة في زمن ترتفع فيه متطلبات التنمية الأوغندية وتضيق فيه إمكانات الجزائر المثقلة بأزماتها الهيكلية. غير أن موسيفيني يحمل في سجله السياسي روابط نضالية مع حركات التحرر القارية لا يُسهل التخلي عنها بمرسوم، وهو ما يجعل مساره أقرب إلى التجميد التدريجي منه إلى الانسحاب المُعلن.

أنغولا تُمثل الحالة الأكثر إثارةً للجدل في هذا الفضاء. فالحركة الشعبية لتحرير أنغولا التي تحكم منذ الاستقلال حملت على كتفيها إرثاً أيديولوجياً يربطها بحركات التحرر الأفريقية ربطاً عضوياً، وكان دعم البوليساريو جزءاً من هذا الانتماء لا موقفاً سياسياً قابلاً للمراجعة بسهولة. لكن لواندا اليوم تسير في اتجاه مغاير بخطى تتسارع: الشراكات مع المغرب في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والأسمدة تتعمق، والعلاقة مع الجزائر تفقد مضمونها الفعلي في ظل انكفاء جزائري على أزماته الداخلية وعجز عن تقديم أي رصيد استراتيجي ملموس لحلفائه التقليديين. البراغماتية النفطية الأنغولية التي تحكم علاقاتها مع القوى الكبرى بدأت تتسرب إلى منطق العلاقات القارية أيضاً، وقيادة جواو لورنسو التي تُعرّف نفسها بمسافة نقدية من إرث دوس سانتوس تجد في إعادة صياغة التحالفات الأفريقية فضاءً مناسباً لتأكيد هويتها السياسية المستقلة. أنغولا لن تتحرك بمعزل عن مسار أوسع، لكنها تتهيأ لذلك.

king in rwanda

رواندا تُشكّل في هذه الخارطة حالةً من نوع مختلف تماماً، ومفارقتها تستحق التأمل. كيغالي لا تعترف بالبوليساريو أصلاً، وعلاقتها مع المغرب استراتيجية وعميقة على أصعدة الاستثمار والتكوين والحضور الدبلوماسي المتبادل. غير أن ما يُلفت الانتباه هو الصعود اللافت للعلاقة بين كيغالي والجزائر في السنوات الأخيرة، مصحوباً بإشارات رواندية ملتبسة تجاه ملف الصحراء لا ترقى إلى تأييد الطرح المغربي بصراحة. مفتاح هذا اللغز يكمن في الكونغو الديمقراطية. فرواندا التي تخوض في شرق الكونغو صراعاً وجودياً يتجاوز حدود التوصيفات الدبلوماسية المعتادة تجد نفسها في حاجة إلى دعم دولي متنوع يُخفف من عزلتها في هذا الملف، والجزائر التي تسعى بدورها إلى توسيع نفوذها في حوض الكونغو تُقدم نفسها شريكاً مفيداً في هذا التوازن. لكن المفارقة الحادة هي أن المغرب يحتل موقعاً متقدماً في علاقاته مع كينشاسا، الخصم الوجودي لكيغالي، مما يخلق لرواندا معادلة بالغة التعقيد: الشريك الاستراتيجي الذي يُفضّله الاقتصاد يقف في خندق مختلف حين يتعلق الأمر بأكثر الملفات حساسية لبقاء النظام الرواندي. هذا التشابك يفسر الغموض الرواندي الحسابي تجاه ملف الصحراء، وهو غموض لا يعكس تردداً في الموقف بل يعكس واقعية باردة تُقدّم الوجود الإقليمي على حساب الانحياز القاري الواضح.

في هذا الفضاء المتحرك، تُمثل موريتانيا الحالة الأكثر تعقيداً لأنها الأكثر التصاقاً بتناقضات الجغرافيا. نواكشوط تُدرك قبل أي عاصمة أخرى أن مستقبلها مرتبط بالمغرب ارتباطاً عضوياً يتجاوز السياسة إلى صميم الاقتصاد والأمن والنسيج الاجتماعي، غير أنها تحمل في الوقت ذاته ثقل الجوار الجزائري الذي لا يُجامل حين يشعر بالتهديد. التنسيق الأمني الموريتاني مع القوات المسلحة الملكية في الفضاء الحدودي وصل إلى مستويات تجعل البوليساريو غائباً فعلياً عن المعادلة الميدانية، حتى وإن حافظت نواكشوط على الاعتراف الشكلي في وثائقها الرسمية. هذا التجميد العملي الذي تمارسه موريتانيا ليس جُبناً سياسياً بل هو ما تستطيعه دولة تقع بين فكّي ضغط متعاكسين، وهو في نهاية المطاف وصفة لانسحاب صامت سيتبلور حين تختل المعادلة الإقليمية لصالح واضح.

قرار مجلس الأمن 2792 أدّى في هذا السياق وظيفة لا تقل أهمية عن مضمونه الفعلي: فهو وفّر للدول المترددة لغةً دبلوماسية نظيفة تُمكنها من إعادة صياغة موقفها القديم دون أن تبدو وكأنها استجابت للضغط المباشر. الانسجام مع مسار أممي يُضفي على القرار شرعيةً تجعله أقل كلفةً وأكثر ديمومةً من الانسحاب الفردي المكشوف. وهو ما يفسر لماذا تتتابع هذه القرارات في لحظة بعينها لا قبلها: فالأرضية القانونية الدولية باتت تُلائم التحرك.

في الجهة المقابلة، يتآكل “معسكر العداء الأيديولوجي” المتمركز في أقصى جنوب القارة بصورة تُحيل إلى عزلة جغرافية تتعمق تدريجياً. جنوب أفريقيا التي كانت توظف ثقلها لتعبئة القارة ضد المشروع المغربي تجد نفسها محاطة بدول بدأت تُعيد حساباتها، في حين أن بريتوريا ذاتها تغوص في أزمات داخلية طاحنة لم تترك للسياسة الخارجية الأيديولوجية ترفها المعتاد. ناميبيا وموزمبيق وزيمبابوي وليسوتو وبوتسوانا تُشكّل فضاءً جغرافياً متماسك الموقف لأسباب تاريخية مرتبطة بإرث حركات التحرر وبالاعتماد على القيادة الجنوب أفريقية في صياغة المواقف الإقليمية، غير أن هذا الإرث يتآكل مع أجيال لا تُقيّم الشراكات بلغة الأممية الثورية المتحجرة.

كخلاصة، فالدولة الأقرب زمنياً للخطوة التالية هي تنزانيا. فهي تفتقر إلى العوامل المُثبِّطة التي تُقيّد نيجيريا وإثيوبيا، ولا تحمل حمل موريتانيا الجغرافي، في حين أن قرار جارتها كينيا حوّل التمسك بالاعتراف القديم من موقف محايد إلى موقف يستدعي تفسيراً أمام شركائها الاقتصاديين وأمام نفسها. بعدها تأتي إثيوبيا التي ستجد في المسار الأممي الغطاء الكافي للتحرك دون استفزاز المؤسسة الأفريقية التي تحتضنها. أما نيجيريا، فستأتي كضربة الحسم التي تُغلق الملف قارياً، لا بإعلان رسمي مدوٍّ، بل بإنتاج واقع لا يحتاج إلى إعلان؛ هذا دون استبعاد أن تأتي مفاجأة من الجنوب، أو تكون الضربة الدبلوماسية المغربية التالية في القارة الأمريكية اللاتينية!!.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى