المملكة الشريفةالإشعاع الدولي

المغرب في مرمى التضليل: لماذا تتكاثر حملات الأخبار الزائفة كلما تقدّم المغرب خطوة إلى الأمام؟

في عالم تتقاطع فيه المعلومة مع المصالح، لم تعد الحروب تُشنّ فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضاً بالكلمات والصور والهاشتاغات. فالمعلومة الزائفة أصبحت أداة من أدوات التأثير الجيوسياسي، وجزءاً من حروب النفوذ الحديثة التي تُدار في الفضاء الرقمي أكثر مما تُدار في الميدان. وفي هذا السياق، يتصدر المغرب، بحسب مؤشرات دولية متخصصة، قائمة الدول الأكثر استهدافًا بحملات التضليل الإعلامي في المنطقة، وهو استهداف لا ينفصل عن صعوده التنموي المتسارع ومكانته المتزايدة كقوة إقليمية فاعلة ومستقرة في شمال إفريقيا والمحيط الأطلسي.

المغرب في طليعة الدول المستهدفة رقميًا

كشف تقرير صادر عن منصة “مسبار” موقع متخصص لفحص الحقيقة وكشف الكذب في الفضاء العموميّ. أن المغرب حلّ في المرتبة الثالثة عالميًا ضمن الدول الأكثر تعرضًا للمعلومات المضللة. وقد تم رصد عدد من الأخبارالزائفة عام 2024 التي استهدفت المغرب بشكل منسق ومدروس، في حملة اتسمت بتكثيف الرسائل الموجهة للتشويش على صورة المملكة وتقويض مصداقية مواقفها السياسية. وعلى الرغم من أن حجم هذه المواد قد لا يبدو كبيرًا في ظاهره، إلا أن طبيعتها ومصادرها تكشف عن مستوى لافت من التنظيم والتخطيط، ودرجة عالية من التنسيق والتوجيه الممنهج نحو التشويش على صورة المملكة ومواقفها السياسية يعكس نية مبيتة للتأثير على الرأي العام وتشويه الحقائق المرتبطة بالمشهد المغربي.

ويؤكد محللون أن هذا النوع من الحملات ليس جديدًا، إذ دأبت على مرافقة كل المنعطفات الكبرى في المسار المغربي، سواء تعلق الأمر بالإصلاحات الدستورية والسياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، أو بالإنجازات الاقتصادية والدبلوماسية التي رسخت موقع المغرب كفاعل رئيسي في فضاء الساحل والصحراء وغرب إفريقيا. ويضيف هؤلاء أن المملكة تتعرض اليوم لحملات مشبوهة من أطراف خارجية معروفة بعدائها للمغرب، تسعى إلى تأليب الرأي العام وإثارة الفوضى عبر تشويه المطالب الاجتماعية للشباب خلال احتجاجات “جيل زد”، في محاولة لاستغلال هذه الأحداث للنيل من استقرار البلاد وضرب مكتسباتها الوطنية.

خلال العقدين الأخيرين، انتقل المغرب من موقع الدولة التي تسعى إلى تثبيت استقرارها الداخلي إلى موقع الدولة التي تُنتج الاستقرار في محيطها الإقليمي. فقد استطاع أن يجمع بين رؤية اقتصادية منفتحة ومبادرات دبلوماسية فاعلة، مثل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، والمبادرة المغربية لربط دول الساحل الإفريقي بالمحيط الأطلسي، وهي مشاريع تُغيّر موازين القوة في المنطقة وتمنح القارة الإفريقية منفذاً أطلسياً حيوياً كان محل تنافس دولي منذ عقود.

إضافة إلى ذلك، حقق المغرب اختراقات دبلوماسية في ملف الصحراء المغربية، بعد الاعتراف الأمريكي بسيادته على الأقاليم الجنوبية، وتزايد عدد القنصليات الأجنبية المفتتحة في العيون والداخلة. كما برز كمحور في سياسات الطاقات المتجددة بفضل مشروع “نور” بورزازات الذي يُعد من أكبر المشاريع الشمسية في العالم.
والى دولة رائدة في تصنيع السيارات والطائرات والريادة في تضدير الهيدروجين الأخضروغيرها من الإنجازات المتراكمة التي جعلت من المملكة نموذجاً للاستقرار والإصلاح التدريجي في منطقة تعصف بها الأزمات، لكنها في الوقت ذاته أثارت حفيظة أطراف إقليمية ترى في هذا الصعود تهديداً لمصالحها أو لمشاريعها المنافسة.

التضليل كأداة لإضعاف النموذج المغربي

يؤكد الخبراء في الإعلام الرقمي أن جزءاً من الاستهداف الموجّه ضد المغرب يتم عبر “الهندسة التضليلية”، أي خلق سرديات مزيفة تُزرع في فضاءات التواصل الاجتماعي لتشويه الحقائق أو تضخيم الأحداث. وغالباً ما تُدار هذه الحملات من حسابات مجهولة أو صفحات تُدار من خارج البلاد، تستهدف رموز الدولة أو تنشر أخبارًا مغلوطة حول القضايا الوطنية الحساسة.

من بين أبرز الأمثلة ما حدث حين تم تداول شائعات تزعم “مشاركة جنود مغاربة في الحرب الإسرائيلية على غزة”، وهي رواية ثبت زيفها بالكامل، لكنها انتشرت على نطاق واسع في وسائل إعلام مرتبطة بجهات معادية للمغرب.
هذه الطريقة في صناعة الأخبار ليست بريئة؛ فهي تستثمر في القضايا العاطفية والدينية والإنسانية لتأليب الرأي العام وإحداث شرخ بين المواطنين ومؤسساتهم، في ما يشبه “حرباً نفسية رقمية” هدفها تقويض الثقة في الدولة المغربية ومكتسباتها.

الاستهداف السياسي والإيديولوجي

يجد المغرب نفسه اليوم في لحظة دقيقة ضمن محيط إقليمي متشابك ومضطرب، تتقاطع فيه الانقسامات العربية والصراعات الجيوسياسية المعقدة. وقد جعلت مواقف المملكة المتزنة إزاء القضايا الدولية، وحرصها على انتهاج سياسة خارجية مستقلة بعيدة عن منطق المحاور الضيقة، منها هدفًا لحملات إعلامية متكررة تسعى إلى النيل من مصداقيتها ومكانتها.
فعندما يصرّ المغرب على استقلالية قراره الدبلوماسي، تُفسَّر مواقفه أحيانًا على نحو مغلوط. وحين يحقق نجاحات تنظيمية كبرى -سواء في احتضان البطولات الرياضية أو المؤتمرات الدولية- تُستثار حملات تشكيك تستهدف نزاهة التنظيم وجدّية الإنجاز.
ومن اللافت أن بعض الأصوات لا تزال تُصرّ على التقليل من قدرة المغرب على تنظيم تظاهرات رياضية عالمية ككأس إفريقيا أو كأس العالم، بل انها تطلق اخبار مغلوطة وزائفة حول سحب تنظيم كاس افريقيا وكاس العالم من المغرب التي ثبت زيفها وتم نفيها من قبل رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “كاف”، بشكل قاطع،ومن قبل رئيسالاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) وهذه الأصوات الموتورة تتجاهل ما راكمته المملكة من خبرات ميدانية وتقنية وبنية تحتية متطورة جعلت منها نموذجًا إفريقيًا في الكفاءة والجاهزية.

ورغم حملات التشويش ومحاولات التبخيس، خصوصًا في فترات الحراك المجتمعي، يواصل المغرب مساره بثقة نحو ترسيخ مكانته كفاعل ريادي إقليمي ودولي.
إن التنظيم المرتقب لكبرى الفعاليات الرياضية سيكون دليلًا إضافيًا على أن إرادة البناء والتحدي أقوى من كيد الحاسدين، وأن زمن التشكيك في قدرة المغرب قد ولّى أمام واقع منجزاته الملموسة.

وحتى في القضايا الداخلية الحساسة، كما هو الحال في النقاش الوطني حول مدونة الأسرة، يبرهن المغرب على نضج مجتمعه وقدرته على إدارة الحوار بروح إصلاحية مسؤولة، رغم محاولات بعض الجهات الخارجية تحويل هذا النقاش البنّاء إلى مادة للتضليل والتأويل المغرض.وراء هذه الحملات، تختبئ أحياناً أجندات أيديولوجية تريد ضرب النموذج المغربي في تدبير التعددية والاختلاف، إذ يمثل المغرب حالة فريدة في العالم العربي بقدرته على التوفيق بين الحداثة السياسية والخصوصية الثقافية والدينية، وهو توازن لا يروق لبعض الأطراف التي تراهن على الفوضى أو الاستقطاب الحاد.

البعد الرقمي للحرب الرمادية

الحروب الحديثة لم تعد عسكرية بالضرورة؛ فهناك ما يُعرف بـ”الحرب الرمادية” التي تعتمد على مزيج من أدوات الإعلام والسيبرانية والدبلوماسية المموهة. وفي هذا الإطار، يُعتبر التضليل الإعلامي أحد الأسلحة غير التقليدية التي تستهدف استقرار الدول من الداخل.
ويُجمع خبراء الأمن السيبراني على أن المغرب يواجه هذا النمط من الحروب بحدة متزايدة، خصوصاً مع تنامي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار المحتوى غير الموثوق. فوفقاً لمؤشرات “التحول الرقمي العالمي” لسنة 2024، فإن أكثر من 28 مليون مغربي يستخدمون الإنترنت بانتظام، مما يجعل البلاد بيئة رقمية واسعة وسريعة التأثر بأي موجة تضليل.

هذه السعة الرقمية تُسهّل على خصوم المغرب نشر محتويات موجهة بعناية، مستغلين الثغرات القانونية أو ضعف الوعي الإعلامي لدى بعض المستخدمين. وهنا تبرز الحاجة إلى “مناعة رقمية” وطنية تقوم على التربية الإعلامية والرقمية وتكوين الصحفيين والفاعلين في المجتمع المدني على تقنيات التحقق والتدقيق.

الأمن المعلوماتي والسيادة الرقمية

لا تقتصر خطورة الأخبار الزائفة على تشويه السمعة، بل تمتد إلى تهديد مباشر للأمن الوطني. إذ إن فقدان الثقة في المؤسسات يمكن أن يؤدي إلى إضعاف التماسك الاجتماعي، وإرباك الأسواق الاقتصادية، والتأثير في القرار السياسي.
وفي هذا الإطار، بات المغرب ينظر إلى أمن المعلومة باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمنه القومي. وقد اتخذت السلطات خطوات ملموسة لتعزيز الإطار القانوني لمكافحة الجرائم المعلوماتية، وتطوير البنية التحتية للأمن السيبراني، إلى جانب تشجيع الصحافة الجادة والمنصات المحلية على ممارسة “التحقق الوقائي” قبل النشر.

كما تم تعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، خصوصاً مع الاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية الصديقة، من خلال تبادل الخبرات وتوحيد التشريعات الخاصة بحماية البيانات ومحاربة المحتوى المضلل.
فالدفاع عن السيادة الرقمية لا يعني الانغلاق، بل بناء شراكات ذكية قائمة على الثقة والتبادل المعرفي، وهو ما يسير فيه المغرب بثبات.

الإعلام الوطني بين التحدي والمسؤولية

يجد الإعلام المغربي نفسه اليوم أمام مسؤولية مضاعفة: مواجهة الموجات المتلاحقة من التضليل من جهة، والحفاظ على المصداقية المهنية من جهة أخرى. فمواجهة الشائعات لا تكون فقط بالردود الرسمية، بل أيضاً بإنتاج محتوى وطني مهني مقنع يقدم الحقائق بلغة الجمهور.
كما أن دور الصحافة الجادة لا ينحصر في نقل الخبر، بل في تفسيره وتفكيك خلفياته وتوضيح السياق الذي يُنتج فيه. فحين يكون المواطن مهيّأً بالمعرفة والوعي، تقلّ قدرة التضليل على اختراقه.

نحو وعي رقمي مجتمعي

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سن القوانين، بل في بناء ثقافة مجتمعية قائمة على الوعي الإعلامي. فالمواطن الواعي بمصدر المعلومة وكيفية التحقق منها هو خط الدفاع الأول ضد التضليل. ومن هنا تأتي أهمية دمج “التربية الإعلامية والرقمية” في البرامج الدراسية، وتنظيم ورشات تدريبية للمدونين والمؤثرين والصحفيين الشباب.

فكلما ارتفع منسوب الوعي الجمعي، تقلصت فعالية الحملات التي تستهدف المغرب، لأن هذه الحملات تعتمد أساساً على العاطفة والانفعال، بينما يسقط أثرها أمام العقل والتحليل والمعرفة.

بين قوة الإنجاز وحروب التشويه

ما يتعرض له المغرب من موجات تضليل متكررة ليس سوى وجه آخر لنجاحه الإقليمي والدولي. فالدول المستقرة والمتقدمة تُحارب غالباً بأساليب غير مباشرة، لأن خصومها يدركون أن المعركة العسكرية خاسرة مسبقاً.
لذلك، فإن الحرب على المغرب اليوم ليست بالسلاح، بل بالكلمة، بالصورة، وبالخبر الكاذب الذي يُراد له أن يشكك في منجز وطني أو يثير البلبلة في وعي الناس.

لكن المغرب، بما راكمه من وعي مؤسساتي وشعبي، وبما يمتلكه من رؤية استراتيجية متبصرة، قادر على تحويل هذا التحدي إلى فرصة لبناء إعلام وطني أكثر مهنية، ومجتمع أكثر وعياً ومسؤولية رقمية.
فكما انتصر المغرب في معارك التنمية والدبلوماسية والاقتصاد، فهو مؤهل أيضاً للانتصار في معركة المعلومة والوعي، لأن الحقيقة -في نهاية المطاف- تبقى أقوى من الزيف مهما تعددت أدواته وتكاثرت وجوهه.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى