وجهات نظر

نتنياهو: المقامر بالرأسمال السياسي لإسرائيل

في السياسة الدولية لا تُقاس قوة الدول بترسانتها العسكرية وحدها، بل بما تراكمه عبر الزمن من رأسمال سياسي غير ملموس، يتشكل من شبكة تحالفات مستقرة، وثقة متبادلة مع القوى الكبرى، وصورة ذهنية راسخة داخل الرأي العام العالمي ومراكز القرار في الدول الحليفة. هذا الرأسمال هو ما منح إسرائيل، منذ تأسيسها، قدرة على إدارة صراعات متكررة مع الحفاظ على غطاء سياسي ودبلوماسي واسع، كان أبرز تجلياته العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بوصفها الركيزة الأساسية في بنية القوة الإسرائيلية.

غير أن هذا الرأسمال، الذي تراكم عبر عقود، دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة استنزاف متسارع، تحت ضغط تحولات عميقة فرضتها الحروب المتتالية في غزة واتساع رقعة المواجهة الإقليمية. فالمعادلة لم تعد محصورة في ميزان الردع العسكري أو التفوق الاستخباري، بل انتقلت تدريجيًا إلى ساحة أشد تعقيدًا: ساحة الشرعية السياسية، وصورة الدولة، وقدرتها على الحفاظ على قبولها داخل النظم السياسية الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

في السياق الأميركي تحديدًا، يتبدّى أحد أكثر مظاهر هذا الاستنزاف حدة، حيث لم يعد الدعم التقليدي لإسرائيل قائمًا على إجماع حزبي صلب كما كان لعقود. فقد أصبحت السياسة تجاه إسرائيل جزءًا من الاستقطاب الداخلي داخل الولايات المتحدة نفسها، مع صعود تيارات تقدمية داخل الحزب الديمقراطي تتبنى خطابًا نقديًا متزايد الوضوح تجاه السياسات الإسرائيلية، مقابل صعود تيارات يمينية انعزالية داخل الحزب الجمهوري باتت تشكك في جدوى الالتزامات الخارجية أصلًا، بما في ذلك الدعم غير المشروط لإسرائيل.

هذا التحول لم يقتصر على تبدّل الخطاب السياسي، بل أعاد تشكيل بنية القرار نفسها، بحيث باتت العلاقة مع إسرائيل أقل تلقائية وأكثر خضوعًا لحسابات الداخل الأميركي: الرأي العام، والانتخابات، وتوازنات القوى الحزبية. وبذلك، لم يعد الملف الإسرائيلي يُدار باعتباره “ثابتًا استراتيجيًا” خارج الجدل، بل كقضية سياسية مفتوحة على النقاش والمراجعة وتقدير الكلفة.

وفي هذا الإطار، تتراجع أيضًا فعالية الشبكات التقليدية التي شكّلت لعقود أحد أعمدة تثبيت هذا الدعم داخل واشنطن، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، التي كانت تُعد جزءًا بنيويًا من آليات صنع القرار الأميركي. غير أن هذا النفوذ بات اليوم يتحرك داخل بيئة أكثر استقطابًا، حيث لم يعد تأثيره مضمونًا، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من الجدل السياسي الداخلي بدل أن يكون قوة تعمل في خلفيته.

وفي السياق نفسه، يمكن قراءة سلوك نتنياهو بوصفه عنصرًا فاعلًا في تسريع هذا المسار. فقراراته خلال السنوات الأخيرة تعكس تداخلًا بين اعتبارات البقاء السياسي الداخلي—حيث يعزز الخطاب الأمني والتصعيد العسكري من تماسك القاعدة السياسية—وبين تقدير يفترض أن التحالفات الدولية، وعلى رأسها العلاقة مع الولايات المتحدة، أكثر صلابة من أن تتأثر بتراكم الكلفة السياسية. كما يرتبط هذا النهج بخيار إدارة الصراع عبر التصعيد وتوسيع هامش القوة بدل الاكتفاء بسياسات الاحتواء، إلى جانب رهان على قدرة البنية التقليدية للعلاقة الأميركية–الإسرائيلية على امتصاص التحولات الداخلية في واشنطن، رغم ما أظهرته من تصاعد الاستقطاب وتغير المزاج العام.

وإذا كانت الولايات المتحدة تمثل مركز الثقل في هذا التحول، فإن أوروبا بدورها تشهد تغيرًا تدريجيًا في الخطاب الرسمي والشعبي تجاه إسرائيل تحت ضغط الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان والإعلام، ما أدى إلى انتقال الدعم من كونه تلقائيًا إلى دعم مشروط أكثر حساسية للكلفة السياسية.

أما في الجنوب العالمي، فقد اتسعت دائرة النقد لإسرائيل ضمن سياق أوسع يرتبط بإرث الاستعمار وإعادة تعريف النظام الدولي، ما جعل صورتها أكثر تعقيدًا في عواصم عديدة لم تكن تقليديًا في موقع مواجهة سياسية معها.

وفي موازاة ذلك، لعبت البيئة الإعلامية الرقمية دورًا مضاعفًا في تسريع هذا التحول، خصوصًا لدى الأجيال الشابة في العالم العربي والإسلامي، حيث لم يعد الصراع يُقرأ كملف سياسي منفصل، بل كامتداد تاريخي طويل يبدأ من لحظة التأسيس وما ارتبط بها من تهجير وصراع، وصولًا إلى الحروب المعاصرة، وهو ما عمّق البعد الرمزي للصراع في الوعي الجمعي.

وفي هذا السياق، لم تكن تداعيات حرب غزة مجرد اختبار عسكري، بل لحظة كشفت تسارع استنزاف الرأسمال السياسي الذي قام عليه هذا الموقع لعقود. فقد أصبحت الصورة التقليدية لإسرائيل أكثر عرضة للتشكيك داخل الرأي العام العالمي، مع اتساع التغطية الإعلامية المباشرة من الميدان، وتراجع القدرة على التحكم في تدفق المعلومات. ونتيجة لذلك، لم يعد ممكنًا إدارة الرواية العامة كما في السابق، إذ تحولت السردية إلى ساحة صراع موازية للصراع العسكري.

وفي المحصلة، تتجلى هذه التحولات في صورة مسار استنزاف متسارع للرأسمال السياسي الإسرائيلي الذي تراكم عبر عقود، حيث يتآكل هذا الرصيد تدريجيًا تحت ضغط تغيرات متراكبة في البيئة الدولية والإقليمية. فالشبكة التي كانت تمنح إسرائيل قدرة واسعة على التأثير داخل مراكز القرار الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة، لم تعد تعمل بالمرونة نفسها، إذ باتت أكثر عرضة لتقلبات الرأي العام، وأشد ارتباطًا بالانقسامات الداخلية داخل النظام السياسي الأميركي.

وفي هذا الإطار، لم يعد الدعم يُمنح باعتباره مسلّمًا به أو خارج دائرة النقاش، بل أصبح محكومًا باعتبارات الكلفة السياسية والانتخابية، ما جعل استخدام هذا الرأسمال أكثر تعقيدًا وأقل تلقائية. وهكذا يتضح أن جوهر التحول لا يكمن في غياب التحالفات أو انهيارها، بل في تراجع سهولة تفعيلها وتحويلها إلى دعم عملي غير مشروط، وهو ما يعيد تعريف طبيعة النفوذ السياسي ذاته في المرحلة الراهنة، حيث تتبدّى “المقامرة” بوصفها رهانًا على رصيد يتآكل بوتيرة أسرع من القدرة على تجديده.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى