
السنغال على مفترق الطرق: حين تصطدم ثورة الصناديق بحسابات الدولة
أولاً: ما الذي جرى فعلاً؟
السنغال لم تشهد انقلاباً. ما شهدته أخطر من ذلك بوجه من الوجوه: انقسام السلطة التي صنعت ثورتها الانتخابية 2024 على نفسها، في وضح النهار، أمام الجمهور الذي أوصلها.
باسيرو ديوماي فاي، الرئيس المنتخب، أقال رئيس حكومته عثمان سونكو. ليس لأن سونكو فشل في إدارة ملف أمني أو تورط في قضية فساد، بل لأن الرجلين وصلا إلى نقطة اللاعودة في سؤال جوهري واحد: كيف تُدار دولة بحجم السنغال بمديونية عامة تجاوزت 132 بالمئة من ناتجها المحلي؟
سونكو ردّ من حيث لا يُتوقع: استقطب 132 صوتاً من أصل 133 في الجمعية الوطنية ليصبح رئيسها. الرقم ليس مصادفة رمزية، هو رسالة سياسية مكثفة، تقول بوضوح: أنت تملك القصر، وأنا أملك البرلمان.
بدأت المواجهة المؤسساتية. وللسنغال مع هذا النوع من الاختبارات تاريخ فريد في القارة.
ثانياً: جوهر الخلاف، بعيداً عن الشخصانية
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعاً في قراءة هذه الأزمة هو اختزالها في علاقة شخصية بين رجلين كانا حليفين وأصبحا خصمين. الشخصانية قد تكون الشكل، لكنها ليست المضمون.
المضمون هو أن حكومة “باستيف” ورثت ديناً عاماً مخفياً بالكامل من العهد السابق، يُقدَّر بثلاثة عشر مليار دولار إضافية لم تظهر في الحسابات الرسمية. حين كُشف هذا الرقم أمام صندوق النقد الدولي عُلِّق برنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار. الدولة وجدت نفسها أمام حائط مالي صلب في وقت قصير.
هنا تفرّعت مسارات ديوماي وسونكو:
ديوماي فاي، القادم من مسار حقوقي وليس من مدرسة الاقتصاد، أدرك بالتجربة الإدارية أن شعار “السيادة المطلقة” لا يسدد رواتب الموظفين ولا يفي بأقساط الديون الخارجية. مال نحو التفاوض، وأتى بأحمدو الأمينو لو، المدير السابق للبنك المركزي لدول غرب أفريقيا، رئيساً للحكومة. هذا التعيين وحده يروي الحكاية كلها: حين تضغط الأرقام يستدعي الرئيس خبير الأرقام.
سونكو في المقابل لم يغيّر أطروحته قيد أنملة. خطاب القطيعة مع مؤسسات التمويل الغربية، ورفض التقشف، والرهان على عائدات الغاز والنفط القادمة هو نفس الخطاب الذي حشد به الملايين عام 2021 وعام 2024. المشكلة أن هذا الخطاب يصلح لصنع الحركات الشعبية، لكنه لا يصلح وحده لإدارة ميزانية دولة في طور الضائقة المالية.
الخلاف إذن ليس خلافاً بين صديقين. هو خلاف بين مرحلتين: مرحلة بناء الحركة ومرحلة بناء الدولة. ومعظم تجارب القارة الأفريقية تقول إن هذا الانتقال هو الامتحان الحقيقي لكل ثورة.
ثالثاً: موازين القوى الفعلية
الخريطة الراهنة لا تنتصر فيها جهة بشكل حاسم، لكن لكل طرف أوراق ضغط حقيقية.
سونكو يملك الشارع. السنغال بلد يزيد فيه من هم دون الثلاثين على ستين بالمئة من السكان، وهؤلاء هم قاعدته الصلبة. يملك أيضاً البرلمان بأغلبية شبه كاملة، وهذا يعني قدرة مؤسساتية حقيقية على تعطيل الميزانيات ورفض التشريعات واستدعاء الوزراء. وفوق هذا يملك بضاعة لا تبلى: سردية المظلومية. الرجل دخل السجن في عهد ماكي سال، وخرج منه رئيساً للبرلمان. هذه السيرة الذاتية السياسية لها وزن في الشارع لا يعوضه أي تقرير اقتصادي.
ديوماي فاي يملك السلطة التنفيذية، أي الجيش والأمن والميزانية والإدارة. ويملك شرعية دستورية واضحة في إقالة رئيس الحكومة. لكن أهم ما يملكه هو الوقت: إذا نجح أحمدو الأمينو لو في إعادة تفعيل برنامج صندوق النقد وضخ سيولة في الاقتصاد خلال الأشهر القادمة، فإن الحجة المعيشية ستتحول لصالح الرئيس. المواطن الذي لم يقرأ اتفاقيات القرض الدولي سيلاحظ أن الأسعار استقرت أو أن المشاريع عادت، وسيُحسبها في رصيد الرئيس.
نقطة الضعف الحقيقية لكل منهما متماثلة من ناحية الشكل مختلفة من ناحية المضمون: سونكو لا يملك بديلاً تمويلياً ملموساً لخطة التقشف، والرهان على عائدات الغاز الموعودة خطر في زمن الأزمة الفورية. ديوماي فاي يخاطر بأن تُجرد إجراءاته التقشفية شرعيته الثورية، ويصبح في ذاكرة ناخبيه رجلاً باع مشروع التغيير لصندوق النقد.
رابعاً: السيناريوهات، بلا وهم
ثلاثة مسارات يمكن بناء تقدير موقف عليها:
المسار الأول: التعايش المشلول، وهو الأكثر احتمالاً في المدى القريب. يستخدم سونكو البرلمان لعرقلة الميزانيات والتحقيق في القروض، ويستخدم الرئيس المراسيم التنفيذية لتجاوز البرلمان. كلاهما يظل في موقعه، وكلاهما يُعطل عمل الآخر. النتيجة الأكيدة هي تآكل ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة الناشئ، وهو ثمن باهظ لبلد يراهن على حقول الغاز والنفط كمخرج من أزمته المالية الهيكلية.
المسار الثاني: حل البرلمان مجدداً، وهو الخيار الأكثر درامية والأقل ترجيحاً. يملك الرئيس هذا السلاح دستورياً، لكن استخدامه يعني احتكام الطرفين للشارع مرة أخرى في ظرف اقتصادي ضاغط. الخطر هنا مزدوج: إذا عاد سونكو بأغلبية أكبر، فإن الرئيس سيكون قد أضعف نفسه مؤسساتياً. وإذا خسر سونكو فإن مسألة احترام نتائج الاقتراع ستكون على المحك أمام قاعدة شعبية جاهزة للتعبئة.
المسار الثالث: التسوية عبر الوسطاء التقليديين، وهو الأكثر عقلانية والأصعب تنفيذاً. الطرق الصوفية الكبرى، المريدية والتيجانية، هي مرجعية اجتماعية ذات ثقل تاريخي في السنغال، وقدرتها على الوساطة الهادئة خلف الكواليس معروفة. تسوية من هذا النوع تفترض أن يقبل سونكو بحد أدنى من المرونة المالية مقابل ضمانات رقابية برلمانية على عقود الطاقة، وأن يتقبل ديوماي فاي أن برنامجه الاقتصادي بحاجة إلى غطاء سياسي شعبي لا يملكه وحده.
خامساً: ما يعنيه هذا للمشهد الأفريقي الأوسع
لا تُقرأ أزمة السنغال بمعزل عن سياقها الأفريقي. المنطقة المحيطة بها، من مالي إلى بوركينا فاسو إلى النيجر، تحكمها حاليا مجالس عسكرية وصلت إلى السلطة بخطاب السيادة ذاته الذي رفعه سونكو. هذا المناخ الإقليمي يمنح أطروحة سونكو صدى واسعاً في قواعد شعبية متعاطفة مع خطاب القطيعة مع الغرب، بصرف النظر عن جدوى هذا الخطاب اقتصادياً.
في المقابل، إذا نجح ديوماي فاي في الخروج من هذا المأزق المالي محافظاً على الاستقرار المؤسساتي للبلاد، فإن السنغال ستكون قدمت للقارة نموذجاً نادراً: بلد أدار خلافاً عميقاً في رأس سلطته بالدستور والصناديق لا بالبيانات العسكرية. هذا بحد ذاته قيمة أفريقية استراتيجية تتجاوز حدود السنغال.
سادساً: القراءة الاستراتيجية
ما يجري في داكار اليوم هو في جوهره امتحان يطرحه التاريخ السياسي الأفريقي بصياغة جديدة: هل تستطيع حركة ثورية، حين تصل إلى السلطة وتكتشف فداحة الميراث الذي ورثته، أن تُعيد تنظيم نفسها دون أن تفقد روحها؟ وهل يستطيع زعيم شعبوي أن يتحول إلى رجل دولة دون أن يخون قاعدته، أم أن هذا التحول ضريبة حتمية لا فكاك منها؟
أحمدو الأمينو لو، رئيس الحكومة الجديد، ليس شخصية سياسية بالمعنى الكلاسيكي. هو تكنوقراطي أمضى مسيرته في إدارة الأرقام الكلية، لا في إدارة الحشود. نجاحه في الربع القادم في إعادة فتح باب التمويل الدولي وضبط العجز هو المتغير الأكثر حسماً في تحديد من يملك السردية المستقبلية: ديوماي بسرديته الواقعية، أم سونكو بسرديته الثورية.
السنغال لم تسقط في فخ الانقلاب. لكنها تسير الآن على حبل رفيع بين نموذجين للحكم، في اقتصاد لا يتحمل ترف التأرجح الطويل.




