
سوق الصفّارين بفاس: حين يتكلّم النحاس وتنبض الذاكرة
مدخل تاريخي إلى سوق الصفّارين
يُعدّ سوق الصفّارين بمدينة فاس العتيقة، الواقعة في قلب المغرب، واحدًا من أبرز معالمها التاريخية والحِرفية، وأحد الشواهد الحيّة على عراقة الصناعة التقليدية التي اشتهرت بها المدينة عبر قرون طويلة. ففي هذا الفضاء العريق، تتجلّى مهارة الصنّاع التقليديين الذين حوّلوا النحاس إلى تحف فنية، من أباريق وصحون وأوانٍ منزلية، ما يزال الزوّار من داخل المغرب وخارجه يُقبلون على اقتنائها إعجابًا بجمالها ودقّة صنعها.

تنظيم الحِرفة وإيقاع العمل اليومي
تنبض ساحة الصفّارين بالحركة والعمل؛ إذ تنتظم الحِرفة فيها وفق تقسيم دقيق للمهام بين الحرفيين. فهناك من يتولى صهر قطع النحاس القديمة، وآخرون يعيدون تشكيلها وصقلها، بينما يقوم فريق ثالث بتلميع الأواني وإعدادها للنقش، ليصل العمل في مراحله الأخيرة إلى أيدي النقّاشين الذين يبدعون زخارف ورسومات تقليدية تضفي على النحاس روحًا جمالية خاصة. ويشكّل صوت المطارق المتناغم مع ضربات النحاس إيقاعًا مميّزًا، أصبح جزءًا من الذاكرة السمعية لفاس العتيقة.
فاس والأسواق الحِرفية: سياق حضاري
وتُعدّ مدينة فاس من أعرق الحواضر في العالم الإسلامي، وقد تميّزت تاريخيًا بتنوّع أسواقها الحِرفية التي ارتبطت بهويتها العمرانية والثقافية. ويبرز سوق الصفّارين، أو ساحة الصفّارين، باعتباره أحد أشهر هذه الفضاءات، ورمزًا لاستمرارية صناعة النحاس، التي لم تنقطع رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها المدينة.

أصل التسمية والدلالة اللغوية
يرتبط اسم الصفّارين لغويًا بمعدن الصُّفر، أي النحاس، وهو ما تؤكده المعاجم العربية القديمة. فقد ورد في لسان العرب لابن منظور أن «الصُّفر هو النحاس الجيّد»، كما أشار أحمد بن فارس في مقاييس اللغة إلى أن الصفر من جواهر الأرض ويُقصد به النحاس الذي تُصنع منه الأواني. ونقل أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفر هو النحاس في أصله وطبيعته، وهو المعدن الذي تُعمل منه الآنية، وهو ما ينسجم مع النشاط الحِرفي الذي اشتهر به هذا السوق. ولا يزال هذا المعنى حاضرًا في الدارجة المغربية، حيث يُطلق لفظ “الصفر” على النحاس، ويُسمّى العاملون فيه “الصفّارين”.
من “السفّارين” إلى “الصفّارين”: تحوّل الاسم والوظيفة
غير أن الذاكرة المحلية لأهل فاس تضيف بعدًا تاريخيًا آخر لأصل التسمية؛ إذ تشير إلى أن الساحة كانت تُعرف في بداياتها بـ“ساحة السفّارين” (بالسين)، نسبة إلى مهنة تسفير الكتب، أي تجليدها، وهي حرفة علمية دقيقة ازدهرت لقرب المكان من جامع وجامعة القرويين وخزائنها، ومن مساكن العلماء وطلبة العلم. ومع اندثار هذه المهنة تدريجيًا، تحوّلت الوظيفة الاقتصادية للساحة، حيث نُقلت إليها صناعة الأواني النحاسية من رحبة الزبيب قرب باب الفوقية لمسجد الرصيف، فتحوّل الاسم تبعًا لذلك من السفّارين إلى الصفّارين، في انعكاس واضح لتغيّر الحِرفة السائدة.
سوق الصفّارين اليوم ونماذجه في المدن الإسلامية
اليوم، يضم سوق الصفّارين ورشات صغيرة متلاصقة، ما تزال تحافظ على الطابع التقليدي في صناعة الطناجر والصواني والأباريق والمشغولات النحاسية. ولا يقتصر هذا النموذج الحِرفي على فاس وحدها، بل نجده في مدن عربية أخرى، مثل سوق الصفافير في بغداد، وهو ما يدل على وحدة ثقافية وحِرفية ميّزت المدن الإسلامية الكبرى، حيث شكّلت صناعة النحاس عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية والعمران التقليدي.

القيمة التراثية والثقافية للسوق
وتتجاوز قيمة سوق الصفّارين وظيفته الاقتصادية، ليغدو فضاءً ذا حمولة تراثية وثقافية عميقة. فهو شاهد على تحولات المدينة، وعلى قدرتها على التكيّف مع تغيّر المهن دون فقدان روحها التاريخية. كما يجمع بين الذاكرة العلمية المرتبطة بالقرويين، والذاكرة الحِرفية المرتبطة بالصناعة التقليدية، في توليفة فريدة تجعل منه معلمًا ثقافيًا بامتياز.
خاتمة
وهكذا، يمثّل سوق الصفّارين بفاس أكثر من مجرد سوق تقليدي؛ إنه مرآة لتاريخ المدينة وسجلّ حيّ لتحوّل المهن والأسماء والدلالات. ومن خلال النحاس وصدى المطارق، تواصل فاس رواية قصتها، حيث يلتقي العلم بالحِرفة، واللغة بالتاريخ، والذاكرة بالمكان.



