منبر الرأي

الجزائر: سقوط الخطاب… حين تفضح الوقائع دولة الشعارات

لم يعد خطاب “نصرة القضايا العادلة” و”الدفاع عن حق الشعوب” سوى واجهة مهترئة تُستعمل لتجميل واقع سياسي مأزوم، فقد استُهلكت الشعارات حتى فقدت معناها، وبات التناقض بين ما ترفعه الدولة من ادعاءات أخلاقية وما تمارسه فعليًا داخل حدودها صارخًا إلى درجة الفضيحة.

في الجزائر، لم تعد المسألة متعلقة بزلة لسان هنا أو تصريح عابر هناك، بل بنمط حكم متكامل، يقوم على استدعاء المبادئ الإنسانية عند الحاجة الدبلوماسية، والتخلي عنها فور انتفاء الغرض، خطاب يُصاغ بعناية في المحافل الدولية، ثم يُنسف بالكامل في الممارسة اليومية، حيث يُقابل المواطن بالقمع والتهميش والحرمان من أبسط حقوق المشاركة السياسية.

لقد جرى تحويل مفاهيم كبرى مثل “التحرر” و”الكرامة” و”مساندة الشعوب” إلى أدوات للاستهلاك السياسي، تُدار بها معارك خارجية وهمية، بينما تُترك الجبهة الداخلية تنزف أزمات بنيوية عميقة: اقتصاد هش، مؤسسات فارغة، ونسيج اجتماعي يتآكل تحت وطأة الإقصاء وانعدام الثقة.

وعلى مدى عقود، سُوّق الانخراط في ملفات خارجية، وعلى رأسها ملف البوليساريو، باعتباره خيارًا مبدئيًا لا يقبل النقاش، في حين حُرم الشعب الجزائري من حقه في معرفة الكلفة الحقيقية لهذه السياسات، أموال عمومية تُهدر بعيدًا عن الرقابة، تحركات دبلوماسية عبثية، وأدوار أمنية خارج الحدود، كل ذلك جرى تحت عنوان “الموقف الثابت”، بينما كانت النتائج صفرية على مستوى التنمية، وكارثية على مستوى العزلة الإقليمية.

الأخطر من كل ذلك أن هذا المسار لم يُدار فقط بسوء تقدير، بل رافقه تعتيم ممنهج وإقصاء متعمد لأي نقاش وطني جاد،كل صوت ناقد وُصم بالخيانة، وكل تساؤل مشروع حُوّل إلى تهمة، في محاولة لإبقاء السياسة الخارجية مجالًا محرمًا، خارج المساءلة الشعبية والمؤسساتية.

إن دولة تفشل في بناء عقد ثقة مع شعبها، وتعجز عن تحقيق مصالحة داخلية حقيقية، لا تملك لا الشرعية الأخلاقية ولا المصداقية السياسية لتقديم نفسها كحَكَم في قضايا التحرر أو كمدافع عن حقوق الآخرين، فالحرية لا تُصدّر، والعدالة لا تُستعار، ومن يعجز عن ممارستها داخليًا لا يمكنه التحدث باسمها خارجيًا.

اليوم، ومع تصاعد التململ داخل دوائر كانت تُعدّ جزءًا من المشهد الصامت، بدأت الأقنعة تتساقط، الخطاب الرسمي يفقد تأثيره، والسرديات القديمة تتآكل، وتعود مسألة الشرعية إلى الواجهة، لا بوصفها شعارًا سياديًا، بل كأزمة بنيوية تمس جوهر الدولة نفسها.

ويبقى السؤال الذي لم يعد بالإمكان تأجيله:

كم من الوقت يمكن الاستمرار في خداع الرأي العام، قبل أن يدرك الجزائريون أن معركتهم الحقيقية ليست في الدفاع عن قضايا تُدار خارج إرادتهم، بل في استعادة الدولة من خطابها الزائف، وبناء شرعية تستمد قوتها من الداخل لا من الشعارات؟

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى