مختاراتمرصد الجوار

موريتانيا 2026: “الميثاق الجمهوري” في مواجهة “شارع الغلاء”

هل انتهت صلاحية التهدئة السياسية؟

في مشهد نادراً ما يتكرر في منطقة الساحل المضطربة، بنى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة عام 2019 ما يشبه “العقد الضمني” مع الطبقة السياسية الموريتانية: تهدئة راديكالية المعارضة مقابل فتح فضاء حوار مُدار. نجح هذا النموذج لسنوات في أن يجعل من موريتانيا “شذوذاً إيجابياً” في محيط إقليمي يتقلب بين الانقلابات العسكرية والانهيار المؤسسي. غير أن مايو 2026 يكشف أن “التهدئة” باتت تواجه اختبارها الأصعب؛ إذ تتقاطع أزمتان لا تقبل إحداهما إسكات الأخرى: “الميثاق الجمهوري” كوثيقة سياسية تتصارع الأطراف على تأويلها، و”موجة الغلاء” كحقيقة معيشية تتجاوز كل التأويلات.

أولاً: “الميثاق الجمهوري”.. من الهندسة السياسية إلى معضلة الشرعية

في سبتمبر 2023، وقّع وزير الداخلية الموريتاني بصفته ممثلاً للحكومة، إلى جانب حزب “الإنصاف” الحاكم وحزبَي “تكتل القوى الديمقراطية” و”اتحاد قوى التقدم”، وثيقةً سياسية حملت اسم “الميثاق الجمهوري لتوطيد دعائم الاستقرار”. لم يكن الحدث مجرد توقيع على ورقة، بل كان هندسة دقيقة للمشهد السياسي: إعادة رسم خارطة الخصوم بحيث يُضمّ جزء من المعارضة التاريخية إلى دائرة “الحوار المؤطَّر”، ويُعزَل من رفض عن أي ادعاء بتمثيل إجماع وطني.

بيد أن هذه الهندسة أنتجت نقيضها. فالنائبة كادياتا مالك جالو، المنشقة عن “اتحاد قوى التقدم” الموقّع على الوثيقة، وصفت الاتفاق بأنه “طعنة في ظهر المعارضة ومحاولة لخداع الرأي العام”، كاشفةً أن الحزبين كانا يتفاوضان سراً مع السلطات بينما يتظاهران في العلن برفض نتائج الانتخابات. هذا الكشف زرع شكاً جوهرياً: هل الميثاق وثيقة إصلاح حقيقية، أم أنه -كما لخّص أحد المحللين السياسيين الموريتانيين- لا يخرج عن كونه “صوناً لكبرياء أحزاب لم تحقق أي مقعد برلماني”، يمنحها مخرجاً شريفاً من معارضة باتت تتصدرها أجيال أحدث وأكثر حضوراً في الشارع؟

اليوم، في منتصف 2026، يبدو الميثاق وقد دخل مرحلة “نقص التمثيل”. فأطياف معارضة وازنة، في مقدمتها حركة “كفانا” الشبابية وحزب “تجديد الحركة الديمقراطية” وكتلة “موريتانيا إلى الأمام”، تعمل خارج أُطره ولا تعترف بشرعيته ذريعةً للسكوت. السلطة من جهتها تجد نفسها أمام مأزق مركّب: المضيُّ في ميثاق “ناقص التمثيل” يفقده قيمته كأداة إجماع، والانفتاحُ على شروط المعارضة المُقصاة يعني القبول بـ”إصلاحات هيكلية” تمس بجوهر هيمنة “الإنصاف”.

ثانياً: “ثورة الأسعار”.. عندما يتجاوز الجوع حدود الأيديولوجيا

بينما كانت الردهات السياسية منشغلة ببنود الميثاق، كانت الأحياء الشعبية في نواكشوط ونواذيبو تعيش واقعاً مغايراً تماماً. في أبريل 2026، فرقت قوات الأمن مسيرة احتجاجية ضد ارتفاع أسعار المحروقات والغاز المنزلي، أسفرت عن إصابة المعارض البارز يعقوب ولد لمرابط رئيس حزب “تحدي” بحالة اختناق حادة جراء استنشاق الغازات المسيلة للدموع، ونُقل على إثرها إلى المستشفى. وفي مطلع مايو 2026، أعلنت الحكومة زيادةً جديدة في أسعار المحروقات؛ بلغت نسبتها نحو 5%، لتكون الثالثة من نوعها في غضون بضعة أشهر، رافعةً سعر “الكازوال” من 563.5 إلى 619.2 أوقية.

الأرقام وحدها لا تروي الحكاية كاملة. الأخطر هو التراكم؛ إذ يرزح المواطن الموريتاني تحت معدل فقر يبلغ نحو 31.8 بالمئة، وسط تضخم لم يكن لينخفض إلى مستويات مريحة قبل أن تعود موجات الغلاء لتضغط عليه من جديد. وقد أضافت الحكومة إلى عبء المحروقات ضرائبَ جديدة على المعاملات الرقمية وخدمات الهاتف، مما أثقل على الفئات الشعبية التي باتت تستخدم الدفع الإلكتروني بديلاً عن الكاش في مشترياتها اليومية.

في هذا السياق، أعلن حزب “تحدي” تنظيم مهرجان جماهيري احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، بمشاركة طيف من قوى المعارضة وبدعم زعيم المؤسسة المعارضة حمادي ولد سيدي المختار. ولأول مرة منذ سنوات، أجازت السلطات تنظيم هذا التجمع الاحتجاجي، في ما يشبه الاعتراف الضمني بأن صمام الضغط بلغ مستوى الخطر.

الجديد في هذه المرحلة ليس في فعل الاحتجاج بحد ذاته، بل في طبيعة الاستجابة الشعبية. ما يمكن وصفه بـ”الاغتراب المزدوج”: الشارع الموريتاني لا يثق في قدرة السلطة على كبح جماح التجار ومكافحة المضاربة بالأسعار، وفي الوقت عينه ينظر بعين ناقدة إلى المعارضة، متسائلاً: هل هذه التحركات للدفاع عن لقمة العيش، أم أنها وقود تفاوضي يُستخدم لرفع سقف الحصص السياسية في أي حوار مقبل؟

ثالثاً: مفارقة “الغاز” والغلاء.. توقيت المعضلة الكبرى

لا يمكن لمن يدرس المشهد الموريتاني بعيون استراتيجية مرّه  أن يغفل عن حدة التناقض: بلد بدأ فعلياً في إنتاج الغاز الطبيعي من مشروع “أحميم الكبير” المشترك مع السنغال منذ مطلع عام 2025، وتتوقع ميزانيته لعام 2026 نسبة نمو تصل إلى 5.1 بالمئة مدفوعةً بعائدات الطاقة، يرفع في الوقت عينه أسعار المحروقات على مواطنيه ثلاث مرات في أشهر معدودة.

هذه المفارقة ليست اقتصادية فحسب، بل هي سياسية في جوهرها. موريتانيا تملك احتياطيات غاز تتجاوز 100 تريليون قدم مكعبة، وتطمح إلى أن تكون لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمية التي تبحث عن بدائل للغاز الروسي. هذا الموقع الاستراتيجي يجعل من “الاستقرار الموريتاني” بضاعة دولية ثمينة تحرص عليها العواصم الغربية والشركات الكبرى في آنٍ معاً. السلطة تعي ذلك جيداً، وتوظّف ورقة “واحة الأمن” في محيط ساحلي ملتهب —مالي، النيجر، بوركينا فاسو— لاستجلاب الشرعية الدولية وتبرير إبطاء الإصلاحات الداخلية.

غير أن المعارضة تعي هي الأخرى قواعد هذه اللعبة. وتعلم أن هذه اللحظة —لحظة انطلاق الإنتاج الفعلي للغاز قبل أن تترسخ أُطره القانونية والمؤسسية— هي الفرصة الذهبية لفرض شروطها في توزيع الثروة وحوكمة الموارد. الرهان الحقيقي ليس من سيحكم موريتانيا، بل من سيحدد قواعد إدارة ثروتها الوطنية للعقود القادمة.

رابعاً: استشراف المسارات المحتملة

بناءً على معطيات المشهد الراهن، تتشكّل ثلاثة سيناريوهات لا يتجاوزها التطور المنطقي للأحداث:

السيناريو الأول، الاحتواء المرن (الأرجح على المدى القصير): تقوم السلطة بتقديم “جرعات” من التنازلات الاقتصادية المدروسة: تجميد مؤقت لرفع أسعار المحروقات، توسيع برامج الدعم الاجتماعي الموجّه، وإطلاق حزمة خطابية تربط عائدات الغاز بتحسين المعيشة. في المقابل، تُعدَّل بنود الميثاق الجمهوري لاستيعاب بعض مطالب الأطراف المقاطِعة، وهو ما يفرق صفوف المعارضة بين قابلٍ للحوار ورافضٍ يجد نفسه معزولاً. هذا السيناريو ينقذ التهدئة مرحلياً، لكنه لا يحل التناقض البنيوي بين ثروة دولة ناشئة وفقر مواطنيها.

السيناريو الثاني، الاستقطاب الحاد (الأخطر): في حال استمرار ارتفاع الأسعار وتعنّت السلطة، يتوسع حجم الاحتجاجات وتتوحد أطراف المعارضة المتباينة تحت مظلة المطالب المعيشية. إذ حين يتحالف الشارع الغاضب مع المعارضة السياسية المنظمة، يفقد النظام أوراقه التقليدية في إدارة الأزمات. الاستجابة الأمنية، كما كشف أبريل 2026، ليست خياراً مجانياً؛ كل غاز مسيل للدموع يُطلَق على متظاهر يُكلّف السلطة ثمناً مضاعفاً في رأس المال الرمزي الذي راكمه الغزواني منذ 2019 بوصفه رئيساً للتهدئة لا الترهيب.

السيناريو الثالث، إعادة التموضع (على المدى البعيد): وهو الأقل حضوراً في تحليلات المراقبين، لكنه ليس مستبعداً. وتقتضيه أن تتجاوز السلطة منطق الاحتواء الآني وتؤسس لـ”عقد اجتماعي غازي” واضح: آليات شفافة للإشراف على عائدات الطاقة، صندوق سيادي حقيقي، إصلاح ضريبي تصاعدي يعيد توزيع الأعباء. هذا السيناريو هو الأكثر استدامةً، وهو أيضاً الأصعب سياسياً إذ يتطلب قبولاً بتقليص هوامش هيمنة الدولة على الاقتصاد.

خامساً: الشارع كلاعب ثالث.. لا تابع ولا أداة

الخطأ الأكثر شيوعاً في قراءة المشهد الموريتاني هو اختزاله في ثنائية “السلطة والمعارضة”، بينما يصنع الشارع اليوم منطقه الخاص. الشاب الموريتاني الذي يحتج على ارتفاع أسعار الغاز المنزلي لا يفعل ذلك لأن “حزب تحدي” أعلن مهرجاناً؛ هو يفعل ذلك لأن فاتورة أسرته لم تعد تُحتمَل. وهو نفسه الذي يسأل بمرارة متصاعدة: كيف تُنتج موريتانيا الغاز وتصدّره، بينما يدفع المواطن ثلاث زيادات متتالية في بضعة أشهر على الغاز والوقود؟

هذا الإدراك الشعبي المتصاعد بـ”مفارقة الغاز” هو ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن كل موجات الاحتقان السابقة. لم يعد المطلب مجرد “خفض الأسعار”، بل بات سؤالاً أعمق عن العدالة في توزيع ثروة وطنية لم يرَ المواطن منها بعد سوى الوعود.

المعارضة تدرك هذا الزخم وتحاول ركوبه، غير أن الشارع لا يمنحها الصك الأبيض. الذاكرة السياسية الموريتانية مثقلة بتجارب معارضة تتحرك ميدانياً ثم تنسحب إلى غرف التفاوض المغلقة، وتعود إلى الشارع بـ”حصص” أكبر لا بـ”حلول” أعمق.

خاتمة: بين “الاستقرار الهش” و”التحول الممكن

موريتانيا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة ومخاطر وجودية حقيقية في آنٍ واحد. فرصة نادرة لأن الغاز يوفر الموارد اللازمة لبناء عقد اجتماعي جديد قادر على أن يجعل من “الاستقرار” ليس مجرد غياب الاضطراب، بل حضوراً فعلياً للأمان المعيشي. ومخاطر حقيقية لأن الفجوة بين الثروة الكامنة والفقر اليومي -حين تصبح مرئية ومحسوسة ومعبّراً عنها في الشوارع- تتحول من أزمة اقتصادية إلى صراع شرعية.

لا أحد يفوز في موريتانيا 2026 بالمواثيق المكتوبة وحدها. السلطة التي تفشل في ترجمة عائدات الغاز إلى أمان معيشي ملموس ستجد أن ميثاقها الجمهوري لا يساوي الورقة التي كُتب عليها. والمعارضة التي تكتفي بالمهرجانات الخطابية دون بديل برنامجي واضح ستفقد تدريجياً شارعاً يبحث عن إجابات لا عن خطب. أما الشارع، هذا اللاعب الثالث الصامت، فقد بات يملك مما لا تملكه السلطة ولا المعارضة: اليقين المعيشي المباشر الذي لا تقدر على تفنيده لا بروباغاندا النمو ولا بلاغة المعارضة. المستقبل ليس رهيناً بمن يوقع ما، بل بمن يتجرأ على التحول من “سياسة إطفاء الحرائق” إلى “سياسة بناء المستقبل”.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى