جنوب الأطلسيمختارات

أفريقيا.. ما بين أدوات النفوذ الإيراني واستراتيجيات الصدّ المغربي

إيران في أفريقيا: من الاختراق العقائدي إلى المقايضة الأمنية

في الوقت الذي تتصاعد فيه المنافسة الدولية على النفوذ في القارة الأفريقية بين القوى الكبرى التقليدية (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا) والصاعدة (تركيا، الهند، الإمارات)، والمحلية (المغرب، جنوب أفريقيا، نيجيريا) تبرز إيران كلاعب إقليمي يسعى لتثبيت موطئ قدم استراتيجي عبر مقاربة متعددة الأدوات تجمع بين الاختراق العقائدي والتعاون العسكري والمقايضة الاقتصادية.

ما يميز الحضور الإيراني في أفريقيا ليس حجمه -فهو محدود مقارنة بالقوى الكبرى- بل طبيعته التي تجمع بين الأيديولوجيا والبراغماتية، وقدرته على استغلال الفراغات الجيوسياسية التي تخلّفها التحولات الإقليمية، خصوصاً في منطقة الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي والمغرب العربي.

وفق تقارير “جون أفريك” (Jeune Afrique) والمراكز البحثية الجيوسياسية لعام 2024-2026، تحوّلت الاستراتيجية الإيرانية في أفريقيا من مجرد “تصدير الثورة” عبر الدعوة الدينية، إلى مقاربة شاملة تشمل التعاون العسكري المباشر، والشراكات الاقتصادية، والتحالفات السياسية، مما يستدعي قراءة تحليلية لهذه الأدوات ومآلاتها الاستراتيجية.

الأركان العقائدية: القوة الناعمة كاستثمار طويل الأمد

تعتمد طهران على استراتيجية الاختراق الثقافي والديني كأداة أساسية لبناء نفوذ مستدام في القارة، وذلك عبر ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: جامعة المصطفى العالمية، التي تمثل الذراع الأكاديمي الأبرز للنفوذ الإيراني، بفروعها في النيجر، السنغال، والجزائر. تمنح الجامعة منحاً دراسية لآلاف الطلاب الأفارقة سنوياً -يُقدّر عددهم بأكثر من 10,000 طالب منذ تأسيسها- مما يخلق نخبة فكرية موالية تعود إلى بلدانها لتتولى مناصب دينية وأكاديمية وأحياناً سياسية.

ثانياً: المجمّع العالمي لأهل البيت، برئاسة “رضا رمضاني”، الذي يعمل كـشبكة دبلوماسية موازية تربط بين الحوزات العلمية والجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية الشيعية في أكثر من 30 دولة أفريقية. المجمّع لا يقتصر دوره على الدعوة، بل يقدم خدمات اجتماعية (صحة، تعليم، إغاثة) تعزز شعبية إيران في الأوساط المحلية.

ثالثاً: الحركة الإسلامية في نيجيريا، بقيادة “إبراهيم زكزكي”، والتي تُعتبر أكبر قاعدة شعبية شيعية في القارة بما يُقدّر بالملايين. رغم المواجهات الدموية مع السلطات النيجيرية (مجزرة زاريا 2015)، لا تزال الحركة تمثل نموذجاً لـ “حزب الله الأفريقي”، بتنظيمها شبه العسكري وولائها المعلن لطهران.

هذه الشبكة العقائدية ليست مجرد دعوة دينية، بل استثمار استراتيجي طويل الأمد يؤسس لنفوذ سياسي واقتصادي مستقبلي عبر خلق طبقة موالية في النخب الأفريقية.

التحوّل النوعي: من الدعوة إلى المسيّرات

في السنوات الأخيرة، انتقلت إيران من الاعتماد شبه الحصري على القوة الناعمة إلى التعاون العسكري المباشر، مستغلة ثلاثة تطورات جيوسياسية حاسمة:

أولاً: الفراغ الأمني في الساحل الأفريقي بعد الانسحاب الفرنسي (مالي 2022، النيجر 2023، بوركينا فاسو 2023) والتوتر مع الإيكواس. وفق تقارير “جون أفريك”، وقّعت إيران في 2024 اتفاقيات مع المجالس العسكرية في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر لتزويدها بمسيّرات “أبابيل-3″ و”مهاجر-6” لمكافحة الجماعات الجهادية. هذا التعاون لا يقتصر على بيع السلاح، بل يشمل تدريب تقني واستشارات عسكرية، مما يعزز الاعتماد المتبادل.

ثانياً: السودان والبحر الأحمر، حيث استأنفت إيران علاقاتها مع الخرطوم (2023) بعد قطيعة دامت عقداً. وفق مصادر استخباراتية غربية، قدّمت طهران دعماً عسكرياً ولوجستياً للجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، مقابل الحصول على موطئ قدم استراتيجي على ساحل البحر الأحمر (ربما عبر ميناء سواكن). هذا التواجد يخدم هدفين: تأمين ممرات بحرية عبر باب المندب بالتنسيق مع الحوثيين، والالتفاف على العقوبات الدولية عبر طرق بحرية بديلة.

ثالثاً: الشبكات اللوجستية لفيلق القدس، التي تستخدم بعض الدول الأفريقية كـمحطات وسيطة لنقل السلاح إلى حلفاء إيران الإقليميين (حزب الله، الحوثيين، الحشد الشعبي)، أو لتهريب النفط والبضائع لتجاوز العقوبات الدولية.

هذا التحوّل من “الدعوة” إلى “المسيّرات” يعكس براغماتية متزايدة في السياسة الخارجية الإيرانية تجاه أفريقيا، حيث أصبحت طهران شريكاً أمنياً لا مجرد داعية ديني.

المحور الاقتصادي: الموارد الاستراتيجية كورقة تفاوض

تسعى إيران للحصول على موارد أفريقية استراتيجية تدعم برامجها النووية والصناعية، مقابل تكنولوجيا زراعية وطبية:

  • اليورانيوم من النيجر:  رغم نفي رسمي من الطرفين، تشير تقارير استخباراتية إلى محاولات إيرانية للوصول إلى رواسب اليورانيوم النيجيري (ثالث أكبر احتياطي عالمياً).
  • الكوبالت من الكونغو وأوغندا: معدن حيوي للبطاريات والتكنولوجيا العسكرية، تسعى إيران لتأمين إمداداته عبر شركات واجهة.

بالمقابل، تستخدم إيران بعض الدول الأفريقية (موريشيوس، جيبوتي، تنزانيا) كـمنصات للالتفاف على العقوبات عبر شركات واجهة لتبييض الأموال وإعادة تصدير النفط والبتروكيماويات.

الجزائر: حجر الزاوية المتصدّع

تُعتبر العلاقة مع الجزائر حجر الزاوية في الاستراتيجية الإيرانية المغاربية، لأسباب ثلاثة:

أولاً: الخطاب المشترك المعادي للغرب، حيث تتبنى الدولتان خطاب “الجنوب العالمي” ضد “الهيمنة الأحادية”، مما يجعلهما حليفين طبيعيين في المحافل الدولية.

ثانياً: القضية الفلسطينية كمنصة تبرير أيديولوجي، حيث يرفع البلدان سقفاً خطابياً عالياً ضد إسرائيل.

ثالثاً: التوازن الإقليمي، إذ ترى إيران في الجزائر وزناً استراتيجياً يوازن النفوذ المغربي (الذي قطع علاقاته مع طهران في 2018 متهماً إياها بدعم جبهة البوليساريو عبر حزب الله).

لكن وفق “جون أفريك”، طرأت “برودة مفاجئة” في العلاقات (2025-2026) نتيجة ثلاثة عوامل:

أولاً: بعد الضربات الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران (فبراير 2026)، التزمت الجزائر “الحياد الحذر“، ولم تُدن الضربات صراحة، بل عبّرت عن تضامنها مع دول الخليج التي تعرّضت لتهديدات إيرانية. هذا الموقف شكّل صدمة للدبلوماسية الإيرانية.

ثانياً: أظهرت الجزائر أن أمن الخليج القومي “خط أحمر“، مما يعكس أولوية العلاقات مع السعودية والإمارات (الشريكين الاقتصاديين الأساسيين) على التضامن الأيديولوجي مع طهران.

ثالثاً: تخشى الجزائر من أن يؤدي التعاون الإيراني-العسكري مع دول الساحل إلى عدم استقرار على حدودها الجنوبية، أو جلب إسرائيل للرد على النفوذ الإيراني هناك.

هذه البرودة تكشف أن العلاقة الجزائرية-الإيرانية ليست عضوية كما تظن طهران، بل تكتيكية وبراغماتية، تستخدمها الجزائر كـورقة ضغط في صراعها مع المغرب، لكنها ترفض أن تتحول إلى “قاعدة خلفية” لمغامرات إيرانية تضر بمصالحها الأوسع.

قراءة استشرافية: فرص وتحديات

النفوذ الإيراني في أفريقيا يواجه حدوداً بنيوية:

أولاً: الموارد المحدودة لطهران (اقتصاد منهك بالعقوبات) تجعلها غير قادرة على منافسة الصين أو روسيا في حجم الاستثمارات.

ثانياً: الحساسية الأمريكية والإسرائيلية تجاه أي تواجد إيراني في أفريقيا (خصوصاً البحر الأحمر) قد يؤدي إلى ضربات استباقية.

ثالثاً: المحور الجزائري-الإيراني، رغم أهميته الرمزية، هش ومرهون بمصالح الجزائر الخليجية والأوروبية.

لكن طهران ستستمر في استغلال الفراغات الجيوسياسية (الساحل، السودان)، والحاجة الأمنية للمجالس العسكرية، والخطاب المناهض للغرب كأدوات للبقاء في المشهد الأفريقي.

بالنسبة للمغرب، هذه التطورات تفتح فرصاً دبلوماسية: استثمار برودة الجزائر-إيران لتعزيز العلاقات مع دول الخليج (الشركاء المشتركين)، وطرح نفسه كـبديل استقرار في المغرب العربي أمام المغامرات الإيرانية في المنطقة.

المغرب والنفوذ الإيراني: استراتيجية الموازنة الاستباقية

بالنسبة للمغرب، لا يمثّل التغلغل الإيراني في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل مجرد قلق أمني بعيد، بل تهديداً مباشراً لمنطقة تعتبرها الرباط عمقها الاستراتيجي الطبيعي منذ قرون. فالمملكة، بحكم جيناتها الإمبراطورية وامتدادها التاريخي جنوب الصحراء، تنظر إلى غرب أفريقيا كساحة نفوذ حيوية لا يمكن التفريط فيها لصالح قوى إقليمية منافسة، سواء كانت الجزائر أو إيران أو غيرهما.

لكن الرد المغربي على هذا التحدي لا يتّخذ طابعاً عسكرياً مباشراً (كما قد تفعل قوى أخرى)، بل يعتمد على استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الدبلوماسية النشطة، والتعاون الأمني المتدرّج، والاستثمار الاقتصادي المكثّف، والشراكة الدينية كبديل عقائدي، إلى جانب التحالفات الاستراتيجية مع دول الخليج. هذه الأدوات ليست مجرد ردود فعل على التحركات الإيرانية، بل تشكّل سياسة ثابتة ومنهجية سبقت التواجد الإيراني الحالي بعقود، لكنها تكتسب اليوم أهمية مضاعفة في ظل التنافس الجيوسياسي المتصاعد.

أولاً: الدبلوماسية الملكية النشطة – استثمار في رأس المال السياسي

منذ تولي الملك محمد السادس العرش (1999)، قام بأكثر من 50 زيارة رسمية لدول أفريقية، أغلبها في غرب أفريقيا. هذه الزيارات ليست بروتوكولية، بل جولات عمل مكثّفة تُوقّع خلالها عشرات الاتفاقيات في الطاقة، الفلاحة، البنية التحتية، والتعليم.

في السنوات الأخيرة (2020-2025)، حصد المغرب اعترافات متتالية من دول غرب أفريقية بسيادته على الصحراء (آخرها كانت من غانا)، وهو ما يعكس عمق العلاقات التي بنتها هذه الدبلوماسية النشطة. هذا الرصيد السياسي يُشكّل حاجزاً استباقياً أمام أي محاولة إيرانية لكسب نفوذ سياسي في المنطقة، إذ أن الدول التي اعترفت بمغربية الصحراء تربطها بالرباط التزامات استراتيجية تجعل من الصعب عليها الانحياز لطهران في أي تجاذب إقليمي.

ولعل ما يقوي الموقف المغربي أكثر في منطقة الساحل تجديدا، المبادرة الملكية الرائدة لربط دول الساحل الأربعة (تشاد، النيجر، مالي، بوركينافاسو) مع المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وهي المبادرة التي سارعت هذه الدول للترحيب بها كونها تضمن فك عزلة الجغرافيا التي تفصلهم عن أي منفذ بحري. هذه المبادرات وغيرها، لا قبل لاي دولة أخرى بمواجهتها أو التأثير على رؤيتها للنور.

علاوة على ذلك، انضم المغرب رسمياً إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) كعضو مراقب (2017)، وتقدّم بطلب عضوية كاملة، مما يعزز مأسسة حضوره في المنطقة عبر الأطر الإقليمية، ويمنحه منصة للتأثير في القرارات الأمنية والاقتصادية الجماعية.

ثانياً: التعاون الأمني – الشريك الموثوق في مكافحة الإرهاب

في مجال الأمن، يُعتبر المغرب شريكاً موثوقاً لدول الساحل وغرب أفريقيا في مكافحة الإرهاب، بفضل خبرته الميدانية (نجح في تفكيك مئات الخلايا منذ أحداث الدار البيضاء 2003) واحترافية أجهزته الأمنية.

يعتمد المغرب على ثلاثة محاور:

أ- التدريب والتكوين: تستقبل الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس ومراكز التدريب الأمني في الرباط سنوياً مئات الضباط من دول غرب أفريقيا والساحل للتكوين في مجالات مكافحة الإرهاب، الاستخبارات، والأمن الحدودي. هذا يخلق شبكة علاقات شخصية بين القيادات الأمنية المغربية ونظرائها الأفارقة، وهو رأسمال استراتيجي لا يُقدّر بثمن.

ب- التبادل الاستخباراتي: وفق تقارير أمنية، يتبادل المغرب بشكل منتظم معلومات استخباراتية مع نيجيريا، النيجر، مالي، السنغال، وبوركينا فاسو حول تحركات الجماعات الجهادية (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، داعش في الصحراء الكبرى، بوكو حرام). هذا التعاون الاستخباراتي يعزز مصداقية المغرب كشريك أمني فعّال، على عكس إيران التي يُنظر إليها بريبة (خشية من أجندة طائفية أو تصدير عدم استقرار).

ج- الموقف من المجالس العسكري: على عكس القوى الغربية التي قاطعت المجالس العسكرية في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، اتّخذ المغرب موقفاً براغماتياً متوازناً: لم بكن المغرب يوما من مؤيدي الانقلابات، لكنه وفق منهج الابتعاد عن إعطاء الدروس للأفارقة حول ا يتوجب عليهم فعله (يكاد يكون حالة خاصة عالميا في هذا الصدد)، لم يُدن الانقلابات صراحة، ولم يقطع العلاقات، بل حافظ على قنوات تواصل مفتوحة مع القيادات الجديدة. هذا الموقف يمنح الرباط ميزة تنافسية على القوى الغربية، ويُبقيه لاعباً مقبولاً في مرحلة انتقالية حسّاسة يستغلها الإيرانيون لتعزيز نفوذهم.

ثالثاً: الاستثمارات الاقتصادية – البنية التحتية للنفوذ الدائم

في الميدان الاقتصادي، يُعتبر المغرب أكبر مستثمر أفريقي في غرب أفريقيا، عبر ثلاثة قطاعات رئيسية:

أ- الأسمدة والفلاحة: المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، أكبر منتج ومصدّر للفوسفاط عالمياً، أنشأ مصانع أسمدة ضخمة في إثيوبيا ونيجيريا، ووحدات أقل حجما في دول أخرى، ويزوّد عشرات الدول الأفريقية بالأسمدة بأسعار تفضيلية، مما يجعله شريكاً حيوياً في الأمن الغذائي للقارة. هذا الحضور الاقتصادي يُترجم إلى نفوذ سياسي، إذ أن الدول المستفيدة تدرك أن علاقات جيدة مع المغرب = استقرار فلاحي.

ب- القطاع المصرفي: البنوك المغربية (Attijariwafa Bank، BMCE Bank of Africa، Banque Populaire) تمتلك فروعاً في أكثر من 25 دولة أفريقية، وتُسيطر على حصص سوقية كبيرة في دول مثل السنغال، ساحل العاج، مالي، بوركينا فاسو، وغينيا. هذا التواجد المصرفي يجعل المغرب لاعباً أساسياً في تمويل الاقتصادات المحلية، ويخلق شبكة مصالح متشابكة تعزز النفوذ السياسي.

ج- الربط الجوي والطاقة: الخطوط الملكية المغربية تربط الدار البيضاء بأكثر من 30 مدينة أفريقية، مما يجعل المغرب محوراً لوجستياً للقارة. كما تستثمر شركات مغربية في مشاريع طاقة متجددة (شمسية ورياحية) في السنغال، ساحل العاج، وغينيا، مستفيدة من الخبرة المغربية الرائدة في هذا المجال (مشروع نور ورزازات).

هذه الشبكة الاقتصادية تخلق اعتماداً متبادلاً يجعل من الصعب على هذه الدول الانحياز لإيران أو الجزائر في أي صراع إقليمي، لأن ثمن المغامرة قد يكون فقدان شريك اقتصادي حيوي.

رابعاً: الشراكة الدينية – نموذج الاعتدال كبديل عقائدي

في مواجهة الاختراق الديني الإيراني (التشيع)، يطرح المغرب نموذجاً دينياً بديلاً قائماً على المذهب المالكي (السني المعتدل) والتصوف، وهو النموذج السائد تاريخياً في غرب أفريقيا منذ قرون.

مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة (تأسست 2015) تضم اليوم علماء من أكثر من 48 دولة أفريقية، وتُنظّم دورات تكوينية سنوية في المغرب لمئات الأئمة الأفارقة، تركز على الفقه المالكي والقيم الوسطية.

هذا المشروع ليس مجرد دعوة دينية، بل استراتيجية ثقافية طويلة الأمد لمواجهة أي محاولة لتغيير النسيج الديني التقليدي في المنطقة، سواء من قبل السلفية المتطرفة (الجهادية) أو التشيع الإيراني. وبما أن غرب أفريقيا مالكية تاريخياً، فإن النموذج المغربي يُنظر إليه كـامتداد طبيعي وليس فرضاً خارجياً، مما يمنحه قبولاً شعبياً أوسع من المحاولات الإيرانية.

علاوة على ذلك، يُدرّب المغرب سنوياً مئات الأئمة والمرشدات الدينيات من دول أفريقية (خصوصاً مالي، السنغال، غينيا، نيجيريا) في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة بالرباط، مما يخلق شبكة علاقات دينية موالية للنموذج المغربي، وتشكّل حاجزاً ثقافياً أمام الاختراق الشيعي.

خامساً: التحالف الاستراتيجي مع دول الخليج – توازن القوى الإقليمي

يُدرك المغرب أن مواجهة النفوذ الإيراني في أفريقيا لا يمكن أن تكون منفردة، لذا يعتمد على تنسيق استراتيجي مع دول الخليج (خصوصاً الإمارات والسعودية) التي تشاركه نفس القلق من التمدد الإيراني.

أ- التنسيق في الساحل: وفق تقارير، يُنسّق المغرب مع الإمارات في دعم بعض المجالس العسكرية (النيجر، بوركينا فاسو) بـمساعدات إنسانية وبرامج تنموية، كبديل عن الدعم العسكري الإيراني. هذا التنسيق يهدف إلى تقديم خيار استراتيجي للقيادات العسكرية: شراكة مع المغرب-الخليج (استقرار + تنمية) أو شراكة مع إيران (سلاح + مغامرات).

ب- الاستثمارات المشتركة: الإمارات والسعودية تستثمران بكثافة في غرب أفريقيا (موانئ، طاقة، زراعة)، وأحياناً بالشراكة مع شركات مغربية، مما يخلق محور خليجي-مغربي اقتصادي يوازن النفوذ الإيراني.

ج- الموقف من الجزائر: العلاقات التاريخية الجزائرية-الإيرانية الأخيرة تخدم التحالف المغربي-الخليجي وتدعمه، إذ تُظهر أن الجزائر تحاول -في أفضل الحالات- الموازنة بين علاقاتها مع الخليج وتحالفها مع إيران. هذا الأمر يفتح فرصة دبلوماسية للمغرب لتعزيز التقارب الخليجي-المغاربي “الاستراتيجي” في مواجهة المحور الجزائري-الإيراني.

سادساً: الاستشراف – معادلة الصبر الاستراتيجي

المغرب، بحكم خبرته التاريخية في إدارة التوازنات الإقليمية والدولية، يعتمد على معادلة الصبر الاستراتيجي: لا مواجهة مباشرة مع إيران (تجنباً للتصعيد غير الضروري)، بل بناء تدريجي لشبكة نفوذ اقتصادية وأمنية ودينية ودبلوماسية تُضيّق الحيّز المتاح للنفوذ الإيراني.

هذه الاستراتيجية تقوم على افتراض أن الموارد الإيرانية محدودة، وأن التواجد الإيراني في أفريقيا هش (يعتمد على فرص ظرفية كالانسحاب الفرنسي)، وأن الحساسية الأمنية الدولية (أمريكا، إسرائيل، أوروبا) ستضع حدوداً لهذا التمدد. بالمقابل، الحضور المغربي عميق ومتجذّر في النسيج الاقتصادي والديني والثقافي لغرب أفريقيا، مما يجعله أكثر استدامة على المدى البعيد.

في النهاية، الرهان المغربي ليس على طرد إيران بالقوة، بل على تقديم نموذج أكثر جاذبية للدول الأفريقية: شراكة استراتيجية قائمة على التنمية الاقتصادية، الاستقرار الأمني، الاعتدال الديني، والاحترام السيادي، مقابل المغامرات الإيرانية التي قد تجلب تعقيدات أمنية وتوترات إقليمية غير محسوبة العواقب.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى