
الخريطة الأيديولوجية لأمريكا اللاتينية: حين يصبح “الشعب الصحراوي” ذريعةً لا قضية
ثمة قاعدة ذهبية في علم السياسة المقارنة: إذا أردتَ أن تفهم موقف دولة من قضية دولية بعيدة عنها جغرافياً وتاريخياً، فلا تسأل عن “موقفها من القضية”، بل اسأل عن “طبيعة نظامها الحاكم” أولاً. فالأنظمة لا تُصدر مواقف سياسية في الفراغ؛ بل تُسقط أيديولوجيتها الداخلية على كل ملف خارجي، ثم تُلبسها عباءة “المبادئ” و”القانون الدولي”. ولا يوجد مثال أكثر فضحاً لهذه الحقيقة من خريطة مواقف أمريكا اللاتينية تجاه ملف الصحراء المغربية، التي إذا تأملتها جيداً، ستجد أنها تُعيد إنتاج “خارطة أيديولوجيات الحكم” بدقة جراحية، دون أدنى استثناء يُذكر.
جدول المحتويات
لنبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل تحليل رصين: بالدول الكبرى التي تحددُ سقف الفعل الإقليمي، ثم ننزل إلى الدول المتوسطة، ونختم بتلك الدول الصغيرة التي لا تملك رأياً حقيقياً، بل تُعيرُ صوتها لمن يدفع أو يضغط.
البرازيل: يسار الوسط وبراغماتية الدولة الكبرى
البرازيل اليوم تحت قيادة “لولا دا سيلفا” تُصنَّف يساراً وسطياً، لكنها في الحقيقة دولة “مؤسسات راسخة” أكثر منها دولة “أيديولوجيا حاكمة”. وزارة الخارجية البرازيلية (Itamaraty) لها تقليد عريق في الواقعية الدبلوماسية يتجاوز أي رئيس؛ فهي لا تُرهن مصالحها الاستراتيجية بعواطف اليسار، وإن تزينت خطاباتها بلغة “التضامن مع الجنوب العالمي”. البرازيل لا تعترف بالبوليساريو، وتتعامل مع المغرب بوصفه شريكاً استراتيجياً في منظومة جنوب الأطلسي. “لولا” نفسه، رغم خطابه الجنوبي، لم يُجرؤ على فتح ذلك الملف، لأن الدولة العميقة البرازيلية ترى في المغرب جسراً نحو أفريقيا ومحاوراً لا يُستغنى عنه. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين “اليسار الدولاتي” و”اليسار الثوري”: الأول يُفكر بمنطق المصالح، والثاني يُفكر بمنطق المرايا الأيديولوجية.
الأرجنتين وتشيلي وبيرو وأوروغواي والإكوادور وباراغواي: الأنظمة الواقعية ونعمة الصمت
على الطرف الآخر من الطيف، نجد الأرجنتين بقيادة ميليي (يمين رأسمالي متطرف)، وتشيلي برئاسة بوريتش (يسار معتدل)، وبيرو التي خرجت من دوامة سياسية مُنهِكة. والمفارقة اللافتة أن هذه الدول الثلاث، على اختلاف توجهاتها الداخلية، لا تعترف بالبوليساريو ولا تدعمه. فالأرجنتين في عهد ميليي ليست معنية أصلاً بـ”قضايا حركات التحرر”، بل تنشغل بإعادة ترتيب اقتصادها المنهار. أما تشيلي بوريتش، اليسارية الاجتماعية، فرغم خطابها التقدمي، لا تجد في البوليساريو قضيةً تستحق استثمار رأس المال الدبلوماسي فيها، وتُفضّل الانشغال بملفات اليمين واليسار الداخلية. وبيرو، التي عاشت ست سنوات من الفوضى الرئاسية، تُدرك نخبُها أن “قضايا الصحراء” هي رفاهية أيديولوجية تعجز عنها الدول التي تشغلها أزماتها الداخلية. صمتُ هذه الدول ليس مجرد لامبالاة؛ بل هو موقف سياسي ضمني يُؤكد أن دعم البوليساريو ليس سلوكاً “طبيعياً” للدول، بل هو خيار أيديولوجي استثنائي تتبناه أنظمة بعينها لأسباب تتعلق بهويتها لا بالقانون الدولي.
كولومبيا: حين يُصبح التضامن الثوري بنداً في برنامج الحزب
كولومبيا تستحق وقفة خاصة لأنها تُقدم أوضح نموذج على العلاقة الوثيقة بين هوية النظام الحاكم والموقف من الصحراء المغربية. فطوال ما يزيد على ثلاثة عقود، لم تعترف كولومبيا بالبوليساريو. لكن بمجرد وصول غوستافو بيترو، المنحدر من خلفية حركة M-19 الماركسية المسلحة، إلى سدة الرئاسة عام 2022، تغير المشهد بشكل دراماتيكي. فقد استُؤنفت العلاقات مع الجبهة الانفصالية ليس بناءً على أي مستجد قانوني أو حقوقي، بل كاستجابة مباشرة للإرث الثوري الذي يحمله الرئيس. البوليساريو في وجدان بيترو ورفاقه ليست “قضية شعب”، بل هي “رمز من رموز حركات التحرر اللاتينية الأمريكية” التي نشأ في كنفها جيلياً. هذا التقاطع الرمزي لا علاقة له بالقانون الدولي ولا بميثاق الأمم المتحدة ولا بحق تقرير المصير؛ إنه تضامن طبقي ثوري مُستعار من زمن آخر. والأخطر من ذلك أن الضغط الداخلي في “الكونغرس الكولومبي” وقطاعات الأعمال بدأ يُنبّه إلى كُلفة هذا الموقف على صعيد التعاون الاقتصادي مع الرباط، وخاصة في ملف الأسمدة الفوسفاتية الذي تحتاجه كولومبيا الزراعية احتياجاً مباشراً. وحين تصطدم الأيديولوجيا بفاتورة الأسمدة، عادةً ما تتراجع الأيديولوجيا.
المكسيك: امبراطورية الخطاب الجنوبي المتشقق
المكسيك هي اللغز الأكبر في هذه الخريطة. دولة مؤسسات بامتياز، وزارة خارجيتها (SRE) تملك تقليداً راسخاً من “مبدأ إيستيرادا” الذي يرفض التدخل في شؤون الدول وعدم الاعتراف بالحكومات الناتجة عن انقلابات. لكن المفارقة أن حزب “مورينا” بزعامة لوبيث أوبرادور وخليفته كلاوديا شاينباوم قد ورث عقيدة يسارية شعبوية ترى في كل حركة انفصالية في العالم الثالث “حركة تحرر” يجب احتضانها. المكسيك تعترف بالبوليساريو منذ عام 1979، وهذا الاعتراف لم يُراجَع قط، ليس لأن المكسيكيين وجدوا في الصحراء المغربية مسألة حقوقية مستعصية تستوجب انحيازهم، بل لأن هذا الاعتراف صدر في زمن الحرب الباردة حين كانت المكسيك تتنافس مع كوبا على قيادة “تيار عدم الانحياز” اللاتيني. اليوم، تجد المكسيك نفسها سجينةَ قرار تاريخي لم تُعِد تقييمه قط، رغم أن الواقع الجيوسياسي تغير كلياً. والأكثر إثارة للاهتمام أن تياراً حقيقياً داخل الخارجية المكسيكية يرى أن الولايات المتحدة بعد اعترافها عام 2020، وإسبانيا بعد انعطافتها عام 2022، قد أسقطتا الذريعة الأخلاقية للموقف المكسيكي، وأن الاستمرار فيه بات عازلا للمكسيك عن “الأطلسي الجديد” الذي يتشكل. إن تحول المكسيك نحو “الحياد الإيجابي” لن يأتي عبر بيان رسمي صاخب، بل سيتسرب صمتاً ومراجعاتٍ هادئة، لأن المكسيك تعرف كيف تُغير مواقفها دون أن تعترف بأنها كانت مخطئة.
نيكاراغوا وكوبا وفنزويلا: المتحف الأيديولوجي الحي
هنا نصل إلى الجوهر. هذا الثالوث لا يستحق تحليلاً دبلوماسياً بقدر ما يستحق قراءة “أنثروبولوجية” في الأنظمة المتحجرة. نيكاراغوا أورتيغا، كوبا بعد كاسترو، وفنزويلا مادورو؛ هذه ليست حكومات تُدير دولاً بقدر ما هي طقوس أيديولوجية متكررة تحتاج إلى عدو دائم لتُبرر وجودها. البوليساريو في منظورهم ليس شعباً يطالب بتقرير المصير، بل هو “ذخيرة بلاغية” يُطلقونها في كل خطاب دولي لتأكيد أنهم لا يزالون “ثوارا”. الثلاثة اعترفوا بالبوليساريو في زمن كانت فيه الثورة الكوبية تُصدّر نموذجها إلى كل بقاع الأرض؛ واليوم، وقد انهارت تلك الثورة داخلياً وباتت كوبا لا تستطيع إطعام مواطنيها، لا يزالون يتشبثون بنفس الخطاب لأن الاعتراف بالخطأ يعني انهيار الأسطورة التأسيسية كلها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: هؤلاء لا يُدافعون عن “حق الصحراويين” لأن ذلك لو كان صحيحاً لدافعوا أيضاً عن حق الأكراد في تركيا، والروهينغا في ميانمار، والتيبتيين في الصين التي لا يُجرؤون على مجرد انتقادها. التناقض هنا ليس “خطأً فكرياً”، بل هو “فضيحة أخلاقية مُنظَّمة”.
بليز وترينيداد وتوباغو: حين يُصبح الصوت بضاعة
تُقدم هاتان الدولتان الصغيرتان نموذجاً مختلفاً كلياً. لا هما يحملان أيديولوجيا راسخة كهافانا، ولا هما يملكان مشروعاً إقليمياً كبوغوتا. موقفهما من الصحراء المغربية نتاج “إرث التصويت الجماعي” في الكاريبي، إذ اعتادت دول المنطقة الصغيرة تاريخياً أن تُصوت في كتلة واحدة متأثرةً بالدول الأكثر نفوذاً داخل رابطة “كاريكوم”. كوبا في مرحلة ذروتها كانت تُملي على هذه الدول مواقفها في الأمم المتحدة مقابل المساعدات الطبية وبرامج التضامن. لكن ذلك الزمن مضى، وباتت بليز وترينيداد وتوباغو أكثر انفتاحاً على مراجعة مواقفهما، إذ يدركان أن المغرب يملك ما تحتاجانه: الأسمدة، والشراكات الاستراتيجية في إطار الحلف الأطلسي الجنوبي الناشئ. ولعل الموقف المتماسك لدول الكاريبي تجاه مغربية الصحراء، يؤكد أن سحب اعتراف هاتين الدولتين بالبوليساريو مسألة وقت لا أكثر.
الخلاصة التي لا تحتاج إلى استنتاج لأنها مكتوبة بالأرقام
إن قمتَ بمطابقة قائمة الدول المعترفة بالبوليساريو مع قائمة الأنظمة اليسارية الراديكالية والاشتراكية الثورية في أمريكا اللاتينية وكاريبيها، ستجد أن التطابق شبه مطلق. وإن قمتَ بمطابقة قائمة الدول غير المعترفة أو المُعترِفة بمغربية الصحراء مع الأنظمة اليمينية والوسطية والبراغماتية، ستجد التطابق ذاته. هذه ليست مصادفة، ولا هي “مفارقة إحصائية”، بل هي قانون سياسي صارم: الموقف من الصحراء المغربية في أمريكا اللاتينية ليس موقفاً من “قضية حقوقية”، بل هو مؤشر أيديولوجي دقيق يكشف طبيعة النظام الحاكم وهويته الفكرية. أي أن الصحراء المغربية تُكشِّف هذه الأنظمة أكثر مما تُكشِّفها الانتخابات؛ لأن المواقف من القضايا البعيدة تُعبّر عن الجوهر، بينما المواقف الداخلية قد تُزوّر بحسابات الفوز والخسارة.
والمشهد اليوم يُؤكد أن “خريف الأيديولوجيا اللاتينية” ليس استعارة شعرية، بل توصيف دقيق لواقع يتكشّف: الدول التي أعادت رسم خريطتها نحو “البراغماتية” تراجعت عن دعم البوليساريو أو جمّدته، بينما الدول التي رسّخت أيديولوجيتها الثورية في الحكم تتمسك باعترافها كما يتمسك الغريق بحطام سفينته. ولا يحتاج المغرب في هذه المرحلة سوى تكثيف مساعيه الحالية: ألا يترك الوقت وحده يُنجز المهمة، بل أن يُسرّع عجلة “المغرب المُغري” الذي يُقدم للمتردد سبباً ملموساً لاختيار جانبه، وللمعادي حساباً واقعياً يُفيد أن تكلفة الاستمرار في العداء باتت تتجاوز كل فائدة أيديولوجية.



