
السلام المؤجل: كيف تحوّل النظام السياسي الإسرائيلي إلى عائق بنيوي أمام التسوية مع الفلسطينيين؟
د. إبراهيم نعيرات
في الشرق الأوسط، لا تموت مشاريع السلام دائماً بسبب الحروب. أحياناً تموت بسبب الانتخابات.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بدا المشهد الفلسطيني الإسرائيلي وكأنه يدور داخل حلقة مغلقة: مفاوضات تبدأ، صور مصافحة تُلتقط أمام العالم، وعود تُقال عن “شرق أوسط جديد”، ثم ينهار كل شيء فجأة، ويعود العنف والتشكيك وانعدام الثقة إلى الواجهة. وفي كل مرة كان السؤال نفسه يتكرر: لماذا يفشل السلام دائماً؟
الإجابة التقليدية كانت تبحث في النوايا: من رفض؟ من تنازل؟ من خان الاتفاق؟ لكن مع مرور الزمن بدأ سؤال أعمق يفرض نفسه بقوة أكبر: ماذا لو كانت المشكلة ليست فقط في الأشخاص أو النيات، بل في البنية السياسية نفسها؟ ماذا لو كان النظام السياسي الإسرائيلي، بتكوينه الداخلي، عاجزاً أصلاً عن إنتاج تسوية مستقرة وطويلة الأمد؟
إسرائيل لا تعتمد نموذج الحزبين الكبيرين كما في الولايات المتحدة، ولا النموذج البرلماني المستقر نسبياً كما في بريطانيا. بل تعتمد نظام التمثيل النسبي الكامل مع دائرة انتخابية واحدة وعتبة دخول منخفضة نسبياً. ظاهرياً يبدو هذا النظام ديمقراطياً وتمثيلياً إلى حد بعيد، لأنه يسمح بتمثيل واسع للتيارات المختلفة، لكنه عملياً أنتج مشهداً سياسياً متشظياً بصورة مزمنة.
في كل انتخابات تقريباً يدخل الكنيست أكثر من عشرة أحزاب، ما يجعل أي حكومة بحاجة إلى ائتلاف هش من قوى متناقضة أيديولوجياً. رئيس الوزراء لا يحكم فعلياً بقدر ما يدير توازناً دائماً بين شركاء قادرين على إسقاطه في أي لحظة. وهنا تظهر المفارقة الأخطر: الأحزاب الصغيرة الأكثر تشدداً تمتلك أحياناً قدرة تعطيل أكبر من حجمها الحقيقي.
حزب يمتلك ستة أو سبعة مقاعد فقط يمكنه تهديد الحكومة بالانهيار إذا شعر أن هناك تنازلاً للفلسطينيين. لذلك يتحول السلام نفسه إلى خطر سياسي داخلي. وكلما اقتربت أي حكومة إسرائيلية من تسوية حقيقية، اقتربت في الوقت ذاته من احتمال السقوط.
لهذا لم يكن فشل المفاوضات مجرد نتيجة لتعنت أيديولوجي أو سوء نوايا، بل نتيجة بنية سياسية كاملة تعاقب أي زعيم يحاول الذهاب بعيداً في التسوية.
ومع مرور السنوات، لم يقتصر أثر هذا الخلل البنيوي على تعطيل السلام فقط، بل بدأ يعكس نفسه داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. فمن الغريب أن تعتمد دولة تواجه صراعات أمنية وجودية مستمرة نظاماً انتخابياً يجزّئ مجتمعها أكثر مما يوحّده، بدلاً من أن تنتج بنية سياسية تدفع نحو تكتلات كبرى مستقرة قادرة على بناء إجماع طويل الأمد حول شكل الدولة ومسارها الاستراتيجي.
وعلى المدى البعيد، لا يهدد هذا التفتت فقط فرص التسوية مع الفلسطينيين، بل يفتح الباب أمام صراعات داخلية أعمق حول طبيعة إسرائيل نفسها: هل هي دولة مدنية ليبرالية أم دولة دينية قومية؟ ما حدود العلاقة بين الدين والقانون؟ ومن يملك تعريف “هوية الدولة”؟
ومع تصاعد وزن التيارات الدينية والحريدية، بدأت تظهر مخاوف فكرية وسياسية من أن يتحول هذا الانقسام إلى أشكال أكثر جذرية من التمايز الداخلي، تصل إلى مطالبات بالحكم الذاتي الثقافي أو الإداري داخل الدولة نفسها، انطلاقاً من رؤى دينية مختلفة لطبيعة السلطة والقانون والمجتمع.
وتبدو هذه التصدعات أكثر وضوحاً عند العودة إلى تجربة أوسلو.
حين وُقّعت اتفاقية أوسلو عام 1993، بدا المشهد وكأنه لحظة تاريخية نادرة: قيادة فلسطينية تعترف بإسرائيل، وإسرائيل تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، والعالم يتحدث بثقة عن نهاية الصراع. لكن الاتفاق لم يدخل إلى دولة مستقرة تمتلك إجماعاً سياسياً واضحاً حول السلام، بل دخل إلى نظام سياسي سريع التقلب، قابل للانقلاب على ذاته مع كل انتخابات تقريباً.
إسحق رابين اكتشف ذلك مبكراً. اتفاق أوسلو لم يسقط فقط برصاص متطرف يهودي اغتال رابين، بل سقط أيضاً داخل مجتمع سياسي لم يكن قادراً على تحمّل التحول الذي بدأه.
اغتيال رابين لم يكن مجرد اغتيال رجل، بل اغتيال الفكرة التي مثّلها: أن المجتمع الإسرائيلي قد يقبل دفع الثمن السياسي والأيديولوجي للسلام. ومنذ تلك اللحظة، بدا وكأن أي زعيم إسرائيلي يفكر بتسوية تاريخية عليه أن يفاوض الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يفاوض خوف مجتمعه، وانقسامات ائتلافه، واحتمال نهايته السياسية الشخصية.
وبعد اغتيال رابين، بدأت الحكومات الإسرائيلية تتغير بسرعة، وكل حكومة جديدة تعيد تفسير الاتفاق أو تبطئ تنفيذه أو تربطه بشروط أمنية إضافية، بينما كان الاستيطان يتمدد على الأرض بوتيرة مستمرة.
إيهود باراك دخل كامب ديفيد وهو يدرك أن أي تنازل كبير قد ينهي مستقبله السياسي. وإيهود أولمرت، رغم استعداده النسبي للتفاوض، كان يغرق في أزمات ائتلافية وتحقيقات داخلية جعلت أي اتفاق طويل الأمد شبه مستحيل.
وهنا بدأت المفارقة التاريخية الكبرى: هشاشة النظام السياسي الإسرائيلي لم تُضعف الثقة الفلسطينية بإسرائيل فقط، بل أضعفت أيضاً الفلسطينيين الذين راهنوا على خيار السلام نفسه.
فالفلسطيني العادي لم يرَ “سلاماً” بالمعنى الملموس؛ رأى انسحابات جزئية، وحواجز بقيت، واستيطاناً يتوسع، وجيشاً لا يزال يتحكم بالحياة اليومية. كان الفلسطينيون يوقعون الاتفاق، ثم يكتشفون أن الأرض السياسية التي يقفون عليها تتغير أسرع من الحبر على الورق.
ومع كل حكومة إسرائيلية جديدة كان الاتفاق يبدو أقل ثباتاً وأكثر هشاشة.
في هذا المناخ، بدأت الحركات الفلسطينية المناهضة لأوسلو تكبر وتكتسب شرعية أوسع. ولم يكن ذلك فقط بسبب خطابها العقائدي أو الأيديولوجي، بل لأن كثيرين شعروا أن إسرائيل لا تنفذ ما توقّعه فعلاً. وكلما تعطلت مرحلة من الاتفاق أو تبدلت حكومة إسرائيلية، كانت هذه الحركات تجد دليلاً إضافياً يدعم روايتها.
بمعنى آخر، تعثر النظام الإسرائيلي لم يضعف السلام فقط، بل ساهم بصورة غير مباشرة في تقوية القوى الفلسطينية التي عارضته منذ البداية.
ولو كان النظام السياسي الإسرائيلي أكثر استقراراً، بحكومات قادرة على الاستمرار لعقد كامل مثلاً، وتنفيذ التزامات طويلة الأمد، وإيقاف التوسع الاستيطاني ضمن رؤية واضحة، ربما كان المسار مختلفاً. فالمجتمعات لا تحكم على الاتفاقات بالنوايا، بل بالنتائج الملموسة. وربما عندها ما كانت الحركات الرافضة لأوسلو لتحصل على البيئة السياسية والنفسية التي سمحت لها بالنمو والتوسع.
لكن ما حدث كان العكس تماماً.
كل عملية عنف كانت تدفع الناخب الإسرائيلي أكثر نحو اليمين، وكل جمود سياسي كان يدفع الشارع الفلسطيني أكثر نحو القوى الرافضة للتسوية، حتى بدا الطرفان وكأنهما يدفعان بعضهما تدريجياً نحو الاستحالة.
الخوف الإسرائيلي من العنف قوّى اليمين الإسرائيلي، والجمود الإسرائيلي قوّى الحركات الفلسطينية المعارضة للتسوية، ثم استُخدمت قوة هذه الحركات داخل إسرائيل لتبرير مزيد من التشدد. وهكذا دخل الصراع في دائرة مغلقة ينتج فيها كل طرف الظروف التي تزيد خوف الطرف الآخر وتدفعه نحو مزيد من التطرف.
الفلسطينيون، من جهتهم، وجدوا أنفسهم أمام معضلة عبثية: مع من يجب التفاوض إذا كانت الحكومة قد تتغير بعد أشهر؟ وما قيمة التوقيع مع رئيس وزراء قد يسقط غداً بسبب انسحاب حزب صغير من الائتلاف؟
هكذا تحولت العملية السياسية إلى ما يشبه بناء بيت فوق الرمال. ليس لأن الاتفاقات كانت مستحيلة نظرياً، بل لأن النظام الذي يفترض أن يحميها كان عاجزاً عن توفير الاستمرارية.
هذا لا يعني أن الفلسطينيين بلا أخطاء أو مسؤوليات. الانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، والتردد الاستراتيجي في بعض اللحظات التاريخية، كلها عوامل حقيقية أثرت في المسار السياسي. لكن تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الفشل يتجاهل حقيقة أن الطرف المقابل نفسه يعيش أزمة بنيوية تمنعه من اتخاذ قرار تاريخي مستقر.
المشكلة أن العالم تعامل طويلاً مع الصراع كأنه نزاع بين طرفين متكافئين في القدرة على اتخاذ القرار، بينما الواقع أكثر تعقيداً. الفلسطينيون لم يتفاوضوا مع دولة مستقرة ذات رؤية ثابتة، بل مع نظام سياسي سريع الانقلاب على ذاته، تتحكم فيه الحسابات الانتخابية القصيرة أكثر مما تحكمه الرؤية الاستراتيجية الطويلة.
ومع مرور الوقت، بدأ سؤال جديد يطفو على السطح: إذا كان حل الدولتين غير قابل للتحقق في ظل هذه البنية الإسرائيلية، فهل يجب تغيير طبيعة المطالب الفلسطينية نفسها؟
هنا ظهر تيار فلسطيني ودولي يدعو إلى نقل النقاش من “الدولة” إلى “الحقوق”. أي من المطالبة بحدود وسيادة فقط، إلى المطالبة بالمساواة المدنية والسياسية الكاملة بين البشر الواقعين تحت السيطرة الإسرائيلية. بالنسبة لهؤلاء، فإن المعضلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل ليست فقط الاحتلال، بل التناقض المتزايد بين تعريفها لنفسها كدولة ديمقراطية وبين استمرار سيطرتها على ملايين الفلسطينيين دون مساواة كاملة.
وفي المقابل، اتجه الفلسطينيون أكثر نحو المسار القانوني الدولي، مستفيدين من مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن الضغط القانوني أقل تأثراً بتغير الحكومات الإسرائيلية. الفكرة هنا ليست أن المحاكم ستحرر الأرض مباشرة، بل أنها ترفع الكلفة السياسية والأخلاقية للاحتلال تدريجياً.
لكن حتى هذه الاستراتيجيات تبقى محدودة ما دام الانقسام الفلسطيني قائماً. فالانقسام لا يضعف فقط الموقف التفاوضي، بل يسمح لإسرائيل بتكرار الحجة الأكثر فاعلية في خطابها الدولي: “لا يوجد شريك موحد”.
وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية للصراع كله: طرف عاجز عن توحيد نفسه، وطرف عاجز عن تثبيت قراره.
ومع ذلك، فإن التاريخ نادراً ما يبقى ثابتاً. أنظمة كثيرة بدت عصية على التغيير قبل أن تنهار فجأة حين تغيرت حسابات الكلفة. جنوب أفريقيا في الثمانينيات كانت تبدو راسخة، لكن التراكم البطيء للعزلة الدولية والانقسام الداخلي والضغط الاقتصادي غيّر المعادلة خلال سنوات قليلة.
السياسة لا تتحرك فقط بالأخلاق، بل أيضاً بالكلفة. وحين يصبح استمرار الوضع القائم أكثر خطراً من تغييره، تبدأ الأنظمة بإعادة حساباتها.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: “لماذا فشل السلام؟” بل سؤال أكثر قسوة وواقعية: “هل امتلك النظام السياسي الإسرائيلي، بصيغته الحالية، القدرة أصلاً على صنع سلام قابل للحياة؟”
إلى أن تتغير هذه البنية، سيبقى الفلسطينيون يتفاوضون مع دولة تتبدل أسرع من اتفاقاتها، وسيبقى السلام في الشرق الأوسط مشروعاً مؤجلاً دائماً؛ يظهر في الصور التذكارية أكثر مما يظهر على الأرض.

