
السعودية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثي
يتوسط مضيق باب المندب القارات الخمس، وهو يصل البحر الأحمر بخليج عدن، وبحر العرب، والمحيط الهندي، ويتصل بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، زادت أهمية المضيق بعد افتتاح القناة عام 1869، ويعتبر باب المندب قلب مشروع الحزام والطريق الصيني الذي أطلق في عام 2013، نظرا لأهمية موقعه، وامتلاكه عددا من الموانئ، والجزر المتناثرة التي يبلغ عددها نحو 130 جزيرة، ومينائي عدن والمخا اللذين يتوسطان المضيق، بجانب جزيرة بريم التي تتوسط المضيق.
ترتبط حركة التجارة العالمية ارتباطا قويا باستقرار مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهو المعبر الأساسي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، زادت أهميته اتصاله بالجزيرة العربية الغنية بالنفط، جعلته منطقة جذب وتنافس إقليمي ودولي جيوستراتيجي للسيطرة على المضيق والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، تتصارع الدول للحصول على موقع استراتيجي فيه، لتحقيق مصالح اقتصادية فتم عسكرة المضيق عبر إقامة نحو 9 قواعد عسكرية في جيبوتي وفي دول القرن الأفريقي في الصومال نحو 5 قواعد عسكرية اثنتان وفي أريتريا قاعدتان احداها لإسرائيل.
تولي الولايات المتحدة أهمية جيوسياسية استراتيجية كبرى بمضيق باب المندب والقرن الأفريقي بل تربطه بالأمن القومي الأميركي، ومهمتها مراقبة المجال الجوي والبحري، وعزز بايدن قاعدة باليدوغل الجوية الأميركية في الصومال ب500 جندي، ولها عدد من القواعد العسكرية في كينيا وإثيوبيا، بل أعلن الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية في 19 أكتوبر 2023 نتيجة الحرب في غزة وصول أكثر من ثلاثة آلاف بحار وجندي، ودخول السفينة الهجومية البرمائية يو إس إس باتان، وسفينة الإنزال يو إس إس كارتر هول، كما تسعى روسيا العودة إلى القرن الأفريقي عبر البوابة الإرتيرية لاستغلال مدينة مصوع تمهيدا لإقامة قاعدة عسكرية بالقرب من مضيق باب المندب، وسبق أن بنت الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي عام 2017 لدعم مبادرة الحزام والطريق الذي أعلنت عنه في 2013، وهي أكبر بنية تحتية في التاريخ رغم أنها تبدو رؤية تنموية لكن الولايات المتحدة تنظر إليها تهديدا لنفوذها وهيمنتها خصوصا والصين متغلغلة في القارة الأفريقية وفي منطقة القرن الأفريقي منذ زمن طويل.
وجدت إسرائيل البحر الأحمر مجالا حيويا لفك العزلة أو كسر أي حصار عسكري عربي مستقبلا، وهي تقف ضد أن يكون البحر الأحمر عربيا خالصا، ومنذ عام 2016 أنشأت إسرائيل قاعدة استخباراتية الكترونية في إرتيريا لمراقبة الحوثيين في صراعها مع إيران، رغم أن السعودية أسست مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، لكن واشنطن والعواصم الأوروبية فضلت قيادة تحالفات دولية خاصة بها مثل تحالف حارس الازدهار الذي رفضت السعودية المشاركة فيه ضد الحوثي وطالبت بوقف إسرائيل الإبادة في غزة، وعملية اسبيدس لاعتبارات سياسية وعسكرية بسبب غياب التوافق حول الأولويات، حيث يركز التحالف الدولي على محاربة الحوثي لصالح إسرائيل، فيما تتبنى السعودية التي تقود تحالف الدول المتشاطئة رؤية أشمل تركز على استقرار الإقليم وتنميته، وعدم الانجرار لمواجهات مباشرة قد تعرقل جهود السلام على حدودها الجنوبية.
بالطبع إقامة القاعدة الصينية في جيبوتي بحجة محاربة القرصنة في الصومال لتامين التجارة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كذلك تتواجد الولايات المتحدة بحجة منع إيران نقل صراعها مع السعودية إلى مضيق باب المندب عبر دعم الحوثي خصوصا بعد عاصفة الحزم التي رعت السعودية تحالفا في 2015، وبحجة منع الحوثي من استهداف السفن التجارية الإسرائيلية التي تعبر باب المندب، وشكلت الولايات المتحدة وبريطانيا في أبريل 2022 فريقا أمنيا من الدول الحليفة لمراقبة البحر الأحمر، وقادت مصر قيادة قوة المهام المشتركة 153، وتسلمتها من البحرية الاسترالية في 7 أبريل 2025.
تستمر التفاهمات بين القوى الغربية والسعودية في إطار تكاملي، حيث تدعم واشنطن والاتحاد الأوروبي أي جهود تهدف إلى حفظ أمن الممرات مع احتفاظهما بمسارات عسكرية مستقلة، لا تحرص واشنطن على أن تكون اليمن وحدة مستقرة لأنها لن تنسى أن اليمن قام خلال حرب أكتوبر 1973 بإغلاق مضيق باب المندب وسمح للقوات المصرية بالتمركز هناك، دعما لحرب أكتوبر 1973 وقف تدفق النفط الى الدول الغربية التي قادها الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله.
بعد زيارة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في 19 ديسمبر 2024 عقب زيارة إسرائيل عن إطلاق عملية حارس الازدهار الدولية وهي مهمة متعددة الجنسيات تضم نحو 20 دولة بجانب قيادة فرقة العمل 153 التابعة لمظلة القوات البحرية المشتركة سي إم إف بعد إعلان التحالف بعدة أيام أعلنت عدة دول أوروبية من بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا رفضها الانضمام إليه، وأعلنت إسبانيا انها لن تشارك إلا تحت أي مظلة أوروبية أو أطلسية.
وسجل عدم مشاركة ثلاث دول أوروبية أول ضربة للتحالف، وإشارة إلى أنه بدأ بالتصدع قبل أن ينطلق، وبالتالي لن يواصل بنفس الزخم الذي كانت تخطط له الولايات المتحدة، وسيقتصر في نهاية المطاف على دولتين أساسيتين هما اميركا وبريطانيا، حالت دون نجاح مسعى واشنطن لأن التحالف خلا من الدول المتشاطئة بقيادة السعودية، بعدما فشلت واشنطن في اقناع كلا من السعودية ومصر في المشاركة ولكنهما لن يشاركا لحماية إسرائيل التي تقوم بإبادة الفلسطينيين في غزة.
كذلك تأسست أسبيدس البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي تنتشر في البحر الأحمر في فبراير 2024 كعملية دفاعية استجابة لهجمات الحوثيين المتكررة على الملاحة الدولية منذ أكتوبر 2023 بتفويض مبدئي يتجدد كل عام، وقد تم تمديد تفويضها حتى 28 فبراير 2027، مهماتها حماية السفن وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، وخليج عدن وبحر العرب، وبحر عمان، والخليج، وشمال غرب المحيط الهندي.
إثر رحلة جوية إيرانية نادرة هبطت في مطار صنعاء، لنقل وفد حوثي إلى إيران للمشاركة في مراسم عزاء المرشد الإيراني الراحل، وهو ما اعتبرته الحكومة اليمنية انتهاكا للسيادة، زعم الحوثيون أن مقاتلات التحالف حاولت اعتراض طائرة مدنية قادمة من طهران، هددت الجماعة بأن أي خرق للأجواء أو هجوم سيقابل باستهداف شامل للمطارات والمصالح الحيوية السعودية في البر والبحر.
كان رد التحالف باسم قوات التحالف بان التهديدات الحوثية ما هي إلا محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكات الجماعة الداخلية وتصدير أزماتها، وتوعد التحالف بضربات غير مسبوقة وحازمة للتصدي لأي استهداف للسعودية أو مواطنيها.
تمكنت القوات الحكومية والحملة الأمنية المشتركة في اليمن في مارس 2026 من ضبط سفينة تهريب إيرانية وقوارب بحرية في المياه الإقليمية قبالة سواحل مضيق باب المندب ومحافظة لحج، كانت متجهة إلى موانئ الحديدة الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي، تحمل أدوية غير مصرح لها وأسلاك معدنية مزدوجة الاستخدام تستخدم في التصنيع العسكري، لتصنيع طائرات مسيرة وزوارق انتحارية، بالإضافة إلى رقائق الكترونية لتشغيل المسيرات وأجهزة تتبع لتوجيهها، وسبق في أكتوبر 2025 تم ضبط سفينة إيرانية تخفي داخل مخبأ سري صاروخا مضادا للدروع، وقطع طيران مسير تحت غطاء شحنة مواد غذائية، وفي يوليو 2025 إحباط البحرية اليمنية لأكبر عملية تهريب عبر ضبط سفينة تحمل 750 طنا من الأسلحة الإيرانية قبل وصولها للحوثيين.
كما شن الحوثيون هجمات مباغتة على القوات الحكومية في الساحل الغربي في جبال دباس في مديرية جبل راس في محافظة الحديدة، لكن تم صدهم من قبل قوات الزرانيق العسكرية دون تحقيق أي تقدم، وهذه الهجمات ليست عبثا بل لأنها تدرك ان هذه المواقع تمثل السد المنيع والعقدة التي تعيق مخططاتها للتقدم جنوب الحديدة، بعدما تراجعت معظم جبهات القتال في اليمن منذ أبريل 2022 إثر هدنة رعتها الأمم المتحدة بين الحكومة والحوثيين.
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا


