المملكة الشريفةالإشعاع الدولي

الاتحاد الأوروبي يعتمد خريطة المملكة المغربية كاملة لأول مرة!

خريطة تُعلن ما عجزت عنه عقود من الدبلوماسية

في الصفحة الثانية والأربعين من التقرير السنوي للاستثمار الصادر حديثاً عن الاتحاد الأوروبي، تظهر خريطة لا تبدو للوهلة الأولى أكثر من توضيح جغرافي في وثيقة اقتصادية. لكن المدرك لخبايا هذا الملف يعرف أنها ليست خريطة عادية. إنها المغرب، كاملاً، بأقاليمه الجنوبية الممتدة من طرفاية إلى الگويرة، دون خط فاصل، دون تحفظ، دون الاستثناء الذي دأب الاتحاد الأوروبي على إدراجه في وثائقه الجغرافية على مدار عقدين. خريطة واحدة في تقرير استثماري أفصحت عمّا لم تُصرح به المذكرات الدبلوماسية الطويلة.

هذا التحول في رسم الخرائط ليس قرار موظف في مكتب الخرائط بالمفوضية الأوروبية. إنه انعكاس بصري لمسار سياسي اكتمل رسمياً في بروكسل يوم التاسع والعشرين من يناير 2026، حين انعقدت الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وخرجت بما لم يحدث منذ نشأة هذه الشراكة قبل ثلاثة عقود: موقف موحد بإجماع السبع والعشرين دولة الأعضاء، يدعم صراحةً الحل الذي يطرحه المغرب للنزاع المفتعل حول صحرائه.

من بروكسل، بالإجماع

وقّع وزير الخارجية ناصر بوريطة والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس بياناً مشتركاً وصف الحكم الذاتي المغربي بأنه “أحد أكثر الحلول واقعيةً وجدوى” للتسوية النهائية لهذا النزاع الإقليمي. الصياغة ليست عفوية. إنها تتطابق حرفياً مع لغة القرار 2797 الذي أصدره مجلس الأمن في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025، والذي دعا جميع أطراف النزاع إلى الانخراط في مفاوضات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي. تبنّى الاتحاد الأوروبي إعادة صياغة الطلب الأممي ذاته، مُكرراً الدعوة لجميع الأطراف بالانخراط في المناقشات “دون شروط مسبقة وعلى أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدّمه المغرب للتوصل إلى حل سياسي نهائي.”

وحين حاول عدد من البرلمانيين الأوروبيين اليساريين الطعن في هذا الموقف، ردّت كالاس بحسم تاماً، مؤكدةً أن الاتحاد الأوروبي بإجماع دوله السبع والعشرين حدّث موقفه من الصحراء خلال جلسة مجلس الشراكة المنعقدة في التاسع والعشرين من يناير، منسجماً صراحةً مع القرار 2797.  ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ في رد مكتوب رسمي مؤرخ في العشرين من فبراير 2026، ردّاً على سؤال كتابي من عضوة البرلمان الأيرلندية لين بويلان، أكدت كالاس مجدداً انسجام الاتحاد مع القرار 2797 واعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات في الإطار الأممي الحصري.  توضيح مكتوب، موثق، لا يقبل التأويل.

ثلاثون عاماً من الشراكة وقفزة نوعية

انعقدت جلسة بروكسل في سياق احتفالي، إذ تُصادف الذكرى الثلاثين لاتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي المبرمة عام 1995. غير أن اللحظة الاحتفالية حملت في طيّاتها أثقل تحول سياسي في تاريخ هذه الشراكة. أشار وزير الخارجية بوريطة في المؤتمر الصحفي الختامي إلى أن إدراج الأقاليم الجنوبية في هذه الاتفاقيات يعكس واقعاً سياسياً واقتصادياً وقانونياً يقبله الشركاء الأوروبيون قبولاً كاملاً، وأن الاتفاقيات التجارية وغيرها التي تشمل هذه الأقاليم تُولّد التنمية والاستقرار وتُرسّخ اندماج الصحراء بوصفها عنصراً لا جدال فيه في الشراكات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

الأرقام تُعزز هذا الواقع. يُعدّ المغرب المستفيد الأكبر من التمويل الأوروبي في شمال أفريقيا، إذ يتلقى ما يقارب 270 مليون يورو سنوياً خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، عبر المخصصات الثنائية واستثمارات الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة. هذا الرقم وحده يروي قصة شراكة تتجاوز البيانات السياسية إلى العلاقات الاقتصادية المتجذرة التي تجعل أي تحول في الموقف الأوروبي ذا ثقل استثماري حقيقي، لا مجرد إيماءة دبلوماسية.

مسار لم يبدأ في يناير

من سيُقدّم يوم التاسع والعشرين من يناير 2026 بوصفه حادثةً مفاجئة لن يكون قد تابع المسار الذي أفضى إليه. فالدول الأوروبية الكبرى كانت سبقت إلى هذا الموقف، واحدة تلو الأخرى، في تحول تدريجي لافت. أقرّت إسبانيا في مارس 2022 بأن خطة الحكم الذاتي المغربية هي الأساس الأجدى للحل، في قرار أنهى سنوات من التردد المدريدي إزاء ملف يُعدّ الأكثر حساسية في علاقاتها مع الرباط. ثم جاء الدور على فرنسا في يوليو 2024، حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون صراحةً دعم بلاده لمخطط الحكم الذاتي بوصفه الإطار الوحيد لتسوية النزاع. تلك المواقف الثنائية تراكمت وبنت الأرضية التي أفضت في نهاية المطاف إلى موقف أوروبي جماعي بالإجماع في يناير 2026.

إسبانيا فهمت هذا في مارس 2022، وفرنسا لحقت في يوليو 2024، وجلسة مجلس الشراكة في التاسع والعشرين من يناير أضفت الطابع المؤسسي على هذا المسار، تحويلاً له إلى توافق على مستوى الكتلة الأوروبية بأسرها. ما جرى في بروكسل ليس تغيير موقف، بل تتويج لمسار.

الخريطة ليست رمزاً

يُميل بعض المحللين إلى التقليل من شأن الوثائق الجغرافية، معتبرين إياها مسائل إجرائية لا أثر لها على السياسة الفعلية. بيد أن ظهور خريطة المغرب الكاملة في التقرير الاستثماري الأوروبي الرسمي يحمل دلالة تتجاوز الرمزية. فقد دأبت الاتفاقيات التجارية والجغرافية الأوروبية السابقة على الفصل البصري بين المغرب وأقاليمه الجنوبية، وهو ما طعن فيه المغرب مراراً بوصفه تحاملاً يتناقض مع الواقع القانوني والإداري والبشري على الأرض. الخريطة الجديدة تُغلق هذا الجدل.

وهذا التحول البصري في الخرائط لا ينفصل عن التحول التجاري الموازي. أمّن الاتفاق الزراعي المعدَّل الموقّع في أكتوبر 2025 أن تحظى المنتجات الزراعية من الأقاليم الجنوبية المغربية بالوصول التفضيلي ذاته الممنوح لمنتجات سائر مناطق المملكة، مُرسِّخاً الوحدة الاقتصادية للتراب المغربي في مواجهة أي محاولة للتجزئة. هكذا تسير الخريطة ومعها الاتفاقية والموقف السياسي في خط واحد، لا تناقض بينها.

مشاريع الأقاليم الجنوبية تتحدث بأرقام

ليس الإجماع الأوروبي معلقاً في الهواء، بل تدعمه حقائق اقتصادية متراكمة على الأرض تجعل أي موقف آخر مكلفاً وغير واقعي. فميناء الداخلة الأطلسي، الذي يندرج في إطار المبادرة الأطلسية الملكية الرامية إلى ربط دول الساحل بالمحيط، بات مشروعاً محورياً في رؤية التنمية الأوروبية-الأفريقية المشتركة. وتمثل الأقاليم الجنوبية محور ست مشاريع كبرى للهيدروجين الأخضر والأمونيا تبلغ قيمتها الإجمالية 30 مليار دولار، من بينها مشروع لشركة توتال إنرجيز بقيمة عشرة مليارات يورو. هذه ليست أرقام دعائية، بل التزامات موقّعة من كبرى الشركات الأوروبية التي قرأت الخريطة السياسية وآثرت الاستثمار في واقع الأمر لا في جدله.

الزخم الذي لا سبيل لإيقافه

تدرك الرباط أن ما تبنّاه الاتحاد الأوروبي يندرج في سياق أوسع بكثير من البيانات المشتركة. يأتي الموقف الأوروبي الجديد ليتوج الزخم الدولي الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس لإثبات مغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، والذي بلغ ذروته في اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025. حين يُجمع مجلس الأمن ومن بعده السبعة والعشرون دولة أوروبية على موقف واحد، لم يعد في الجعبة ما يُقال لمن يُريد المراهنة على مسار مختلف.

أشار البيان المشترك أيضاً إلى الدور المغربي البنّاء وذي الرؤية الاستشرافية في الاتفاقيات مع أوروبا، ولا سيما في الميثاق المتوسطي الذي أُطلق في برشلونة في نوفمبر 2025.  يُرسّخ هذا التوصيف المغرب شريكاً أوروبياً لا تستقيم المعادلة الإقليمية بدونه، وهو ما يجعل الموقف الأوروبي الجديد بشأن الصحراء نتاج حسابات شاملة تتجاوز هذا الملف وحده.

الخريطة في الصفحة الثانية والأربعين تقول كل هذا في صمت. ولعل الصمت هو أبلغ ما يُقال في دبلوماسية الخرائط.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى