منبر الرأي

أكاديميو الطوارئ في الجزائر : حين تتحول الشهادة الجامعية إلى درع لحماية السلطة العسكرية

نموذج احد أكاديميي الطوارئ في الجزائر:علي محمد ربييج

في كل الأنظمة التي تعيش على إدارة الأزمات بدل حلها بشكل عقلاني، لا تكون أولى علامات الارتباك في الشارع، بل في الاستوديوهات،هناك، تحت الأضواء، يبدأ استدعاء الوجوه الجاهزة، الأصوات التي لا تتأخر، والتحليلات التي لا تفاجئ أحدًا لأنها دائما تسير في الاتجاه نفسه.

في الجزائر، أصبح هذا المشهد متكررا إلى حد يثير الريبة و الشكوك: كلما اشتد ضغط اقتصادي، او اصيبت دبلوماسية العسكر لضربات و لهزات ،أو ارتفع منسوب التململ الاجتماعي، أو طُرحت أسئلة حقيقية حول جدوى السياسات العمومية، خرج علينا فوج من “الخبراء” و”الأكاديميين” ليتحدثوا بلغة استراتيجية معقدة تخفي وراءها مهمة واحدة لا تتغير: حماية السردية الرسمية لنظام الحكم العسكري.

الأكاديمي في وظيفته الأصلية ليس حارسا للسلطة، بل رقيبا عليها،دوره أن يطرح السؤال الذي لا ترغب السلطة في سماعه، وأن يفكك الخطاب لا أن يعيد إنتاجه، وأن يحلل الوقائع لا أن يجملها،لكن حين يتحول بعض من يفترض أنهم يمثلون النخبة الفكرية إلى خط دفاع أول عن النظام السياسي، فإننا لا نكون أمام ممارسة علمية، بل أمام وظيفة سياسية مغلفة بقشرة أكاديمية.

في لحظات الأزمات، لا يُستدعى هؤلاء لمساءلة اختلالات الاقتصاد رغم الثروات الطاقية الضخمة، ولا لشرح أسباب هشاشة التنويع الصناعي، ولا لتقييم السياسات الاجتماعية بموضوعية، ولا لتحليل أسباب الفشل الذريع للنظام و لدبلوماسيته بل يُستدعون لتحويل مسار النقاش برمته إلى اتجاهات سطر لها النظام الجزائري مسارها،فجأة يصبح الخطر الخارجي هو الموضوع المركزي، وتستدعى لغة الحصار والمؤامرة، ويُعاد تدوير ملفات الصراع الإقليمي وكأنها التفسير الجاهز لكل تعثر داخلي.

هذه الآلية ليست عفوية، بل تعكس نمط حكم يقوم على استبدال شرعية الإنجاز بشرعية المواجهة.

حين تعجز السلطة عن تقديم حصيلة تنموية مقنعة، تلجأ إلى تعبئة عاطفية تحشد الداخل حول عدو مفترض،وهنا يبرز دور “أكاديميي الطوارئ” بوصفهم وسطاء بين الخطاب السياسي الخام والرأي العام، يعيدون صياغته بمصطلحات علمية، ويمنحونه مظهرًا تحليليًا، بينما يبقى جوهره دفاعًا غير مشروط عن بنية حكم مغلقة.

الأخطر في الأمر أن هذا التوظيف يسيء إلى الجامعة ذاتها، إذ يحولها من فضاء للنقاش الحر إلى منصة تبرير، ويجعل من الشهادة العلمية غطاء لاصطفاف سياسي لا يحتمل النقد.

المفارقة المؤلمة أن الجزائر ليست دولة تفتقر إلى الموارد،فهي من أغنى دول المنطقة من حيث الاحتياطات الطاقية، وقد استفادت لعقود من عائدات ضخمة كان يمكن أن تؤسس لاقتصاد متنوع ومجتمع أكثر توازنا وعدالة و رفاهية،لكن السؤال الذي يتجنبه الخطاب التلفزيوني المتكرر هو: لماذا لم تتحول هذه الإمكانات إلى نقلة نوعية مستدامة؟ لماذا يبقى الاقتصاد حساسا لتقلبات السوق الدولية؟ ولماذا تتكرر الأزمات بدل أن تتراجع؟

هذه الأسئلة لا تجد طريقها إلى طاولات النقاش لأن طرحها يفضي مباشرة إلى مساءلة نموذج الحكم العسكري نفسه، لا إلى البحث عن خصم خارجي.

في زمن الانفتاح الرقمي، لم يعد ممكنا حجب المقارنة، إذ ان المواطن الجزائري يرى تجارب مختلفة في محيطه الإقليمي، يتابع تحولات اقتصادية، يلاحظ دينامية استثمارية، ويقارن بين خطاب يَعِد وخطاب يُنجز،وكلما اتسعت الفجوة بين الواقع والخطاب، ازدادت الحاجة إلى جرعات أعلى من التحليل التعبوي ،غير أن المشكلة في هذا الأسلوب أنه يستهلك نفسه حيث ان التكرار يفقد الرسالة تأثيرها، والمبالغة تفقد الخطاب مصداقيته، وحين يصبح كل شيء مؤامرة، يفقد مفهوم المؤامرة معناه.

لا أحد ينكر حق أي نظام في الدفاع عن خياراته السياسية، لكن الدفاع يتحول إلى أزمة حين يصبح بديلاً عن الإصلاح،وحين تُستنزف الطاقات الفكرية في معارك خطابية لا تنتج قيمة مضافة للمواطن، فإن الخاسر الأول ليس المعارضة، بل المجتمع بأكمله.

فالشعب الجزائري ليس طرفًا في هذه اللعبة الإعلامية، بل غالبًا ما يتحمل نتائجها، لأنه هو من ينتظر تحسن مستوى المعيشة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، لا رفع منسوب التوتر.

إن أخطر ما يكشفه صعود “أكاديميي الطوارئ” ليس قوتهم، بل حاجة النظام إليهم،فالنظام الواثق من إنجازاته لا يحتاج إلى هذا القدر من الحراسة الفكرية.

والنموذج القادر على إقناع مواطنيه لا يخشى الأسئلة الحرة،أما حين يصبح السؤال تهديدًا، والتحليل المستقل مصدر قلق، فذلك مؤشر على هشاشة أعمق من أي خلاف إقليمي،قد ينجح الضجيج في إغراق النقاش مؤقتًا، وقد تنجح التحليلات المكررة في تعبئة ظرفية، لكن لا شيء من ذلك يصنع تنمية حقيقية أو يعوض غياب رؤية إصلاحية شاملة.

في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد المحللين الذين يدافعون عنها، بل بقدرتها على تحويل ثروتها إلى رفاه، وتاريخها إلى مشروع، وشعبها إلى شريك لا إلى جمهور يُطلب منه التصفيق عند كل أزمة،وحين يأتي يوم تُطرح فيه الأسئلة الكبرى بلا وسيط ولا تغليف، لن يكون الحسم ببلاغة الاستوديو، بل بميزان الإنجاز.

ذلك هو الامتحان الحقيقي، وهو الامتحان الذي لا يمكن لأي خطاب طوارئ أن يؤجله إلى الأبد

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى