
شرق أوسط على حافة التحول: من يدير لعبة الردع الآن؟
ليست المشكلة في الشرق الأوسط أن الحرب قد تندلع، بل أن أحدًا لا يريدها… ومع ذلك يستمر الجميع في الاقتراب منها. ضربات محدودة، رسائل نارية محسوبة، تحركات عسكرية سريعة، وتصريحات لا تخلو من التصعيد. المنطقة تعيش لحظة توتر مستدام، لكنها توتر بلا انفجار شامل. فهل نحن أمام انهيار معادلة الردع التقليدية، أم مجرد إعادة ضبط لقواعدها؟
لسنوات، قام ما يشبه “توازنًا هشًا” بين القوى الإقليمية. لم يكن سلامًا بالمعنى الكلاسيكي، بل إدارة دقيقة لحافة الهاوية. كل طرف يعرف أن تجاوز سقف معين يعني مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم بنتائجها. لذلك تطورت أدوات الصراع نحو ما يمكن تسميته بـ”التصعيد المنضبط”: ضربات جراحية، حروب بالوكالة، استهدافات محدودة، دون إعلان حرب شاملة.
غير أن كثافة هذه التحركات في الآونة الأخيرة توحي بأن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية. السؤال لم يعد فقط من يردع من، بل من يملك القدرة على إعادة تعريف الردع نفسه.
أحد أبرز التحولات يتمثل في تغير طبيعة التحالفات. المنطقة التي كانت قبل عقد من الزمن منقسمة بحدة أيديولوجية واضحة، أصبحت اليوم أكثر براغماتية. المصالح الاقتصادية، مشاريع التنمية، واستقرار الداخل، كلها عوامل أعادت ترتيب الأولويات. لم يعد الصراع هو المحدد الوحيد للسياسات الإقليمية، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع تحكمها الحسابات الاقتصادية والأمنية معًا.
في هذا السياق، تبرز فرضية تقول إن تراجع قدرة طرف إقليمي على فرض ردعه قد يفتح المجال أمام صعود طرف آخر لملء الفراغ. لكن هذه القراءة تتجاهل طبيعة النظام الإقليمي ذاته. الشرق الأوسط ليس ساحة ذات لاعب واحد محتمل. هناك قوى إقليمية متعددة، لكل منها طموحاتها وحدودها، وهناك حضور دولي متشابك يجعل من الصعب تثبيت هيمنة أحادية مستقرة.
التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يتحول تلقائيًا إلى هيمنة سياسية. فالقوة تحتاج إلى شرعية، وإلى بيئة مستقرة تسمح بترجمتها إلى نفوذ دائم. وأي اندفاعة غير محسوبة قد تؤدي إلى استنزاف بدلًا من توسع.
ما نشهده على الأرجح ليس سقوطًا لمنظومة ردعية كاملة، بل إعادة تموضع داخلها. أدوات الردع تتغير: التكنولوجيا تحل محل الكتلة العددية، والعمليات السيبرانية تكمل الضربات التقليدية، والتحالفات المرنة تحل محل المحاور الصلبة. إنها مرحلة انتقال من ردع تقليدي إلى ردع مركّب متعدد الأبعاد.
الأخطر في هذه المرحلة ليس احتمال الحرب الشاملة بقدر ما هو خطر سوء التقدير. كلما زادت كثافة الرسائل العسكرية، ارتفعت احتمالات الخطأ في قراءة نوايا الخصم. وفي بيئة مشبعة بالسلاح والحساسيات التاريخية، قد يتحول خطأ تكتيكي إلى أزمة استراتيجية.
ومع ذلك، لا تزال كلفة المواجهة الكبرى مرتفعة إلى حد يمنع الانزلاق السريع إليها. الاقتصاد، الرأي العام الداخلي، الضغوط الدولية، كلها قيود حقيقية على القرار العسكري. وهذا ما يفسر استمرار “التوتر المحسوب” بدلًا من الانفجار.
الشرق الأوسط إذن لا يقف على حافة حرب بقدر ما يقف على حافة إعادة تعريف توازنه. لا انهيار كامل، ولا هيمنة مطلقة في الأفق القريب. بل مرحلة سيولة استراتيجية، حيث تُختبر الحدود باستمرار، وتُعاد صياغة الخطوط الحمراء دون إعلان رسمي.
في النهاية، معادلات القوة في المنطقة لا تنهار دفعة واحدة، ولا تُبنى بين ليلة وضحاها. إنها تتآكل ببطء، وتُعاد صياغتها ببطء أكبر. والسؤال الحقيقي ليس من يربح الجولة الحالية، بل من يستطيع إدارة مرحلة التحول دون أن يفقد السيطرة على إيقاعها.
في شرق أوسط بلا يقين، إدارة الردع أصبحت أهم من امتلاك أدواته.




