
لم يعد ما شهدته مدينة السمارة المغربية اليوم مجرد حادث أمني عابر يمكن إدراجه ضمن سلسلة التوترات المحدودة، بل تحول إلى مؤشر خطير يكشف تحولات أعمق في طبيعة الصراع المفتعل بالمنطقة،فالقصف الذي استهدف مدينة مدنية، بكل ما يحمله ذلك من دلالات، يعيد طرح أسئلة جوهرية حول الجهات التي تقف خلف ميليشيات البوليساريو، وحول الأهداف الحقيقية التي تدار من وراء الستار.
إن استهداف السمارة، كمدينة مغربية آمنة وبعيدة عن خطوط التماس التقليدية، ليس فقط خرقا صارخا لكل الأعراف، بل هو رسالة سياسية مشحونة بالدلالات، نعم رسالة مفادها أن هناك من يسعى إلى نقل التوتر من أطراف النزاع إلى عمقه المدني، في محاولة لإعادة خلط الأوراق وخلق حالة من عدم الاستقرار المتعمد، وهنا، لا يمكن فصل الفعل عن سياقه العميق، ولا المليشيات عن الجهة التي ترعاها وتوفر لها الغطاء السياسي والدعم اللوجستيكي.
الوقائع الميدانية، كما تبرزها تطورات الأحداث، تؤكد أن البوليساريو لم تعد تتحرك ككيان منفصل أو صاحب قرار مستقل، بل كأداة ضمن استراتيجية عسكرية جزائرية أوسع تهدف إلى إطالة أمد النزاع المفتعل.
استراتيجية تقوم على مبدأ بسيط وخطير في آن واحد: كلما اقتربت الحلول السياسية الواقعية، يجب خلق توتر ميداني يعيد الوضع إلى نقطة الصفر،وهذا ما يجعل من القصف الأخير ليس فقط تصعيدا عسكريا ، بل خطوة محسوبة ضمن تكتيك يراهن على الفوضى كبديل عن الحل،لكن هي خطوة اصبحت تقليدية و أكل عليها الدهر و شرب وفق المتغيرات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.
إن أخطر ما في هذا التصعيد، ليس فقط طبيعته العدوانية، بل الخلفية الفكرية والسياسية التي تحركه،فالإصرار على استهداف مناطق مدنية يكشف تحولا نوعيا في أساليب العمل، يقارب في بعض ملامحه سلوك الجماعات التي لا تتردد في توظيف العنف العشوائي لتحقيق أهدافها، وهنا بطبيعة الحال يبرز القلق الحقيقي: هل نحن أمام مجرد نزاع إقليمي، أم أمام بوادر انزلاق نحو نماذج أكثر خطورة من عدم الاستقرار، حيث تتقاطع الأجندات السياسية مع أساليب أقرب إلى منطق الإرهاب؟
في هذا السياق، تبرز مسؤولية الجهة الراعية للمليشيات بشكل لا يقبل التأويل. فالدعم السياسي والإعلامي والعسكري الذي تتلقاه البوليساريو لا يمكن فصله عن طبيعة التحركات التي تقوم بها. بل إن هذا الدعم، في ظل غياب أي محاسبة أو مساءلة، يشكل عامل تشجيع مباشر على الاستمرار في نهج التصعيد. وهو ما يطرح تساؤلًا ملحًا: إلى أي حد يمكن القبول باستمرار هذا الوضع دون مساءلة دولية واضحة وصريحة؟
الأمر لا يتعلق فقط بخلاف سياسي أو نزاع حدودي، بل بأمن منطقة بأكملها،فالمغرب، الذي ظل لسنوات يدفع نحو مقاربات واقعية قائمة على الاحترام و على الحوار والحلول السياسية، يجد نفسه اليوم أمام تصعيد يعاكس كل الجهود المبذولة لإرساء الاستقرار،وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما الانخراط الجدي في دعم مسار الحل، أو ترك المجال مفتوحا أمام منطق الفوضى ليتمدد.
ولا يمكن إغفال البعد الداخلي في هذا التصعيد،فالتاريخ السياسي للأنظمة العسكرية التي تراهن على النزاعات الخارجية كوسيلة لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية، يقدم لنا مفاتيح مهمة لفهم ما يحدث،إذ غالب ما يتحول النزاع إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية، أو للهروب من ضغوط داخلية متزايدة،وفي هذا الإطار، يصبح التصعيد الخارجي خيارا مريحا، حتى وإن كان على حساب أمن واستقرار المنطقة او حتى على حسن الجوار .
لكن هذا الرهان، في جوهره، قصير النظر، لأن الفوضى، حين يتم إطلاقها، لا يمكن التحكم في مساراتها وما يبدأ كأداة ضغط، قد يتحول إلى تهديد شامل يتجاوز حدود الحسابات الضيقة.
وهو ما يجعل من التصعيد الحالي مخاطرة لا تقتصر تداعياتها على طرف دون آخر، بل تمتد لتشمل المنطقة برمتها.
في المقابل، يبرز الموقف المغربي كعامل توازن في هذه المعادلة المعقدة،فالتعاطي مع الاستفزازات، رغم خطورتها، يتم ضمن إطار عقلاني حكيم ومحسوب يجمع بين الحزم وضبط النفس،وهو خيار يعكس وعيا عميقا بطبيعة المرحلة، وبحساسية الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة قد تخدم أجندات من يسعى إلى تأجيج الصراع.
ومع ذلك، فإن ضبط النفس لا يمكن أن يكون بلا حدود،فاستهداف المدن، وتهديد أمن المدنيين، يفرض إعادة تقييم شاملة لقواعد الاشتباك، ولطبيعة الردود الممكنة وهذا ليس من باب التصعيد، بل من باب حماية الاستقرار ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال الفوضى.
في النهاية، ما حدث في السمارة ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل هو لحظة كاشفة تعري الكثير من الحقائق و تفضح المستور و هي لحظة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم: من يرعى، ومن يدعم، وحتى من يلتزم الصمت،فإما أن يكون هناك وضوح في المواقف، وإما أن تستمر لعبة الظلال، بكل ما تحمله من مخاطر على الحاضر والمستقبل.
الرسالة اليوم واضحة: لا يمكن بناء سلام حقيقي في ظل استمرار الرهان على المليشيات الارهابية ولا يمكن الحديث عن استقرار في منطقة تستعمل فيها الفوضى كأداة سياسية،وما لم يتم وضع حد لهذا المنطق، فإن ما حدث في السمارة قد لا يكون سوى بداية لسلسلة من التحولات الأكثر خطورة!.




