منبر الرأي

دبلوماسية الحزم الأمريكية.. خفض التمثيل في الجزائر وتعزيز الشراكة مع المغرب

في خطوة دبلوماسية تعكس نهج “أمريكا أولاً” الذي يتبناه الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، قررت الولايات المتحدة خفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في الجزائر إلى مستوى قائم بالأعمال (chargé d’affaires)، بدءاً من مارس 2026. هذا القرار جاء بعد انتهاء مهام السفيرة السابقة إليزابيث مور أوبين (Elizabeth Moore Aubin) في يناير 2026، وتعيين مارك شابيرو (Mark Schapiro) – أو شكل مشابه في بعض التقارير – كقائم بالأعمال. هذه الخطوة ليست إجراءً إدارياً روتينياً، بل رسالة سياسية واضحة تعبر عن عدم رضا واشنطن عن بعض سياسات الجزائر، خاصة فيما يتعلق بدعمها المستمر لجبهة البوليساريو وموقفها من قضية الصحراء المغربية، بالإضافة إلى دورها في التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا والساحل.

يعود السياق التاريخي لهذا التحول إلى ديسمبر 2020، حين أعلن الرئيس الأمريكي السابق ترامب – خلال ولايته الأولى – الاعتراف الرسمي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في خطوة جيوسياسية حاسمة أعادت رسم التحالفات الإقليمية. أثار هذا الإعلان ردًّا جزائريًا عنيفًا، تجسَّد في قطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط في أغسطس 2021، متَّهمة إياه بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم الإرهاب. ومع ذلك، استمرت الجزائر في دعمها السياسي واللوجستي لـ”البوليساريو”، عبر استضافة قياداتها في مخيمات تندوف، وتقديم مساعدات عسكرية وتدريبات، فيما ترى واشنطن هذا الدعم عائقًا رئيسيًا أمام الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب في الساحل.

في السنوات الأخيرة، أشارت تقارير إعلامية واستخباراتية غربية – بما في ذلك بعض التحليلات في وسائل مثل “فورين بوليسي” ومصادر أخرى – إلى مخاوف من تدفق أسلحة أو دعم غير مباشر من الجزائر نحو جماعات مسلحة في الساحل، مرتبط جزئياً بمخيمات تندوف. هذه السياسة الجزائرية تتناقض مع الجهود المغربية الواسعة في تطوير الأقاليم الجنوبية، حيث استثمرت الرباط مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية، طاقة متجددة، وتنمية اقتصادية، مما جعلها شريكاً استراتيجياً موثوقاً لواشنطن في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي.

يبرز تعيين مارك شابيرو كقائم بالأعمال أهمية هذا التحول. الدبلوماسي الأمريكي، الذي شغل مناصب سابقة في المنطقة (بما في ذلك تونس والأردن)، معروف بمواقفه الناقدة تجاه بعض الأنظمة في شمال أفريقيا. في تصريحات سابقة له في وسائل إعلام أمريكية مثل “ذا هيل”، وصف شابيرو الجزائر بأنها تساهم في تغذية التوترات الإقليمية بدلاً من حلها، مشيراً إلى دعمها للبوليساريو كعامل معيق للسلام. غياب سفير كامل الصلاحيات يحد من مستوى الاتصالات السياسية العليا والدعم الاقتصادي المباشر، وهو نمط استخدمته واشنطن سابقاً مع دول مثل فنزويلا ونيكاراغوا للتعبير عن الاستياء.

في المقابل، يستمر التمثيل الأمريكي في الرباط على مستوى عالٍ، حيث يعزز سفراء الولايات المتحدة الأمريكية الشراكة الاستراتيجية من خلال صفقات عسكرية متقدمة، مثل توريد طائرات بدون طيار MQ-9 Reaper وأنظمة دفاع جوي باتريوت، التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة. كما يبرز المغرب كمركز للاستخبارات المشتركة في مكافحة داعش والقاعدة في الساحل، وكبوابة اقتصادية لأفريقيا عبر مشاريع مثل توسعة ميناء طنجة المتوسط – الذي يتعامل مع ملايين الحاويات سنوياً – واستثمارات أمريكية في الطاقة المتجددة.

يُجسِّد هذا التمايز الواضح بين الرباط والجزائر إعادة ترتيب جذرية لأولويات واشنطن في شمال إفريقيا، حيث رسَّخ المغرب مكانته كشريك استراتيجي موثوق، بينما غرقت الجزائر في عزلة متسارعة: توترات حادة مع إسبانيا بعد اعتراف مدريد بسيادة المغرب على الصحراء المغربية عام 2022، خلافات متفاقمة مع فرنسا حول ملف الذاكرة والتأشيرات، وأزمات اقتصادية خانقة أدت إلى انخفاض صادراتها النفطية بنسبة 2% في 2025 (أي نحو 16 ألف برميل يوميًا) مقارنة بـ2024، مع تراجع احتياطياتها الأجنبية إلى 47.1 مليار دولار في أكتوبر 2025. اليوم، تتحطم الدعاية الجزائرية الرتيبة المروِّجة لـ”العدوان المغربي” أمام واقع دولي قاطع يدعم الرباط، إذ أعادت أكثر من 40 دولة تأكيد دعمها الكامل لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية حتى فبراير 2026، بما فيها الولايات المتحدة، الإمارات، وفرنسا التي أكدت في 2024 أن “مستقبل الصحراء يقع ضمن السيادة المغربية”.

تمتد التداعيات الإقليمية لهذا القرار إلى أبعد من الحدود الجغرافية، حيث يعزز الدعم الأمريكي فرص نجاح خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في الصحراء، التي أيدتها أكثر من 40 دولة أوروبية وعربية حتى 2026. كما يمهد لتعاون أمني أعمق بين الرباط وواشنطن، خاصة مع تصاعد التهديدات الإرهابية في الساحل (مالي والنيجر)، حيث يشارك المغرب في تدريبات مشتركة متقدمة مثل “أفريقان ليون”. أما الجزائر، فتواجه ضغوطاً متزايدة إذا استمرت في سياستها المعادية، بما في ذلك تقارير أمريكية حديثة تشير إلى دعمها لجماعات مثيرة للقلق قد تؤدي إلى عقوبات محتملة؛ اقتصادياً، تفقد فرص الاستثمار الأمريكي في الغاز الطبيعي، بينما يجذب المغرب صفقات عملاقة في الطاقة الشمسية والتكنولوجيا، مثل مشاريع “نور” الموسعة.

في الختام، تمثل دبلوماسية الحزم الأمريكية تحولاً استراتيجياً عميقاً يُعيد رسم خارطة الحلفاء في شمال إفريقيا، مُرسخاً المغرب كركيزة أساسية للمصالح الغربية في المنطقة بفضل شراكاته الثابتة والموثوقة. هذا القرار ليس مجرد لحظة عابرة، بل إعلان عن مرحلة جديدة تضع الجزائر أمام خيار حاسم: العودة إلى مسار الحوار الإقليمي البناء الذي يخدم الاستقرار المغاربي، أو التمادي في سياسة التصعيد التي ستُفاقم عزلتها الدبلوماسية والاقتصادية. الرباط، بحكمتها الدبلوماسية الراجحة وشراكاتها الملموسة، تُثبتُ مجدداً أن الاستقرار الإقليمي يُبنى على التعاون الحقيقي والموثوق، لا على الخطابات التصعيدية الفارغة.

محمد أعزوز

كاتب وصحفي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى