
المغرب وقوة الدولة الصاعدة: كيف تعيد المملكة رسم مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية في عالم متغير؟
مقدمة
يشهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات عميقة أعادت توزيع موازين القوة والنفوذ بين الدول. فبعد عقود هيمنت خلالها القوى الكبرى على صناعة القرار الدولي، برزت فئة جديدة من الدول تُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”القوى الوسطى” (Middle Powers)، وهي دول لا تمتلك بالضرورة الإمكانات العسكرية أو الاقتصادية للقوى العظمى، لكنها تنجح في تعظيم نفوذها من خلال توظيف موقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، وقوة مؤسساتها، ودبلوماسيتها النشطة، وقدرتها على بناء الشراكات المتعددة.
وتندرج ضمن هذه الفئة دول استطاعت أن تجعل من مواردها الاستراتيجية ومن حسن إدارتها لعلاقاتها الخارجية أدوات لتعزيز حضورها في محيطها الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، بدأ المغرب يحظى باهتمام متزايد من قبل مراكز التفكير الغربية، التي لم تعد تنظر إليه باعتباره دولة تقع على هامش التفاعلات الدولية، بل باعتباره فاعلاً إقليمياً يمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى، تؤهله للعب أدوار تتجاوز حدوده الجغرافية.
ويأتي التقرير الصادر عن مركز ستيمسون الأمريكي بتاريخ 15 مايو 2026 (يُعد Stimson Center أحد أبرز مراكز الفكر (Think Tanks) المستقلة في الولايات المتحدة، ويتخذ من العاصمة الأمريكية واشنطن مقرًا له. تأسس سنة 1989، وسُمّي نسبة إلى رجل الدولة الأمريكي Henry L. Stimson الذي شغل منصب وزير الخارجية ووزير الحرب الأمريكي.) ليكرس هذا التحول في النظرة إلى المملكة، إذ يصنف المغرب باعتباره “قوة وسطى متمرسة”، نجحت خلال العقدين الأخيرين في الجمع بين الإصلاح الاقتصادي، والاستقرار السياسي، والانفتاح الدبلوماسي، بما جعلها أحد أهم الفاعلين في شمال إفريقيا والفضاء المتوسطي والإفريقي. وتكتسب هذه القراءة أهميتها لأنها صادرة عن أحد أبرز مراكز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة، وتعكس اتجاهاً متنامياً داخل دوائر البحث وصنع القرار الغربية نحو إعادة تقييم مكانة المغرب في البيئة الدولية.
غير أن أهمية التقرير لا تكمن فقط في الإشادة بالمنجزات المغربية، وإنما في كونه يربط بين التنمية الاقتصادية والسياسة الخارجية، ويعتبر أن النفوذ الإقليمي لم يعد يقاس فقط بحجم الجيوش أو الإنفاق العسكري، بل أصبح رهيناً بقدرة الدولة على إنتاج الثروة، واستقطاب الاستثمارات، وربط المصالح الاقتصادية بالشراكات الدبلوماسية، وتوفير بيئة مستقرة تسمح بتدفق رؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج العالمية.
ومن هذا المنطلق، لم يعد المغرب يُقدَّم بوصفه دولة عبور بين أوروبا وإفريقيا، بل باعتباره منصة استراتيجية تتقاطع عندها المصالح التجارية والطاقية والأمنية للقوى الدولية. فقد استطاعت المملكة أن تحول موقعها الجغرافي من معطى طبيعي إلى أصل استراتيجي، مستثمرة إشرافها على مضيق جبل طارق، وانفتاحها على المحيط الأطلسي، وامتدادها الإفريقي، لتصبح حلقة وصل بين الأسواق الأوروبية والإفريقية والأمريكية.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية اعتمدها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، قوامها جعل الاقتصاد رافعة للدبلوماسية، وتحويل الاستثمار والبنية التحتية إلى أدوات لتعزيز المكانة الدولية للمملكة. فمن خلال تطوير الموانئ الكبرى، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، وإطلاق مشاريع صناعية ضخمة في قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة، وتوقيع عشرات اتفاقيات التجارة الحرة، نجح المغرب في إعادة تعريف دوره داخل الاقتصاد العالمي.
وفي الوقت نفسه، انتهجت الدبلوماسية المغربية سياسة تقوم على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمحور دولي واحد. فالمملكة عززت شراكاتها التقليدية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ووسعت تعاونها مع الصين، وعمقت حضورها داخل إفريقيا بعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، كما عززت علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية مع دول الخليج. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن عالم اليوم لم يعد قائماً على التحالفات الجامدة، بل على شبكات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المتداخلة.
كما شهدت قضية الصحراء المغربية تطورات مهمة عززت الحضور الدبلوماسي للمملكة، مع تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع، الأمر الذي منح السياسة الخارجية المغربية زخماً إضافياً، ورسخ صورة المملكة باعتبارها شريكاً للاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
ومع ذلك، فإن مسار الصعود المغربي لا يخلو من تحديات حقيقية. فندرة الموارد المائية، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، واستمرار التوترات الإقليمية، تمثل جميعها اختبارات لقدرة المملكة على الحفاظ على وتيرة الإصلاح وتحويل الإنجازات الاقتصادية إلى تنمية شاملة ومستدامة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يسعى هذا المقال إلى تحليل الكيفية التي استطاع بها المغرب الانتقال من دولة تؤدي أدواراً تقليدية في محيطها الإقليمي إلى قوة وسطى صاعدة، من خلال دراسة ركائز هذا التحول الاقتصادية والدبلوماسية والجيوسياسية، واستشراف آفاقه في ظل رؤية المغرب 2035 والتحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

أولاً: التحول الاقتصادي المغربي… من اقتصاد تقليدي إلى قوة صناعية ولوجستية صاعدة
إذا كانت القوة في القرن العشرين تقاس أساساً بحجم الجيوش والقدرات العسكرية، فإن النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين بات يمنح وزناً متزايداً للقوة الاقتصادية بوصفها المصدر الأكثر استدامة للتأثير السياسي والدبلوماسي. فالدول التي تنجح في بناء اقتصاد متنوع، وجذب الاستثمارات، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها وتعزيز نفوذها الخارجي. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحول الاقتصادي الذي شهده المغرب خلال العقدين الماضيين باعتباره أحد أهم الأسس التي قامت عليها مكانته الإقليمية الجديدة.
لقد أدركت المملكة مبكراً أن الاعتماد على القطاعات التقليدية، كالزراعة والفوسفات والسياحة، لم يعد كافياً لتحقيق تنمية مستدامة في ظل اقتصاد عالمي يتجه نحو الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا والابتكار. لذلك، اعتمدت سياسة صناعية تقوم على تنويع القاعدة الإنتاجية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وربط الاقتصاد الوطني بالشبكات التجارية العالمية، وهو ما أدى إلى انتقال المغرب تدريجياً من اقتصاد يعتمد على المواد الأولية إلى اقتصاد يحقق قيمة مضافة متزايدة في قطاعات صناعية متقدمة.
ولعل أبرز تجليات هذا التحول يتمثل في صناعة السيارات، التي أصبحت إحدى قصص النجاح الاقتصادي في القارة الإفريقية. فقد استطاع المغرب، بفضل استقرار بيئته الاستثمارية، وتطوير بنيته التحتية، وتأهيل موارده البشرية، أن يتحول إلى أكبر منتج ومصدر للسيارات في إفريقيا، مستقطباً كبريات الشركات العالمية، ومؤسساً منظومة صناعية متكاملة تضم مئات الشركات العاملة في تصنيع المكونات وقطع الغيار والخدمات اللوجستية. ولم يعد دور المملكة مقتصراً على عمليات التجميع، بل أصبح يشمل مراحل متقدمة من الإنتاج، بما يعزز اندماجها في سلاسل القيمة الصناعية العالمية.
ولم يقتصر هذا النجاح على قطاع السيارات، بل امتد إلى صناعة الطيران، التي أصبحت تمثل نموذجاً آخر للتحول الهيكلي للاقتصاد المغربي. فقد تمكنت المملكة من استقطاب شركات دولية متخصصة في تصنيع مكونات الطائرات، مستفيدة من موقعها الجغرافي، واتفاقياتها التجارية، وكفاءة اليد العاملة، لتصبح هذه الصناعة أحد القطاعات الواعدة ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ويبرز في هذا السياق مفهوم “التنويع الإنتاجي”، الذي يعد أحد المؤشرات الأساسية لقياس قوة الاقتصادات الصاعدة. فكلما تنوعت القطاعات الإنتاجية وارتفعت نسبة الصناعات التحويلية والتكنولوجية، ازدادت قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الخارجية وتقلبات الأسواق الدولية. ويبدو أن المغرب نجح إلى حد بعيد في تحقيق هذا التحول، حيث لم يعد يعتمد على قطاع واحد، بل أصبح يمتلك قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً تجمع بين الصناعة والخدمات والطاقات المتجددة واللوجستيك والفلاحة الحديثة.
أـ ميناء طنجة المتوسط… عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية
لا يمكن الحديث عن التحول الاقتصادي المغربي دون التوقف عند ميناء طنجة المتوسط، الذي يمثل أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي غيرت مكانة المملكة داخل الاقتصاد العالمي. فهذا الميناء لم يعد مجرد منشأة بحرية لتبادل السلع، بل تحول إلى منصة لوجستية عالمية تربط أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، وإلى مركز جذب للاستثمارات الصناعية التي تبحث عن موقع يجمع بين القرب من الأسواق الأوروبية والتكلفة التنافسية والاستقرار السياسي.
وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه جسد رؤية استراتيجية تقوم على تحويل الموقع الجغرافي إلى مورد اقتصادي دائم. فبدلاً من الاكتفاء بالاستفادة الطبيعية من قرب المغرب من مضيق جبل طارق، جرى الاستثمار في بنية تحتية متطورة جعلت من المملكة عقدة رئيسية في حركة التجارة العالمية. وهذا ما يفسر تنامي حضور الشركات الدولية في المناطق الصناعية المحيطة بالميناء، حيث أصبحت تستفيد من منظومة متكاملة تشمل النقل البحري، والمناطق الحرة، والخدمات اللوجستية، وسهولة الولوج إلى الأسواق العالمية.
وتشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي تنجح في بناء مراكز لوجستية كبرى تحقق مكاسب تتجاوز الإيرادات المباشرة للموانئ، إذ تتحول هذه المراكز إلى محركات للتصنيع، والتصدير، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. ومن هذا المنظور، أصبح ميناء طنجة المتوسط أحد أهم أدوات القوة الاقتصادية المغربية، وعنصراً أساسياً في إعادة رسم الخريطة اللوجستية لمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.
بـ ـ الاقتصاد الأخضر… استثمار في المستقبل
من أبرز ما يميز التجربة المغربية أيضاً إدراكها المبكر للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي في مجال الطاقة. ففي وقت بدأت فيه الاقتصادات الكبرى تتجه نحو خفض الانبعاثات الكربونية والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، اختار المغرب أن يجعل من الانتقال الطاقي خياراً استراتيجياً، لا مجرد استجابة لاعتبارات بيئية.
وقد استثمرت المملكة بشكل مكثف في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب تطوير صناعات مرتبطة بالبطاريات والمعادن الضرورية للتحول الطاقي العالمي. وتمنح هذه السياسة المغرب فرصة للتموقع ضمن الاقتصادات التي ستستفيد من الثورة الصناعية الخضراء، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد على المعادن الاستراتيجية ومكونات السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر.
ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على تحقيق الأمن الطاقي وتقليص فاتورة الواردات، بل تمتد إلى تعزيز جاذبية المغرب لدى المستثمرين الدوليين، الذين أصبحوا يولون اهتماماً متزايداً للدول القادرة على توفير طاقة نظيفة ومنخفضة الكلفة، بما يتوافق مع المعايير البيئية الجديدة للأسواق العالمية.
ج ـ النموذج التنموي الجديد… اقتصاد في خدمة التنمية
يشكل النموذج التنموي الجديد الإطار الاستراتيجي الذي يوجه الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب حتى عام 2035. ولا يقتصر هذا النموذج على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية وشمولاً وعدالة، من خلال تحسين جودة التعليم، وتأهيل الرأسمال البشري، وتعزيز الابتكار، وتقوية الحكامة، وتوسيع دور القطاع الخاص.
وتعكس هذه الرؤية تحولاً في فلسفة التنمية بالمغرب، إذ لم يعد النمو الاقتصادي غاية في حد ذاته، بل أصبح وسيلة لتحسين جودة الحياة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما تراهن المملكة على تعزيز الجهوية المتقدمة، بما يسمح بتوزيع أكثر توازناً للاستثمارات والفرص الاقتصادية، ويحد من التفاوتات بين مختلف الجهات.
دـ الاقتصاد والدبلوماسية… علاقة تكاملية
أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من التجربة المغربية هو أن الاقتصاد لم يعد منفصلاً عن السياسة الخارجية، بل أصبح أحد أهم أدواتها. فكلما توسعت الاستثمارات المغربية في إفريقيا، وارتفعت المبادلات التجارية مع أوروبا وأمريكا وآسيا، ازدادت قدرة الدبلوماسية المغربية على بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة.
ومن ثم، فإن التحول الاقتصادي الذي يشهده المغرب لا يمثل مجرد نجاح تنموي داخلي، بل يشكل قاعدة صلبة لتعزيز مكانة المملكة في محيطها الإقليمي والدولي. فالقوة الاقتصادية اليوم أصبحت أحد أهم مصادر النفوذ، والمغرب يبدو واعياً بأن الحفاظ على هذا المسار يتطلب استمرار الإصلاح، وتطوير الابتكار، ورفع الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في مواجهة التحولات المتسارعة للاقتصاد العالمي
ثانياً: الجغرافيا السياسية للمغرب… عندما تتحول الجغرافيا إلى مصدر للقوة والنفوذ
لطالما اعتُبرت الجغرافيا أحد المحددات الأساسية لقوة الدول، غير أن التجارب التاريخية أثبتت أن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول إلى عنصر قوة مؤثر إلا إذا اقترن برؤية سياسية واستراتيجية قادرة على استثماره. فالجغرافيا تمنح الفرص، لكنها لا تصنع النفوذ تلقائياً؛ إذ يبقى العامل الحاسم هو قدرة الدولة على تحويل موقعها إلى مورد اقتصادي وأداة دبلوماسية ومجال للتأثير الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، تبدو التجربة المغربية نموذجاً واضحاً لدولة استطاعت أن تنتقل من مجرد الاستفادة من موقعها الجغرافي إلى توظيفه ضمن مشروع استراتيجي متكامل. فالمغرب لا يقع فقط عند بوابة أوروبا وإفريقيا، بل يشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق جبل طارق، الذي تعبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، كما يمتد على واجهتين بحريتين؛ المتوسط شمالاً والمحيط الأطلسي غرباً، وهو ما يمنحه عمقاً استراتيجياً لا يتوافر لكثير من الدول.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الموقع لم تظهر إلا عندما تبنت المملكة سياسة تقوم على تحويل الجغرافيا إلى عنصر إنتاج للقوة الاقتصادية والدبلوماسية، من خلال الاستثمار في الموانئ، وشبكات النقل، والمناطق الصناعية، وربطها باستراتيجية الانفتاح التجاري والشراكات الدولية. وبذلك، لم تعد الجغرافيا المغربية مجرد معطى ثابت، بل أصبحت جزءاً من مشروع تنموي ودبلوماسي يعيد تشكيل موقع المملكة داخل التوازنات الإقليمية والدولية.
ا ـ من الجيوبوليتيك إلى الجيو-اقتصاد
شهدت العقود الأخيرة انتقالاً ملحوظاً في طبيعة التنافس الدولي، حيث تراجع الاعتماد على القوة العسكرية بوصفها الأداة الوحيدة لتحقيق النفوذ، مقابل صعود أدوات الجيو-اقتصاد، التي تقوم على استخدام التجارة، والاستثمار، والطاقة، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد العالمية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول.
وفي هذا السياق، تبدو السياسة المغربية مثالاً على هذا التحول؛ إذ اختارت المملكة أن تجعل من الاقتصاد ركيزة أساسية لسياستها الخارجية. فبدلاً من الدخول في سباقات استنزاف جيوسياسية، ركزت على بناء منظومة لوجستية وصناعية تجعل من المغرب شريكاً لا يمكن تجاوزه بالنسبة إلى القوى الاقتصادية الكبرى.
ويفسر هذا التوجه الإقبال المتزايد للشركات العالمية على الاستثمار في المغرب، ليس فقط بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما أيضاً بسبب الاستقرار السياسي، واتفاقيات التجارة الحرة، وسهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية والأمريكية، وهي عناصر جعلت من المملكة منصة إنتاج وتصدير أكثر منها مجرد سوق استهلاكية.
ب ـ الأطلسي… الفضاء الاستراتيجي الجديد للمغرب
من أبرز التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة انتقال الاهتمام من المجال المتوسطي وحده إلى الفضاء الأطلسي، في إدراك واضح للتحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، حيث أصبح المحيط الأطلسي يشكل أحد أهم مسارح التجارة والطاقة والاستثمار.
وفي هذا الإطار، تندرج المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي، باعتبارها مشروعاً يتجاوز البعد اللوجستي إلى إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية داخل غرب إفريقيا. فالمبادرة لا تقتصر على توفير منفذ بحري للدول غير الساحلية، بل تقوم على خلق فضاء اقتصادي جديد يربط منطقة الساحل بالاقتصاد العالمي عبر البنية التحتية والموانئ المغربية.
ويحمل هذا المشروع دلالات استراتيجية عميقة؛ إذ يعزز مكانة المغرب بوصفه جسراً بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، ويمنحه دوراً محورياً في دعم التنمية الاقتصادية لدول الساحل، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي والحد من الهجرة غير النظامية وتعزيز الأمن الاقتصادي.
كما أن هذه الرؤية تنسجم مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث أصبحت مشاريع الربط الإقليمي والممرات الاقتصادية من أهم أدوات النفوذ، وهو ما يجعل المبادرة الأطلسية جزءاً من استراتيجية مغربية أوسع تهدف إلى بناء شبكة من المصالح المشتركة مع الدول الإفريقية، عوض الاكتفاء بالعلاقات الدبلوماسية التقليدية.
ج ـ إفريقيا… من الامتداد الجغرافي إلى العمق الاستراتيجي
أحد أبرز التحولات في السياسة الخارجية المغربية يتمثل في إعادة تعريف العلاقة مع إفريقيا جنوب الصحراء. فبعد عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي، لم تعد القارة تُنظر إليها باعتبارها مجالاً للتضامن السياسي فقط، بل أصبحت فضاءً للاستثمار والشراكة والتنمية المشتركة.
وقد تجسد ذلك في توسع حضور المؤسسات البنكية وشركات التأمين والاتصالات والأسمدة والبناء المغربية في العديد من الدول الإفريقية، إلى جانب إطلاق مشاريع في مجالات الطاقة والزراعة والتكوين المهني والبنية التحتية. وأدى هذا الحضور الاقتصادي إلى تعزيز الثقة السياسية، ورسخ صورة المغرب كشريك للتنمية، وليس مجرد فاعل يبحث عن النفوذ.
وتكشف هذه السياسة عن تحول مهم في مفهوم القوة؛ فالمغرب لم يعتمد على أدوات الضغط التقليدية، بل على ما يمكن تسميته بـ”القوة التنموية”، أي بناء النفوذ عبر الاستثمار ونقل الخبرات وتطوير المصالح الاقتصادية المشتركة.
د ـ الدبلوماسية الاقتصادية… نموذج جديد لإدارة العلاقات الخارجية
إن القراءة المتأنية للسياسة الخارجية المغربية تكشف أنها انتقلت من الدبلوماسية التقليدية القائمة على إدارة الملفات السياسية إلى دبلوماسية اقتصادية تجعل الاستثمار والتجارة والتعاون التنموي في صلب العلاقات الدولية.
فكل مشروع اقتصادي كبير، وكل اتفاقية تجارة حرة، وكل استثمار في البنية التحتية، يتحول إلى أداة لتعزيز الحضور المغربي، وبناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة. وهذه المقاربة تفسر نجاح المملكة في نسج علاقات متوازنة مع شركاء مختلفين، من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى الصين ودول الخليج وإفريقيا.
وتبرز هنا إحدى أهم خصائص السياسة الخارجية المغربية، وهي المرونة الاستراتيجية؛ إذ تحرص المملكة على تنويع شراكاتها بما يحفظ استقلالية قرارها ويجنبها الارتهان لأي محور دولي. وهذه المرونة أصبحت عاملاً أساسياً في تعزيز قدرتها على التكيف مع التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
هـ ـ القوة الناعمة وبناء المكانة الدولية
لا تقتصر القوة المغربية على الاقتصاد والجغرافيا، بل تمتد إلى عناصر القوة الناعمة، المتمثلة في الاستقرار السياسي، والإصلاحات المؤسساتية، والدور الديني المعتدل، والحضور الثقافي، والقدرة على الوساطة وبناء الثقة مع مختلف الشركاء.
ففي عالم تتزايد فيه أهمية الصورة الدولية للدول، أصبحت هذه العناصر مكملة للقوة الاقتصادية والعسكرية، وأسهمت في تعزيز مكانة المغرب بوصفه شريكاً موثوقاً في ملفات الأمن والهجرة والتنمية والطاقة، سواء بالنسبة إلى أوروبا أو إفريقيا أو الولايات المتحدة.
ومن ثم، فإن ما يميز التجربة المغربية هو نجاحها في الجمع بين الجغرافيا، والاقتصاد، والدبلوماسية، والقوة الناعمة ضمن رؤية استراتيجية واحدة. وهذا التكامل هو الذي يفسر تزايد الاهتمام الدولي بالمملكة، وتحولها إلى فاعل إقليمي قادر على التأثير في محيطه، لا مجرد دولة تتأثر بما يجري حولها.

ثالثاً: الدبلوماسية المغربية وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية
أصبح من المسلّم به في أدبيات العلاقات الدولية أن النفوذ الخارجي للدول لم يعد رهيناً بحجم قدراتها العسكرية وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها الاقتصادية، واستقرارها السياسي، وشبكة تحالفاتها إلى أدوات لإنتاج التأثير في البيئة الدولية. وفي هذا السياق، تمثل التجربة المغربية نموذجاً لدبلوماسية أعادت تعريف أولوياتها، فانتقلت من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الفرص، ومن ردود الفعل إلى المبادرة الاستراتيجية.
لقد أدرك المغرب أن البيئة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة، ثم بعد الأزمات المتلاحقة التي عرفها العالم، لم تعد تسمح بالاعتماد على تحالف واحد أو شريك وحيد. فصعود الصين، وعودة التنافس بين القوى الكبرى، وتنامي أهمية إفريقيا، والاضطرابات التي عرفتها منطقة الساحل، جميعها فرضت على الدول المتوسطة الحجم انتهاج سياسات أكثر مرونة وقدرة على التكيف. ومن هنا، تبنت المملكة سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات، بما يضمن استقلالية القرار الوطني ويمنحها هامشاً أوسع للمناورة في بيئة دولية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.
ا ـ تنويع الشراكات… ركيزة للاستقلال الاستراتيجي
تقوم الدبلوماسية المغربية على مبدأ مفاده أن الشراكات ليست تحالفات مغلقة، بل شبكات مصالح متداخلة. ولذلك، حافظ المغرب على عمق علاقاته التاريخية مع الاتحاد الأوروبي، بوصفه الشريك التجاري والاستثماري الأول، وفي الوقت ذاته عمل على توطيد شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتوسيع آفاق التعاون مع الصين، وتعزيز علاقاته الاقتصادية والاستثمارية مع دول الخليج، إلى جانب ترسيخ حضوره داخل القارة الإفريقية.
ويعكس هذا النهج ما يصفه عدد من الباحثين بـ”التوازن الاستراتيجي”، أي القدرة على بناء علاقات متوازنة مع قوى دولية مختلفة دون الوقوع في دائرة الاستقطاب أو الارتهان لمحور بعينه. وقد منح هذا الخيار للمغرب مرونة كبيرة في إدارة مصالحه الوطنية، خاصة في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
بـ ـ الصحراء المغربية… من ملف نزاع إلى رافعة دبلوماسية
يمثل ملف الصحراء المغربية أحد أبرز محددات السياسة الخارجية للمملكة، ليس فقط لارتباطه بالوحدة الترابية، بل لأنه أصبح معياراً تقاس به طبيعة العلاقات التي يقيمها المغرب مع شركائه الدوليين.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد هذا الملف تحولات لافتة، تمثلت في اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع، إضافة إلى افتتاح عدد من الدول قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما عكس تطوراً في المقاربة الدولية لهذا الملف.
ولم يكن هذا التحول وليد ظرف سياسي عابر، بل جاء نتيجة عمل دبلوماسي طويل الأمد، اعتمد على توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية، وتعزيز الثقة مع القوى الدولية، وإبراز دور المغرب باعتباره شريكاً للاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
ومن منظور العلاقات الدولية، يمكن القول إن المغرب نجح في نقل قضية الصحراء من إطارها القانوني والسياسي الضيق إلى إطار أوسع يرتبط بالأمن الإقليمي والتنمية والاستقرار، وهو ما منح الدبلوماسية المغربية أدوات إضافية لتعزيز موقفها داخل المؤسسات الدولية.
ج ـ إفريقيا… من التضامن السياسي إلى الشراكة التنموية
شكّلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي محطة مفصلية في إعادة توجيه سياسته الخارجية نحو القارة. غير أن أهمية هذه العودة لا تكمن في بعدها المؤسساتي فحسب، وإنما في كونها جاءت ضمن رؤية استراتيجية تعتبر إفريقيا فضاءً للنمو المشترك، وليس مجرد مجال للمنافسة الدبلوماسية.
وقد تُرجمت هذه الرؤية عبر توسع الاستثمارات المغربية في قطاعات البنوك، والاتصالات، والأسمدة، والطاقة، والعقار، والتأمين، إضافة إلى إطلاق مشاريع للتكوين المهني ونقل الخبرات التقنية. وبهذا، أصبح الحضور المغربي في إفريقيا قائماً على منطق الشراكة والتنمية، وهو ما عزز صورة المملكة كشريك موثوق يسعى إلى بناء مصالح متبادلة، بدلاً من تكريس علاقات التبعية.
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع رهانات التنمية. فالمغرب يدرك أن تحقيق الاستقرار في محيطه الجنوبي لا يمكن أن يتحقق عبر المقاربة الأمنية وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى مشاريع اقتصادية وبنى تحتية تخلق فرصاً للنمو والاندماج الإقليمي.
دـ العلاقات مع القوى الكبرى… براغماتية في خدمة المصالح الوطنية
تميزت السياسة الخارجية المغربية بقدرتها على إدارة علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة. ففي الوقت الذي حافظت فيه المملكة على شراكة استراتيجية متينة مع الولايات المتحدة، واصلت تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، وانفتحت على الصين في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والصناعة، كما عززت تعاونها مع دول الخليج في مجالات الاستثمار والطاقة والأمن الغذائي.
ولا يعكس هذا التنوع غياب بوصلة استراتيجية، بل يجسد إدراكاً لطبيعة النظام الدولي المعاصر، الذي يقوم على تشابك المصالح الاقتصادية أكثر مما يقوم على التحالفات الصلبة. ولذلك، حرص المغرب على ألا تتحول أي علاقة ثنائية إلى مصدر تبعية، بل إلى ركيزة ضمن شبكة واسعة من الشراكات المتكاملة.
هـ ـ العلاقات المغربية الجزائرية… بين التنافس وإمكانات التكامل
لا يمكن فهم البيئة الاستراتيجية للمغرب دون التوقف عند طبيعة علاقته بالجزائر، التي تُعد أحد أبرز عناصر التأثير في معادلات شمال إفريقيا. فمنذ عقود، ألقت الخلافات المرتبطة بقضية الصحراء بظلالها على العلاقات الثنائية، وأثرت في فرص بناء اتحاد مغاربي قادر على استثمار الإمكانات الاقتصادية والبشرية التي تزخر بها المنطقة.
وقد أدى استمرار التوتر السياسي وإغلاق الحدود البرية وتعليق قنوات الحوار إلى إضعاف فرص التكامل الاقتصادي المغاربي، رغم ما تشير إليه العديد من الدراسات من أن التعاون بين البلدين يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار وربط الأسواق.
وفي المقابل، يواصل المغرب التأكيد في خطاباته الرسمية على أهمية الحوار وإحياء التعاون المغاربي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن استقرار المنطقة وتنميتها يقتضيان تجاوز الخلافات وبناء فضاء إقليمي قائم على المصالح المشتركة. ويعكس هذا الموقف رؤية استراتيجية تعتبر أن التنافس لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة دائمة، وأن المستقبل الاقتصادي لشمال إفريقيا يظل رهيناً بقدرة دوله على بناء صيغ جديدة للتعاون.
و ـ المغرب كقوة وسطى في النظام الدولي
تتلاقى مختلف هذه العناصر لتفسر لماذا بدأت مراكز الدراسات الدولية تصنف المغرب ضمن فئة “القوى الوسطى”. فالمملكة لا تستند في حضورها الدولي إلى القوة العسكرية وحدها، ولا إلى حجمها الديمغرافي، وإنما إلى مزيج من الاستقرار السياسي، والاقتصاد المنفتح، والدبلوماسية البراغماتية، والبنية التحتية المتطورة، والقدرة على بناء الشراكات.
ومن ثم، فإن صعود المغرب لا يعكس مجرد تحسن في مؤشرات الاقتصاد أو توسع في شبكة العلاقات الخارجية، بل يمثل تحولاً في طبيعة الدور الذي باتت المملكة تؤديه داخل محيطها الإقليمي. فهي لم تعد تكتفي بالتفاعل مع التحولات الدولية، بل أصبحت تسعى إلى المساهمة في صياغة بعض معادلاتها، سواء عبر المبادرات التنموية في إفريقيا، أو من خلال تعزيز الفضاء الأطلسي، أو عبر ترسيخ نموذج للتعاون يقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي.
رابعاً: تحديات صعود المغرب… بين رهانات التنمية واستحقاقات القوة الإقليمية
رغم المؤشرات الإيجابية التي أبرزتها العديد من التقارير الدولية بشأن التحول الذي يشهده المغرب، فإن الانتقال إلى مصاف القوى الإقليمية الصاعدة لا يرتبط فقط بتحقيق معدلات نمو مرتفعة أو توسيع شبكة الشراكات الدولية، بل يظل رهيناً بقدرة الدولة على معالجة اختلالاتها البنيوية، وتحويل الإنجازات الاقتصادية إلى تنمية شاملة ومستدامة. فالتجارب المقارنة تؤكد أن صعود الدول لا يقاس بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى وحدها، وإنما بمدى قدرتها على بناء اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات فعالة، ومجتمع يتمتع بدرجة عالية من التماسك والاندماج.
وفي الحالة المغربية، تبدو التحديات المطروحة متعددة الأبعاد؛ إذ تتداخل الإكراهات الاقتصادية مع الضغوط المناخية، وتتقاطع رهانات التنمية الاجتماعية مع التحولات الجيوسياسية والإقليمية، الأمر الذي يجعل الحفاظ على دينامية الإصلاح مسؤولية مستمرة وليست إنجازاً نهائياً.
أـ الإجهاد المائي… التحدي الاستراتيجي الأكبر
تُعد ندرة المياه من أخطر التحديات التي تواجه المغرب خلال العقود المقبلة، ليس فقط بسبب توالي سنوات الجفاف، وإنما نتيجة التغيرات المناخية التي أعادت تشكيل الأنماط المطرية في منطقة شمال إفريقيا. وقد أدى تراجع الموارد المائية إلى ضغوط متزايدة على القطاع الفلاحي، الذي لا يزال يمثل أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً لفرص الشغل في العالم القروي.
وتتجاوز آثار هذه الأزمة المجال الزراعي لتشمل الأمن الغذائي، والإنتاج الصناعي، والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل السياسة المائية جزءاً من الأمن القومي للدولة. ومن هنا، كثف المغرب استثماراته في بناء السدود، ومحطات تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وربط الأحواض المائية، في إطار رؤية ترمي إلى الانتقال من إدارة ندرة المياه إلى تدبيرها بصورة أكثر استدامة.
غير أن نجاح هذه السياسة سيظل رهيناً بتسريع وتيرة الإصلاحات، وتحديث أساليب تدبير الموارد المائية، وترشيد الاستهلاك، خاصة في القطاعات الأكثر استهلاكاً للمياه.
ب ـ التشغيل والرأسمال البشري
يمثل التشغيل أحد أبرز الاختبارات أمام النموذج التنموي المغربي. فرغم توسع القاعدة الصناعية وارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية، لا تزال معدلات البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، تشكل تحدياً يستدعي حلولاً هيكلية تتجاوز المعالجات الظرفية.
ويكشف هذا الواقع عن وجود فجوة بين مخرجات منظومة التعليم واحتياجات سوق العمل، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في سياسات التكوين المهني والتعليم العالي، وتعزيز المهارات الرقمية والتقنية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، بما يسمح بإعداد كفاءات قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
فالدول التي تنافس في الصناعات المتقدمة لا تعتمد على انخفاض تكلفة اليد العاملة فحسب، بل على جودة الرأسمال البشري، وقدرته على الإبداع والبحث والتطوير. ومن ثم، فإن الاستثمار في الإنسان سيظل الشرط الأساسي لترسيخ المكانة الاقتصادية التي يسعى إليها المغرب.
ج ـ الاقتصاد غير المهيكل وإصلاح الإدارة
على الرغم من التقدم الذي أحرزه المغرب في تحسين مناخ الأعمال، فإن الاقتصاد غير المهيكل لا يزال يستحوذ على نسبة مهمة من الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يحد من الموارد الجبائية، ويؤثر في الإنتاجية، ويكرس أوضاعاً هشة لفئات واسعة من العاملين.
ولا يرتبط هذا التحدي فقط بالإجراءات القانونية أو الضريبية، بل يتطلب مواصلة إصلاح الإدارة، وتبسيط المساطر، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، بما يشجع على إدماج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد الرسمي.
كما أن تحسين الحكامة، وتعزيز الشفافية، والرفع من فعالية المؤسسات العمومية، تظل عناصر أساسية لضمان استدامة النمو، والحفاظ على ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
دـ العدالة المجالية والتنمية المتوازنة
أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة يتمثل في تقليص الفوارق بين الجهات، وضمان استفادة مختلف مناطق المملكة من ثمار النمو الاقتصادي. فالمشاريع الصناعية الكبرى والموانئ والبنيات التحتية المتطورة حققت مكاسب واضحة، إلا أن تحقيق التنمية المستدامة يقتضي توزيعاً أكثر توازناً للاستثمارات والخدمات وفرص العمل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مشروع الجهوية المتقدمة باعتباره آلية لتعزيز التنمية الترابية، وتمكين الجهات من لعب دور أكبر في التخطيط والاستثمار وتدبير الموارد المحلية، بما يحقق تنمية أكثر شمولاً ويعزز التماسك الوطني.
خامساً: التنافس الجيوسياسي ومتطلبات الحفاظ على التوازن
يتحرك المغرب في بيئة إقليمية ودولية تتسم بقدر كبير من التعقيد، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى في إفريقيا والفضاء الأطلسي والمتوسط، وتتزايد حدة المنافسة على الأسواق، والطاقة، والممرات البحرية، والمعادن الاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه، ما تزال منطقة الساحل تواجه تحديات أمنية متزايدة، بينما يستمر الجمود في مشروع الاتحاد المغاربي، الأمر الذي يفرض على المملكة مواصلة اتباع سياسة خارجية مرنة تحافظ على تنوع الشراكات، وتوازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية.
ويبدو أن نجاح المغرب خلال السنوات الماضية في تجنب سياسة المحاور والانفتاح على شركاء متعددين يمثل أحد أهم عناصر قوته، غير أن الحفاظ على هذه المرونة سيصبح أكثر تعقيداً كلما اشتدت المنافسة بين القوى الكبرى.
من الإنجاز إلى الاستدامة
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب لم يعد يتمثل في إطلاق المشاريع الكبرى أو جذب الاستثمارات فحسب، بل في ضمان استدامة النتائج وتحويلها إلى مكاسب هيكلية طويلة الأمد. فالدول الصاعدة لا تُقاس فقط بسرعة نموها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على هذا النمو، وتعزيز قدراتها التنافسية، ورفع جودة مؤسساتها، وتحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
ومن هذا المنظور، تبدو رؤية المغرب حتى عام 2035 أكثر من مجرد برنامج اقتصادي؛ فهي مشروع لإعادة بناء نموذج التنمية على أسس أكثر استدامة، بما يجعل المملكة قادرة على مواجهة التحولات العالمية، وترسيخ مكانتها كقوة إقليمية تمتلك مقومات الاستمرار، لا مجرد مؤشرات ظرفية للنجاح.
خاتمة: المغرب بين منطق الدولة الصاعدة واستحقاقات ترسيخ القوة الإقليمية
تكشف القراءة المتأنية للتحولات التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين أن المملكة لم تعد تُقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي أو بحجم المشاريع الكبرى التي أطلقتها، وإنما بقدرتها على بناء نموذج متكامل يجمع بين التنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، والانفتاح الدبلوماسي، والاستثمار في البنية التحتية، بما عزز مكانتها داخل محيطها الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، فإن تصنيف بعض مراكز الفكر الدولية للمغرب ضمن فئة “القوى الوسطى” لا يمثل توصيفًا إعلاميًا عابرًا، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المملكة أصبحت تمتلك عدداً من المقومات التي تؤهلها للقيام بأدوار تتجاوز حدودها الجغرافية.
لقد أظهر التحليل أن أحد أهم عناصر القوة المغربية يكمن في قدرة الدولة على توظيف الجغرافيا ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالموقع المطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي لم يعد مجرد ميزة طبيعية، بل تحول إلى رافعة اقتصادية وجيوسياسية عبر تطوير البنية اللوجستية، وتعزيز الربط التجاري، وتوسيع الانفتاح على إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين. كما نجح المغرب في بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعًا، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وجعل الاقتصاد أحد أهم أدوات سياسته الخارجية.
وفي الوقت ذاته، أظهرت الدبلوماسية المغربية قدرة لافتة على التكيف مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي، من خلال اعتماد سياسة تقوم على تنويع الشراكات، وعدم الارتهان لمحور واحد، وبناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة مع القوى الدولية والإقليمية. وقد ساهم هذا النهج في تعزيز موقع المملكة بوصفها شريكًا موثوقًا في مجالات الأمن، والطاقة، والاستثمار، والهجرة، والتنمية، كما انعكس على تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارًا جادًا وواقعيًا لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية.
غير أن التجارب المقارنة للدول الصاعدة تؤكد أن الحفاظ على المكانة الدولية لا يقل صعوبة عن الوصول إليها. فاستدامة الصعود المغربي ستظل رهينة بقدرته على مواجهة تحديات ندرة المياه، ورفع معدلات التشغيل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتعزيز الإنتاجية، وتقليص الفوارق المجالية، وتسريع الإصلاحات الإدارية والمؤسساتية. كما أن استمرار التحولات الجيوسياسية، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا والمحيط الأطلسي، يفرضان على المملكة مواصلة تطوير أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية للحفاظ على هامش استقلالية قرارها الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، تبدو رؤية المغرب 2035 أكثر من مجرد برنامج للتنمية الاقتصادية؛ فهي مشروع لإعادة تموضع الدولة داخل الاقتصاد العالمي وفي البيئة الإقليمية، عبر الانتقال من منطق الاقتصاد التابع إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وابتكارًا، ومن الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية المبادرة وصناعة الشراكات، ومن استثمار الموقع الجغرافي إلى توظيفه في بناء نفوذ اقتصادي وسياسي مستدام.
ومن ثم، يمكن القول إن صعود المغرب لا يمثل ظاهرة ظرفية ارتبطت بمتغيرات إقليمية أو دولية عابرة، بل يعكس تحولًا بنيويًا في فلسفة الدولة وآليات اشتغالها. فقد انتقلت المملكة تدريجيًا من الاكتفاء بإدارة موقعها الجغرافي إلى صناعة قيمة استراتيجية انطلاقًا من هذا الموقع، ومن توظيف مواردها التقليدية إلى الاستثمار في الاقتصاد الصناعي والطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية، ومن الدبلوماسية الدفاعية إلى دبلوماسية المبادرة وبناء التحالفات متعددة الأبعاد.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة المغرب على تحويل الإنجازات الحالية إلى مكتسبات مؤسساتية مستدامة، قادرة على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية والضغوط المناخية والتحولات الجيوسياسية. فالقوة الإقليمية في القرن الحادي والعشرين لا تُبنى فقط بالموانئ والمصانع والاتفاقيات، وإنما أيضًا بجودة المؤسسات، وكفاءة الرأسمال البشري، والقدرة على الابتكار، وتوسيع قاعدة المشاركة في التنمية.
وبناءً على ذلك، يمكن استخلاص أن المغرب يمتلك اليوم معظم المقومات التي تؤهله لترسيخ مكانته كقوة إقليمية صاعدة في شمال إفريقيا والفضاء الأطلسي والإفريقي. غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينًا باستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وترسيخ نموذج تنموي قادر على الجمع بين النمو الاقتصادي والاستدامة والاندماج الاجتماعي. وإذا نجح في ذلك، فإن المملكة لن تكون مجرد فاعل إقليمي مؤثر، بل مرشحة لأن تصبح إحدى أبرز القوى الوسطى في الضفة الجنوبية للمتوسط، وأن تضطلع بدور متزايد في صياغة التوازنات الاقتصادية والسياسية في محيطها الإقليمي خلال العقود المقبلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع:
أولاً: المراجع العربية
- محمد السادس. (2021). النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع. الرباط: اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي.
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. (2024). التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. الرباط.
- بنك المغرب. (2025). التقرير السنوي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية. الرباط.
- المندوبية السامية للتخطيط. (2025). المغرب بالأرقام. الرباط.
- وزارة الاقتصاد والمالية. (2025). التقرير الاقتصادي والمالي المرافق لمشروع قانون المالية. الرباط.
- المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية. (2023). السياسة الخارجية المغربية وتحولات البيئة الإقليمية. الرباط.
ثانياً: المراجع الأجنبية
- Robert O. Keohane. (1969). Lilliputians’ Dilemmas: Small States in International Politics. International Organization, 23(2), 291–310.
- Andrew F. Cooper. (1997). Niche Diplomacy: Middle Powers after the Cold War. London: Macmillan Press.
- Andrew F. Cooper, Richard A. Higgott, & Kim Richard Nossal. (1993). Relocating Middle Powers: Australia and Canada in a Changing World Order. Vancouver: UBC Press.
- John J. Mearsheimer. (2014). The Tragedy of Great Power Politics (Updated ed.). New York: W. W. Norton.
- Joseph S. Nye Jr.. (2004). Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: PublicAffairs.
- Joseph S. Nye Jr.. (2011). The Future of Power. New York: PublicAffairs.
- Parag Khanna. (2016). Connectography: Mapping the Future of Global Civilization. New York: Random House.
- Robert D. Kaplan. (2012). The Revenge of Geography. New York: Random House.
- Edward N. Luttwak. (1990). From Geopolitics to Geo-Economics. The National Interest, 20, 17–23.
- Halford J. Mackinder. (1904). The Geographical Pivot of History. The Geographical Journal, 23(4), 421–437.
- Nicholas J. Spykman. (1942). America’s Strategy in World Politics. New York: Harcourt, Brace.
ثالثاً: تقارير دولية ومحلية
- World Bank. (2025). Morocco Economic Monitor. Washington, DC.
- International Monetary Fund. (2025). Morocco: Article IV Consultation. Washington, DC.
- African Development Bank. (2025). African Economic Outlook. Abidjan.
- Organisation for Economic Co-operation and Development. (2025). OECD Economic Surveys: Morocco. Paris.
- United Nations Conference on Trade and Development. (2025). World Investment Report. Geneva.
- World Economic Forum. (2024). Global Competitiveness Report. Geneva.
- United Nations Development Programme. (2025). Human Development Report. New York.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- Stimson Center. (2026). Morocco’s Strategic Transformation: Economy, Diplomacy and Regional Influence. Washington, DC.
- Policy Center for the New South. (2023). Morocco’s Atlantic Vision and African Integration. Rabat.
- Policy Center for the New South. (2024). Morocco’s Economic Diplomacy in Africa. Rabat.
- European Council on Foreign Relations. (2024). Morocco and Europe’s Southern Neighborhood. London.
- Chatham House. (2023). Morocco’s Strategic Position in North Africa. London.
- Atlantic Council. (2024). Morocco as a Strategic Gateway to Africa. Washington, DC.




