المملكة الشريفةالمسار الوطني

 الدومينو الدبلوماسي: من التالي في طابور سحب الاعتراف بالبوليساريو؟

في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025، صوّت مجلس الأمن الدولي بأحد عشر صوتاً مقابل صفر، على القرار 2797 الذي أعاد رسم المشهد الدبلوماسي كلياً. للمرة الأولى في تاريخ ملف الصحراء المغربية، يُعلن مجلس الأمن صراحةً أن مقترح الحكم الذاتي المغربي المقدَّم عام 2007 هو الأساس الذي تُبنى عليه المفاوضات، وأن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل “الحل الأكثر جدوى”. لم يُذكر في نص القرار أي استفتاء، ولا أي خيار للاستقلال. الجزائر اختارت العزلة: غابت عن التصويت. روسيا والصين والباكستان امتنعوا. أحد عشر عضواً يمثلون الإجماع الدولي الحقيقي صوّتوا بنعم.

ذلك القرار لم يكن نهاية محطة؛ كان إشارة انطلاق.

في الرابع والعشرين من فبراير 2026، أعلنت بوليفيا بعد مكالمة هاتفية بين وزير خارجيتها فيرناندو أراماي ونظيره المغربي ناصر بوريطة، تعليق اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” وقطع كامل اتصالاتها الرسمية مع الجبهة، مستندةً في ذلك صراحةً إلى القرار 2797. وعادت العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ولاباز بعد سنوات من الانقطاع، مع خطط لفتح سفارات في البلدين وبناء شراكات في التجارة والفلاحة والأسمدة والأمن.

بوليفيا ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة.

 القارة الأفريقية: الكتلة المتصدعة

وفق آخر إحصاء موثق، تراجع عدد الدول المعترفة فعلياً بالبوليساريو من أكثر من ثمانين دولة في ذروة الثمانينيات إلى ما دون الخمس والعشرين اليوم، مع استمرار التآكل. داخل القارة الأفريقية، وهي المعقل الأخير للبوليساريو، لا تزال نحو أربع عشرة دولة تحافظ على الاعتراف، لكن درجات حرارة هذا الاعتراف تتفاوت تفاوتاً جوهرياً.

 الطبقة الأولى: دول “العد التنازلي”

مالي: هي المرشح الأول والأكثر إلحاحاً. العلاقة بين باماكو والجزائر دخلت مرحلة انهيار علني منذ أن اتهمت مالي الجزائر بدعم جماعات مسلحة في أراضيها، بلغ ذروته في حادثة إسقاط طائرة مسيّرة مالية فوق تين زاواتين في أبريل 2025، فيما ردّت مالي بطرد الدبلوماسيين الجزائريين. في المقابل، تتحول مالي نحو المغرب: المبادرة الأطلسية الملكية تمنح باماكو ما تحتاجه تحديداً، منفذاً بحرياً على الأطلسي عبر ميناء الداخلة الذي ضخت فيه الرباط 1.2 مليار دولار. مالي التي تعيش قطيعة مع الإيكواس، وتبحث عن حلفاء جدد خارج المنظومة الجزائرية، ترى في المغرب شريكاً دينياً وأمنياً واقتصادياً لا بديل عنه. سحب الاعتراف بالبوليساريو من طرف مالي لن يكون مجرد مراجعة دبلوماسية؛ سيكون رسالة استراتيجية مباشرة إلى الجزائر.

نيجيريا: هي الوزن الثقيل المتردد. أبوجا حليف اقتصادي لا غنى عنه للمغرب، عبر أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب (NMGP) الذي يعيد رسم خارطة الطاقة في غرب أفريقيا، وعبر مصانع الأسمدة التابعة لمجموعة OCP التي تغذي أراضي نيجيريا الزراعية. على الصعيد الخطابي، اختفت “دولة البوليساريو” من التصريحات الرسمية النيجيرية ذات الثقل. التردد في أبوجا ليس أيديولوجياً؛ هو تردد التوقيت. نيجيريا تريد أن يبدو التحرك في إطار “إصلاح مؤسسي” للاتحاد الأفريقي لا كخطوة ثنائية مشحونة تجاه الجزائر. لكن الاتجاه محسوم.

إثيوبيا: تمثل حالة الشراكة الصامتة. منذ تأسيس مصنع الأسمدة في ديريداوا بالتعاون مع المغرب، تحوّل الموقف الإثيوبي من دعم البوليساريو إلى “الحياد الإيجابي” الذي يتبنى جهود الأمم المتحدة وفق منطوق القرار 2797. أديس أبابا تحتاج إلى غطاء دولي لملفاتها الداخلية المعلقة، ودعم مغربي ينتزعه لها في الكواليس. الاعتراف بالبوليساريو أصبح عبئاً لا رصيداً.

 الطبقة الثانية: دول “التبريد الاستراتيجي”

أوغندا وتنزانيا: انتقلتا من الدعم النشط إلى الصمت المحسوب. تنزانيا تترشح لعضوية مجلس الأمن وتدرك أن استمرار الاعتراف بكيان غير أممي يُضعف موقفها التفاوضي في أروقة نيويورك. أوغندا وجدت في الشراكات المغربية في قطاعَي الطاقة والبنية التحتية ما يكفي لإعادة النظر في ولاءات الأمس الأيديولوجية.

جنوب السودان: ترى في المغرب جسراً نحو واشنطن التي تدعم أجندة الاستقرار في جوبا. مجموعة OCP حاضرة باستثماراتها في منظومة الأسمدة الجنوب سودانية. الغطاء السياسي الذي منحه القرار 2797 أزال آخر عقبة نفسية أمام قيادة جوبا.

رواندا: رغم أن بعض التقارير تُدرج رواندا ضمن قائمة الدول التي لا تزال تحتفظ باعتراف شكلي، إلا أن العلاقات القوية بين الرباط وكيغالي شهدت تجاوزاً لعقدة الاعتراف، مع تراجع ملحوظ في دعم هذا الكيان. وتتبنى رواندا موقفاً يتسم بالواقعية وتدعم الجهود الأممية لإيجاد حل نهائي، ويسير موقفها في اتجاه دعم مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب، خاصة مع تعزز الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وبجدية هذا المقترح.

أنغولا: هي “الجائزة الكبرى” المحتملة. لواندا تبتعد تدريجياً عن المحور الجزائري-جنوب أفريقي لصالح براغماتية نفطية تجعل الحسابات الاقتصادية متقدمة على مرارة التاريخ الأيديولوجي. تحول اعتراف أنغولا سيعني عملياً إسقاط آخر “قوة إقليمية” أفريقية في محور الدعم الجزائري.

 الطبقة الثالثة: “القلاع الصامدة”

ناميبيا وموزمبيق وزيمبابوي: ترتبط بالبوليساريو بروابط “حركات التحرر” التي شكّلت هوياتها السياسية. لكن التحولات بدأت تطرق حتى هذه الأبواب: الضغط الأمريكي المتزايد بعد اجتماعات واشنطن، وعروض الشراكة المغربية في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب في الشمال الموزمبيقي، كلها تدفع باتجاه إعادة التفكير. هذه الدول لن تكون في طليعة السحب، لكنها لم تعد في مأمن من المنطق الذي يحكم السياسة الأفريقية حالياً: الواقعية الاقتصادية أقوى من الذاكرة الأيديولوجية.

بوتسوانا: تُصنف حالياً كدولة “باردة” جداً في علاقتها مع البوليساريو. التقارير الاقتصادية تشير إلى مفاوضات متقدمة مع الرباط لتبادل الخبرات في قطاع التعدين والطاقة المتجددة. بوتسوانا تراقب جارتها أنغولا، وبمجرد حدوث تحول في لواندا، ستكون غابورون أول من يعلن سحب الاعتراف.

ليسوتو: سبق لها أن علقت اعترافها ثم تراجعت تحت ضغط جنوب أفريقيا. تعيش ليسوتو صراعاً داخلياً حول هذا الملف؛ الجناح الاقتصادي في الحكومة يدفع باتجاه سحب الاعتراف نهائياً لفتح آفاق التعاون مع الرباط، بينما الجناح السياسي يخشى غضب “بريتوريا”.

جنوب أفريقيا: تبقى الاستثناء الصلب، مدفوعةً بعقيدة المؤتمر الوطني الأفريقي التاريخية وقيادة بريتوريا لـ “كتلة الجنوب الأفريقي” (SADC). لكن حتى مسؤولين جنوب أفريقيين باتوا يعترفون في الخاص بما وثّقه معهد الدراسات الأمنية (ISS): البوليساريو لم يبنِ الزخم الشعبي الدولي الذي بناه المؤتمر الوطني الأفريقي ضد الفصل العنصري.

 أمريكا اللاتينية: ما بعد زلزال بوليفيا

قبل يناير 2026، كانت بوليفيا تحت الرئيس اليساري لويس آرسي من أشد المدافعين عن البوليساريو في القارة اللاتينية. التحول الدراماتيكي جاء بعد خسارة المرشح الحاكم في الانتخابات الأخيرة وصعود حكومة براغماتية جديدة تحت رودريغو باز، قررت الإفراج عن ملف شائك ظل رهينة الولاءات الأيديولوجية القديمة. الاستناد الصريح إلى القرار 2797 منح لاباز الذريعة القانونية لإغلاق الباب دون أن يبدو ذلك استسلاماً لضغط مغربي مباشر.

أما بعد بوليفيا، فيبدو المشهد اللاتيني هكذا:

المكسيك: هي التحدي الأكبر والفرصة الأكبر في آنٍ معاً. تحكمها حكومة كلاوديا شاينباوم ذات التوجه اليساري التي رفعت صوتها علناً ضد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا، مما يجعل أي تقارب مع واشنطن محفوفاً بتكلفة سياسية داخلية. غير أن ثمة معطىً جوهرياً: قانون العلاقات الخارجية المكسيكي يفرض مبدأ عدم التدخل ويلزم بالتوافق مع قرارات الشرعية الدولية. القرار 2797 يوفر لمكسيكو المسار القانوني الذي تحتاجه لتجميد اعترافها دون أن يبدو ذلك تراجعاً. الانتخابات التشريعية المتوسطة المقبلة عام 2027 ستحدد إن كانت الحكومة ستجرؤ على هذه الخطوة قبل أو بعد التجديد الانتدابي.

كولومبيا: تدخل انتخابات رئاسية في مايو 2026، والتوقعات تشير إلى انتهاء حكم بيترو اليساري الذي جعل من دعم البوليساريو رمزاً أيديولوجياً. أي حكومة يمينية أو وسطية قادمة ستجد في القرار 2797 مبرراً دبلوماسياً ومصلحة اقتصادية (الفوسفاط المغربي لفلاحة كولومبيا المتوسعة) لإعادة ضبط العلاقة مع الرباط.

بيليز وترينيداد وتوباغو: هي دول لا تزال تحافظ على اعترافها “النظري” بالبوليساريو، مع عدم إبداء أي مظهر من مظاهر الدعم لها أو لأطروحتها في المحافل الدولية، ويعتقد إلى حد بعيد أن سحب اعترافها يمكن أن يأتي في أي لحظة، لاسيما مع الدعم القوي الذي يحظى به المغرب بين دول الكاريبي.

كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا: هذه الثلاثة تشكل “الطوق الأيديولوجي الأخير” الذي لن يتفكك من الداخل. كوبا تواجه ضغطاً أمريكياً مباشراً. فنزويلا بعد مادورو تفتح صفحة جديدة، وسحب اعترافها بالبوليساريو هي مسالة وقت فقط. نيكاراغوا دولة منهكة اقتصادياً. لا أحد منهم في وضع يمكّنه من أن يصمد طويلاً كعلَم أيديولوجي في مواجهة الاتجاه الأممي.

 المعادلة الجيوسياسية الأشمل

ما يجري ليس مجرد موجة اعترافات تتساقط كأوراق الخريف، بل تحوّل بنيوي في الطريقة التي تُعرِّف بها الدول مصالحها في سياق ما بعد القرار 2797. ذلك القرار نقل ملف الصحراء المغربية من خانة “التصفية الاستعمارية” إلى خانة “الحوكمة التفاوضية ضمن السيادة”، وهو ما يغلق النافذة الأيديولوجية التي كانت البوليساريو تستمد منها دعمها الدولي.

الأرقام تروي القصة بوضوح: أكثر من مئة وعشر دول أبدت دعماً للمقترح المغربي، وأكثر من تسع وعشرين دولة فتحت قنصليات في العيون والداخلة. أما دول الاعتراف الأفريقية فانخفضت من ثمانية وثلاثين (في ذروة السبعينيات) إلى ما دون خمس عشرة اليوم، في مسار لم يشهد أي انعكاس منذ 2011.

المغرب انتقل من دبلوماسية القنصليات إلى دبلوماسية البنية التحتية، ومن دبلوماسية الإقناع الثنائي إلى ترسيخ الشرعية في المرجعية الأممية ذاتها. القرار 2797 لا يمنح المغرب نصراً قانونياً جاهزاً، بل يضع كل دولة لا تزال تعترف بالبوليساريو أمام سؤال حرج: هل تختار الاصطفاف مع كيان يرفضه مجلس الأمن باعتباره إطاراً للحل، أم تلتحق بالتوافق الأممي المتسع يوماً بعد يوم؟

لهذا السبب تحديداً، فإن ما نشهده ليس موجة انسحابات سياسية ظرفية. إنها إعادة تشكيل استراتيجي لخريطة التحالفات القارية في عالم ما بعد الحرب الباردة، حيث لم تعد الأيديولوجيا ترفاً يمكن لدولة نامية أن تتحمل تكلفته في مواجهة المصالح.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى