المملكة الشريفةالشأن الوطنيمختارات

سر الاستثناء الأمني المغربي (1): من حارس للحدود إلى مُصدّر للاستقرار

حين تُدمى قارة بأسرها من الساحل إلى الصحراء، وحين تتحول عواصم أوروبية إلى مسارح لعمليات دموية، وحين تعجز أجهزة استخباراتية بميزانيات خيالية عن رصد تهديد نما في عقر دارها، يبقى المغرب استثناءً يصعب تفسيره بالمنطق التقليدي.

لم يشهد المغرب هجوماً إرهابياً كبيراً منذ أحداث أركانة عام 2011. أربعة عشر عاماً من الاستقرار في منطقة تعصف بها الفوضى من كل اتجاه. ليس لأن المغرب بعيد عن مناطق التوتر، بل لأنه في قلبها الجغرافي: على بُعد أميال من أوروبا، وعلى تخوم الساحل الملتهب، وفي مواجهة يومية مع شبكات تهريب البشر والسلاح والمخدرات عبر حدود تمتد آلاف الكيلومترات. الاستقرار في هذه البيئة لا يأتي بالحظ، بل بالهندسة.

المنطقة تحترق والمغرب يراقب من بعيد؟

خطأ في التوصيف. المغرب لا يراقب من بعيد، بل هو في قلب الحريق ويشتغل. في الجنوب، تمتد الحدود المغربية على تماس مباشر مع منطقة الساحل التي باتت من أكثر مناطق العالم نشاطاً للتنظيمات المسلحة. في الشمال، يفصل مضيق لا يتجاوز أربعة عشر كيلومتراً بين المغرب وأوروبا، مما يجعله محطة استراتيجية لكل من يريد العبور في الاتجاهين. في الشرق، حدود مغلقة مع جارة لا تخفي عدائها ولا تتوقف عن رعاية ملفات التوتر. وفي المحيط الأوسع، موجات من المقاتلين الأجانب الذين خاضوا حروب العراق وسوريا وليبيا ويحملون معهم خبرات قتالية وشبكات تواصل تجعل منهم تهديداً متنقلاً لا وطن ثابتاً له.

في هذا المحيط بالذات، يحافظ المغرب على استقرار لافت. ليس استقراراً مبنياً على القمع الأعمى الذي يولد انفجارات لاحقة، ولا على عزلة جغرافية أو هوية قبلية ضيقة تحمي من الخارج. استقرار مبني على منظومة أمنية متكاملة، تجمع بين الاستخبارات والميدان والفكر والتنمية والمجتمع في بنية واحدة تعمل بتنسيق نادر.

حين يصبح الأمن عملةً دبلوماسية

ما يستوقف المحللين الدوليين اليوم ليس فقط أن المغرب يحمي نفسه بكفاءة، بل أنه بات يحمي غيره. حين تحتاج باريس أو مدريد أو برلين معلومة استخباراتية دقيقة عن خلية تتحرك في أوروبا، كثيراً ما يكون المصدر الرباط. حين تُفكَّك شبكة لتهريب المقاتلين عبر الصحراء الكبرى، تجد الأجهزة المغربية في قلب العملية. حين تبحث دول أفريقية عن نموذج لمكافحة التطرف يناسب واقعها دون أن يستنسخ وصفات غربية جاهزة، تجد نفسها تطرق باب الرباط.

هذا التحول – من دولة تستهلك الأمن إلى دولة تُنتجه وتُصدِّره – هو جوهر ما تتناوله هذه السلسلة. ولفهم هذا التحول لا بد من تجاوز القراءة العاطفية التي تكتفي بالإشادة، والقراءة التقنية الضيقة التي تختزل الأمن في عمليات وأرقام، والدخول إلى البنية العميقة التي تحرك هذا النموذج.

ما الذي يجعل النموذج المغربي مختلفاً؟

في أغلب دول المنطقة، حين تواجه الدولة تهديداً أمنياً، تتحرك وفق منطق رد الفعل: تهديد يقع، جهاز يتحرك، مشتبه به يُعتقل، ملف يُغلق. هذا المنطق يعالج الأعراض دون أن يمس الجذور، ويضمن دوام الحاجة إلى العلاج دون أن يحقق الشفاء.

المغرب بنى منظومته على منطق مختلف جوهرياً، هو منطق الاستباق الشامل. الاستباق هنا لا يعني فقط تفكيك الخلية قبل أن تنفذ عمليتها، بل يعني محاربة الفكرة قبل أن تتحول إلى خلية، ومحاربة الفراغ الاجتماعي قبل أن يتحول إلى بيئة حاضنة للفكرة. هذه سلسلة وقاية متكاملة تبدأ من المسجد والحي وتنتهي في غرفة العمليات.

خمسة أبعاد لأمن لا يشبه غيره

المنظومة الأمنية المغربية تعمل في خمسة مستويات متشابكة، لا يمكن فهم أيٍّ منها بمعزل عن الآخر.

المستوى الأول هو الأمن الميداني الاستباقي، وهو الوجه الأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام حين يُعلن عن تفكيك خلية أو توقيف مجموعة كانت تخطط لعملية. غير أن ما لا يُقال دائماً هو أن هذه العمليات تتم في الغالب في مرحلة التخطيط الأولى، قبل أن تصل الخلية إلى مرحلة الاستعداد العملياتي. هذا يتطلب استخباراتٍ لا تنتظر بل تبحث، وجهازاً لا يكتفي بالرصد بل يتدخل في اللحظة المناسبة.

المستوى الثاني هو الأمن الروحي، وهو ربما الأكثر أصالةً في التجربة المغربية وأقلها حضوراً في تحليلات المنافسين والمراقبين الدوليين. مؤسسة إمارة المؤمنين ليست لقباً بروتوكولياً بل هي ركيزة أمنية حقيقية. حين يضبط المغرب الحقل الديني عبر تكوين الأئمة وتوحيد الخطاب ومتابعة المساجد، فهو لا يمارس رقابة ثقافية بالمعنى الضيق، بل يقطع الطريق على التنظيمات المتطرفة قبل أن تجد لها موطئ قدم في الوجدان الجمعي. الجهاز الأمني لا يواجه “إرهابياً” فحسب، بل يواجه “أيديولوجيا” قبل أن تتحول إلى فعل.

المستوى الثالث هو الأمن التنموي. الفقر والتهميش والبطالة ليست مشاكل اقتصادية بحتة في القاموس الاستراتيجي المغربي، بل هي متغيرات أمنية مباشرة. لهذا جاءت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في جزء من منطقها، كأداة للتحصين الاجتماعي في المناطق الهشة. حين تستثمر الدولة في حي شعبي مهمش، فهي لا تبني مدرسة أو ملعباً فحسب، بل تقطع على التنظيمات المتطرفة مسارات التجنيد في تلك المنطقة.

cyber security2

المستوى الرابع هو الأمن السيبراني، وهو المجال الذي يعكس تحولاً نوعياً في فهم المغرب لطبيعة التهديدات الحديثة. التهريب الرقمي للأموال، التجنيد عبر الشبكات المظلمة، تنسيق العمليات عبر تطبيقات مشفرة، اختراق البنية التحتية الحيوية عبر هجمات إلكترونية، كل هذا يتطلب قدرات تقنية رفيعة تستثمر فيها المملكة باستمرار. المغرب يتصدر قائمة الدول الأفريقية في مؤشرات الأمن السيبراني الدولية، وهو تصنيف له ثمنه الاستراتيجي في عالم تتشابك فيه الحروب الرقمية مع الصراعات التقليدية.

المستوى الخامس هو الأمن المواطن، وهو المفهوم الذي يُعرِّب ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ”Community Policing” أو “Sécurité de Proximité”، لكنه في السياق المغربي يأخذ بُعداً أعمق لاتصاله بمنظومة الإدارة الترابية الموروثة عن قرون طويلة. حين يتحول المواطن من مجرد خاضع للقانون إلى شريك في إنتاج الأمن، تتحول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتُغلق فجوات لا تستطيع أي تكنولوجيا سدها. هذا البُعد سيأخذ حقه في تفصيل لاحق من هذه السلسلة.

الهندسة، لا الصدفة

ما يجمع هذه المستويات الخمسة ليس قراراً حكومياً أصدر في يوم بعينه، بل هو تراكم استراتيجي بدأت ملامحه الأوضح تتشكل في أعقاب تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، حين أدركت المملكة أن مواجهة التطرف تستلزم إعادة هيكلة شاملة لا مجرد استجابة أمنية آنية. منذ ذلك الحين، والمنظومة في حالة بناء وتطوير مستمرين، تحكمها عقيدة ثابتة وتتكيف أدواتها مع كل تحول في طبيعة التهديد.

هذه السلسلة ستفصل تلك المنظومة على مدى خمس حلقات أخرى: الهندسة المؤسساتية وكيف تتقاسم الأجهزة أدوارها، الأمن الداخلي وعقيدته وآلياته، الأمن الخارجي ودوره السيادي في خدمة القضايا الوطنية الكبرى، الفرادة المغربية التي تجمع بين عراقة المخزن وحداثة الاستخبارات، وأخيراً ما يمكن للمغرب أن يقدمه لقارته حين تبحث عن نموذج يخرج من رحمها هي لا من مختبرات واشنطن أو باريس.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى