
على هامش محادثات مدريد: سبع حقائق تجعل الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء أمرا محسوما
في خضم الضجيج الإعلامي الذي يرافق كل تطور في ملف الصحراء المغربية، تضيع الحقائق الموضوعية وسط موجات من الدعاية المتبادلة. لكن الواقع الاستراتيجي لا يخضع للشعارات، بل يتشكل عبر موازين القوى الفعلية والتحولات الجيوسياسية العميقة. وما شهدته الأشهر الأخيرة من تطورات، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797 وما تلاه من لقاءات دبلوماسية، يكشف عن حقيقة لم تعد قابلة للإنكار: ملف الصحراء المغربية يسير بثبات نحو حسم نهائي لصالح المغرب.
هذا المقال لا يهدف إلى الاستفزاز أو المزايدة، بل إلى تقديم قراءة موضوعية للواقع الاستراتيجي كما هو، بعيدا عن الانفعالات والشعارات. سنستعرض سبع حقائق جوهرية تحدد معالم المشهد الحالي، وتضع النقاش في سياقه الصحيح بعيدا عن الأوهام والمغالطات.
الحقيقة الأولى: قرار 2797 يحسم المرجعية التفاوضية
عندما صدر قرار مجلس الأمن 2797، حاول البعض تأويله بطرق مختلفة، لكن نص القرار واضح ومحدد بدقة قانونية لا تحتمل التأويل. القرار يمنح ممثل الأمين العام للأمم المتحدة تفويضا محددا: جمع الأطراف لمناقشة مقترح الحكم الذاتي المغربي، وليس أي شيء آخر. هذا التفويض ليس اقتراحا أو توصية، بل هو إطار إلزامي للعملية السياسية برمتها.
ما يعنيه هذا عمليا هو أن المجتمع الدولي، ممثلا في أعلى هيئة أممية معنية بالسلم والأمن الدوليين، قد حدد المسار الوحيد المتاح للحل: النقاش حول مقترح مغربي موجود وقابل للتطبيق، وليس البحث عن حلول خيالية أو العودة إلى مربعات سابقة. هذا التحول ليس مجرد صياغة لغوية، بل هو تغيير جوهري في الموقف الأممي تراكم عبر سنوات من الدبلوماسية المغربية الناجحة.
اللقاء الذي احتضنته السفارة الأمريكية في مدريد مؤخرا يمثل تطبيقا عمليا لهذا القرار. حضور الجزائر لهذا الاجتماع، رغم معارضتها التاريخية لمثل هذه اللقاءات بحجة أنها ليست طرفا في النزاع، يكشف عن حقيقة مهمة: الضغط الدولي أصبح واقعا لا يمكن تجاهله، والانسحاب من الطاولة لم يعد خيارا متاحا دون دفع ثمن سياسي باهظ.
الحقيقة الثانية: الخيار العسكري لم يعد قائما
منذ انهيار وقف إطلاق النار في نوفمبر 2020، حاولت البوليساريو تصوير نفسها كقوة عسكرية قادرة على فرض معادلة جديدة على الأرض. لكن الواقع الميداني يروي قصة مختلفة تماما. على مدى أكثر من أربع سنوات من المناوشات المتقطعة، لم تتمكن البوليساريو من تحقيق أي إنجاز عسكري ذي معنى، ولم تصب جنديا مغربيا واحدا بجروح، ولم تستطع حتى تهديد المصالح الاقتصادية المغربية في المنطقة.
الفارق في القدرات العسكرية بين المغرب والبوليساريو لم يعد قابلا للمقارنة. المغرب يمتلك جيشا حديثا مجهزا بأنظمة دفاع جوي متطورة، وطائرات مسيرة متقدمة، وقدرات استخباراتية ومراقبة تغطي كامل المنطقة. في المقابل، تعاني البوليساريو من تقادم تسليحها ومحدودية قدراتها اللوجستية، ولا تملك أي غطاء جوي أو أنظمة دفاع حديثة.
الأهم من ذلك هو أن الجغرافيا السياسية تغيرت بشكل جذري. وجود مشاريع تنموية ضخمة في الأقاليم الجنوبية، وتزايد الاستثمارات الأجنبية، وتطور البنية التحتية، كل ذلك يجعل أي محاولة لزعزعة الأمن في المنطقة محفوفة بمخاطر سياسية واقتصادية هائلة على من يقف وراءها. العالم لم يعد يتسامح مع من يهدد مصالحه الاقتصادية تحت أي ذريعة.
الحقيقة الثالثة: اللعبة القانونية وصلت إلى طريق مسدود
على مدى عقود، كانت المحاولات القانونية لعرقلة المشاريع الاقتصادية المغربية في الصحراء تشكل ورقة ضغط مهمة. قضايا محكمة العدل الأوروبية، والدعاوى المرفوعة في محاكم مختلفة، كانت تهدف إلى خلق حالة من عدم اليقين القانوني تثني المستثمرين عن الدخول إلى المنطقة. لكن هذه الاستراتيجية لم تعد فعالة، بل انهارت عمليا.
السبب بسيط: القرارات الاستثمارية الكبرى لا تتخذ بناء على معارك قانونية نظرية، بل على أساس الواقع السياسي والاستراتيجي. عندما تعترف الولايات المتحدة رسميا بسيادة المغرب على الصحراء، وتفتح قنصلية في الداخلة، فإن هذا يرسل رسالة واضحة للمستثمرين الأمريكيين: المنطقة آمنة قانونيا واستثماريا. وعندما تتبعها فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة بمواقف مماثلة، يصبح من العبث الحديث عن مخاطر قانونية جدية.
الدول والشركات الكبرى لا تستثمر مليارات الدولارات في مشاريع استراتيجية إلا إذا كانت واثقة من الإطار القانوني والسياسي المحيط بها. وجود استثمارات روسية وصينية وإماراتية وأوروبية ضخمة في الأقاليم الجنوبية يعني أن هذه القوى الاقتصادية الكبرى قد حسمت أمرها: الصحراء مغربية، والمشاريع فيها آمنة، والعوائد مضمونة. هذا الواقع الاستثماري أقوى من أي حكم قضائي نظري.
الحقيقة الرابعة: الفيتو الروسي الصيني لم يعد ضمانة
كان من المفترضات الثابتة في الحسابات الاستراتيجية لخصوم المغرب أن روسيا والصين ستستخدمان حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع أي قرار يصب في صالح الموقف المغربي. لكن التجربة الأخيرة مع القرار 2797 أثبتت أن هذه الفرضية لم تعد صحيحة (بل إنها لم تكن صحيحة يوما، حيث لم تستخدم الدولتان هذا الفيتو سابقا).
السبب وراء هذا الموقف يكمن في طبيعة المصالح الاستراتيجية لهذه القوى العظمى. روسيا والصين لديهما مصالح اقتصادية متزايدة في المغرب وفي القارة الأفريقية عموما. استخدام الفيتو في قضية الصحراء ليس مجرد قرار سياسي، بل هو محفوف بتكاليف دبلوماسية واقتصادية باهظة قد تؤثر على علاقاتهما مع دول أفريقية عديدة، ومع الغرب أيضا؛ هذا دون نسيان حساسية الموقفين الصيني والروسي تحديدا من قضايا الوحدة الترابية (تايوان وأوكرانيا).
علاوة على ذلك، كلتا الدولتين تتبعان سياسة براغماتية في التعامل مع القضايا الإقليمية. همهما الأول هو حماية مصالحهما الاستراتيجية، وليس الدفاع عن مواقف أيديولوجية لا تخدم هذه المصالح. في حالة الصحراء، أصبح واضحا أن التوافق الدولي المتزايد حول مغربية الصحراء يجعل من العبث الوقوف ضد هذا التيار، خاصة عندما لا تكون هناك مصلحة حيوية مباشرة تستدعي ذلك.
الحقيقة الخامسة: الموقف الأفريقي تغير جذريا
إذا كان هناك مؤشر واحد يلخص التحول الاستراتيجي في ملف الصحراء، فهو الموقف الأفريقي. من بين 54 دولة أفريقية، هناك 38 دولة لا تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، بل إن 10 دول من ال 16 التي لا تزال تعترف بها قامت بتجميد شبه رسمي لعلاقاتها مع البوليساريو، وتوالي توثيق علاقاتها الاقتصادية مع المملكة المغربي، في انتظار الإعلان الرسمي عن سحب هذه الاعترافات، مما يجعل هذا الرقم ليس ثابتا، بل في تزايد مستمر.
هذا التحول له دلالات عميقة. إفريقيا اليوم تختلف عن إفريقيا الستينيات والسبعينيات التي كانت تتحرك وفق منطق التضامن الأيديولوجي ودعم حركات التحرر. القارة الآن تحكمها حسابات المصالح الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية. المغرب، بعودته إلى الاتحاد الأفريقي وبتعزيز شراكاته الاقتصادية عبر القارة، أصبح لاعبا محوريا في التنمية الأفريقية.
الدول الأفريقية ترى في المغرب شريكا اقتصاديا حقيقيا يقدم استثمارات ملموسة، ويبني بنية تحتية، ويفتح أسواقا، ويوفر فرص عمل. في المقابل، ماذا يقدم الصراع المفتعل حول الصحراء لهذه الدول؟ لا شيء سوى استنزاف للطاقة الدبلوماسية وإهدار للوقت في قضية لا تمس مصالحها المباشرة. هذه الحسابات العقلانية هي التي تفسر التحول الأفريقي المتسارع.
الحقيقة السادسة: الأزمة الاقتصادية تحد من الخيارات
من غير الممكن فصل الملفات السياسية عن واقعها الاقتصادي. على مدى عقود، كان دعم قضية البوليساريو يتطلب موارد مالية ضخمة: تمويل المخيمات، ودعم الأجهزة الإدارية والعسكرية، وتمويل الحملات الدبلوماسية والإعلامية الدولية. هذه الموارد كانت متاحة في زمن الوفرة النفطية والغازية، لكن الوضع اليوم مختلف جذريا.
الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الجزائر اليوم ليست سرا، بل هي واقع يعكسه تراجع احتياطي العملة الصعبة، وارتفاع عجز الموازنة، وثقل فاتورة الاستيراد، وفشل تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات، والحاجة الملحة لإصلاحات اقتصادية هيكلية. في مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب جدا الاستمرار في ضخ مليارات الدولارات في قضية لا تحقق أي عائد اقتصادي أو استراتيجي ملموس.
الأولويات تتغير عندما تضيق الموارد. الاستثمار في التنمية الداخلية، ومعالجة البطالة، وتطوير البنية التحتية، كلها ملفات تتطلب موارد ضخمة لا تتوفر بالقدر الكافي. في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعا: هل من العقلانية الاستمرار في إنفاق موارد نادرة على قضية تسير عكس مصالحها الحقيقية؟
الحقيقة السابعة: الاعتراف الدولي يقترب من الحسم النهائي
الحقيقة الأكثر وضوحا وإيلاما في آن واحد هي أن الخارطة الدبلوماسية العالمية تغيرت بشكل لا رجعة فيه. من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، لا تعترف بالبوليساريو سوى 28 دولة فقط. هذا يعني أن أكثر من 85% من دول العالم لا تعترف بوجود كيان سياسي باسم “الجمهورية الصحراوية”.
الأهم من الأرقام هو هوية الدول المعترفة بمغربية الصحراء. نحن نتحدث عن القوى العظمى التي تشكل العالم: الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، المملكة المتحدة، إضافة إلى قوى صاعدة مثل الهند والإمارات. هذه الدول لا تتخذ مواقفها بخفة، بل بعد تحليل استراتيجي دقيق لمصالحها ولتوازنات القوى الدولية. في المقابل، لا توجد دولة وازنة واحدة من بين المعترفين رسميا بالبوليساريو اللهم إلا جنوب أفريقيا عمليا، والمكسيك نظريا!
الدبلوماسية الجزائرية، مهما كانت قدراتها، لا تستطيع واقعيا مواجهة هذا التوافق الدولي المتزايد. الأمر لم يعد يتعلق بإقناع دولة هنا أو هناك، بل بمحاولة عكس تيار استراتيجي عالمي يسير في اتجاه واحد. هذه معركة خاسرة بكل المقاييس، ومواصلة خوضها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاستنزاف دون أي أفق للنجاح.
خلاصة: الحسم الاستراتيجي أصبح واقعا
ما تقدم من حقائق ليس دعاية أو تمنيات، بل هو قراءة موضوعية لواقع استراتيجي متبلور على الأرض وفي أروقة الدبلوماسية الدولية. القوة العسكرية، والموقف القانوني، والمصالح الاقتصادية، والتوافق الدولي، والواقع الأفريقي، والضغوط الاقتصادية، كلها عوامل تتجه في اتجاه واحد: حسم مغربية الصحراء.
السؤال الحقيقي اليوم ليس “هل ستحسم القضية لصالح المغرب؟” بل “متى سيتم الاعتراف الرسمي بهذا الحسم؟” الفرق بين السؤالين جوهري، لأنه يعكس انتقالا من مرحلة الصراع على الحقيقة إلى مرحلة انتظار الاعتراف الرسمي بها.
الحكمة تقتضي النظر إلى الحقائق كما هي، وليس كما نتمنى أن تكون. الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق لن يغيرها، بل سيزيد من تكلفة الاعتراف بها لاحقا. التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تواجه الواقع بشجاعة هي التي تنجح في بناء مستقبلها، أما التي تعيش في الأوهام فإنها تدفع أثمانا باهظة عندما تصطدم بالواقع حتما.
ملف الصحراء لم يعد مفتوحا على كل الاحتمالات كما كان في الماضي. المسارات ضاقت، والخيارات تقلصت، والنتيجة باتت واضحة لكل من يريد أن يرى. ما تبقى هو فقط الوقت اللازم لاستكمال المسار الذي بدأ ولن يتوقف.




