دراسات وتقاريرمختارات

هندسة الخروج المُرّ: ما هي الشروط الواقعية لإنهاء الحرب في الخليج

في أحيان كثيرة، لا تنتهي الحروب حين ينتصر أحد الطرفين، بل حين يعجز الجميع عن الاستمرار. هذه ليست مقاربة نظرية في الفلسفة السياسية، بل هي قاعدة مستخلصة من خمسة عقود من تاريخ الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط. وحين يجلس المراقب الاستراتيجي اليوم أمام خارطة المواجهة الدائرة منذ أواخر فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة المقابلة، يجد نفسه أمام معادلة من ثلاثة مجاهيل، كل مجهول منها يُعمّق اشتباك الآخرَين ويُعقّد الخروج من النفق.

السؤال الجوهري الذي تطرحه مراكز التفكير الكبرى اليوم ليس “من سيربح؟”، بل “ما هو الحد الأدنى الذي يمكن لكل طرف قبوله دون أن ينهار داخلياً؟” لأن الشروط المُعلنة على الطاولة -من كلا الجانبين- ليست شروط تسوية بل شروط استسلام، وهو ما لا يمكن لأي طرف قبوله علناً تحت النار.

أولاً: التشخيص الداخلي.. الجرح قبل المشرط

يخطئ كثير من المحللين حين يقيّمون قدرة الأطراف على الصمود من منظور عسكري بحت. الإرهاق الاستراتيجي ينبع أولاً من الداخل، لا من الجبهة. وواقع الأطراف الثلاثة اليوم يكشف تفاوتاً حاداً في نوع الضغط الذي يتعرض له كل منها.

الولايات المتحدة دخلت هذه الحرب وهي تحمل تناقضاً بنيوياً خطيراً. إدارة ترامب الثانية قامت على خطاب انتخابي صريح: إعادة الأمريكيين إلى الازدهار الاقتصادي، وتقليص الانخراط في حروب خارج الحدود. الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط يضرب هذا الخطاب في عمقه، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة الناجمة عن اضطرابات الملاحة في الخليج، وهو ما يترجمه المواطن الأمريكي في محطة البنزين قبل أن يترجمه المحلل في معهد بروكينغز. يُضاف إلى ذلك، الضغط المتصاعد من داخل الحزب الجمهوري ذاته، حيث يرى الجناح الانعزالي الذي يقوده رونالد بول ومحيطه أن هذه الحرب تُعيد إنتاج أخطاء عقد 2000. البنتاغون من جهته يعاني من معضلة مزدوجة: استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية في ظل استمرار الحاجة إليها على جبهتَي الهادئ وأوروبا الشرقية. واشنطن إذن ليست في وضع الرابح الذي يملي الشروط، بل في وضع من يبحث عن “انتصار يمكن تسويقه” دون تورط طويل الأمد.

إسرائيل تعيش المفارقة الأكثر إيلاماً. من الناحية التكتيكية، تمكنت من توجيه ضربات نوعية طالت بنى حيوية في المشروع النووي والمنظومة الصاروخية الإيرانية، وهو ما كان حلماً مستعصياً منذ سنوات. لكن التكلفة المفروضة عليها من الأطراف الوكيلة -لا من إيران مباشرة- تتجاوز ما قدّرته. الجبهة اللبنانية لم تُغلق، والمديات التي تصل إليها الصواريخ الحوثية باتت تُربك الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عمق الأراضي الإسرائيلية. والأخطر من ذلك أن الانقسام الداخلي الإسرائيلي، الذي لم يُحسم منذ أزمة إصلاح القضاء عام 2023، لا يزال حاضراً تحت قشرة الوحدة الوطنية الطارئة. نتنياهو يدير حرباً تخدم بقاءه السياسي أكثر مما تخدم الأمن القومي، وهذا التشابك بين الحسابين يجعل القرارات الاستراتيجية الإسرائيلية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ مما يبدو.

إيران بدورها تُخوض معركة بقاء بمعنى حرفي دقيق. الضربات التي طالت القيادة الإيرانية أحدثت فراغاً هيكلياً في أعلى هرم السلطة، تحاول مؤسسة الحرس الثوري ملئه بسرعة تفوق قدرتها الحقيقية على الإدارة. الاقتصاد الإيراني الذي كان يعاني أصلاً من ثقل العقوبات المتراكمة، يقف الآن أمام ضغوط تضخمية وانهيار في قيمة العملة يُهدد الاستقرار الاجتماعي. لكن المفارقة الإيرانية تكمن في أن “منطق الضعف” هو أحياناً ما يجعل التسوية أصعب: النظام الذي يشعر بأنه يواجه التفكك الوجودي، لن يقبل شروطاً تبدو وكأنها تُكرّس هزيمته، لأن القبول بها سيعجّل سقوطه الداخلي أكثر مما ستفعله الحرب ذاتها.

ثانياً: تشريح الشروط.. السقوف التفاوضية وأرضية الواقع

المشكلة الجوهرية في الشروط المُعلنة من كلا الجانبين أنها صُمِّمت للاستهلاك الداخلي قبل أن تُصمَّم للتفاوض الفعلي. الشروط الأمريكية -التخلي الكامل عن التخصيب، وإنهاء برنامج الصواريخ البعيدة المدى، وقطع الدعم عن الوكلاء الإقليميين- تعني في مضمونها مطالبة إيران أن تُسلّم نفسها عارية أمام أعدائها دون ضمانة أمنية مقابلة. لا توجد دولة في التاريخ الحديث قبلت بذلك طوعاً.

في المقابل، الشروط الإيرانية -الاعتراف الأمريكي بـ”العدوان” ودفع التعويضات، والانسحاب من القواعد الإقليمية، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان- تُعادل مطالبة إدارة ترامب بالاعتراف علناً بأنها كانت مُخطئة وأن تدفع ثمن خطئها. وهذا بحساب التوازنات السياسية الداخلية الأمريكية شبه مستحيل.

ما يفعله المفاوضون المحترفون في مثل هذه المواقف ليس إسقاط هذه الشروط، بل إعادة صياغتها لغوياً بحيث يبدو كل طرف أنه “حقق جوهر مطالبه” فيما هو فعلياً يتراجع عنها. وهنا يكمن مربع التسوية الواقعية الذي تتحدث عنه التسريبات الصادرة عن مجموعة الأزمات الدولية ومعهد الشرق الأوسط.

ثالثاً: ملامح التسوية الممكنة.. خريطة التنازلات المتبادلة

تتشكل من تحليل معطيات المفاوضات غير المباشرة والتسريبات المتقاطعة ملامح تسوية تقوم على أربعة محاور متشابكة، لا على صفقة شاملة واحدة:

في الملف النووي:  ستكون الصيغة على الأرجح “التجميد المُشرَّف” لا “الإنهاء الرسمي”. إيران لن توقّع على التخلي عن حقها في التخصيب كمبدأ سيادي، لكنها يمكن أن تقبل بتقييد نسبة التخصيب إلى مستوى تتفق عليه مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع عودة منظومة التفتيش الدولية بصلاحيات موسّعة. في المقابل، ستحتاج واشنطن إلى حزمة ضمانات يتم التفاوض عليها بصورة غير مباشرة، تشمل استبعاد “تغيير النظام” صراحةً من أجندة السياسة الأمريكية. هذه الصيغة ستُقدَّم أمريكياً باعتبارها “تفكيكاً للبرنامج النووي الإيراني” وستُقدَّم إيرانياً باعتبارها “حفاظاً على الحق النووي المشروع”. كلا السرديتين كاذبتان جزئياً، وكلتاهما ستحظيان بقبول مجتمعي كافٍ في طرفيهما.

في ملف الصواريخ:  التسوية الواقعية هنا ستكون معقدة لأنها تتداخل مع مصالح إسرائيلية مباشرة لا مصالح أمريكية فحسب. الأرجح أن يتم التوصل إلى “ترتيب تقني” يقضي بتجميد تطوير الجيل الجديد من الصواريخ الفرط صوتية واختبارها، مقابل رفع جزئي للعقوبات المرتبطة بقطاع الطاقة يُتيح لإيران تصدير نفطها بصورة مقيّدة. هذا الترتيب لن يُعلن بشكل رسمي كـ “اتفاقية صواريخ”، بل سيتم استيعابه ضمن صياغة أشمل تتعلق بـ “استقرار المنطقة”.

في ملف الوكلاء الإقليميين:  هذا هو البند الأكثر تعقيداً، والأقل قابلية للحل العاجل. إيران لن تُقدم على “قطع العلاقة” مع حزب الله أو الحوثيين لأن هذا يعني التنازل عن أهم أوراق ردعها الاستراتيجي. لكن التسوية الممكنة هنا هي “تجميد عملياتي” مُعلَن بصورة غير رسمية، بحيث تلتزم هذه الأطراف بوقف العمليات الهجومية خارج حدودها الجغرافية المباشرة. في لبنان تحديداً، سيتضمن أي اتفاق على الأرجح ترتيباً أمنياً في جنوب الليطاني بمشاركة دولية توفر “فاصلاً وظيفياً” دون أن يوقّع عليه أحد بالاسم كـ “انسحاب إسرائيلي”.

في الملف الاقتصادي والرمزي:  هذا هو البند الذي يمكن بموجبه إتمام الصفقة، لأنه يوفر لكل طرف ما يحتاجه للاستهلاك الداخلي. واشنطن ستُقدّم الاتفاق باعتباره “انتصاراً استراتيجياً أجبر إيران على التراجع”. طهران ستُقدّمه باعتباره “انتصاراً مقاوماً أجبر الغرب على الاعتراف بحقوقها”. وإسرائيل ستُقدّمه باعتباره “إنجازاً تاريخياً أخّر المشروع النووي الإيراني عقوداً”. ثلاثة روايات للحدث ذاته، وهذا جوهر كل تسوية ناجحة في الشرق الأوسط منذ كامب ديفيد.

رابعاً: المعوّقات البنيوية.. الألغام المدفونة في الطريق

لكن الطريق إلى هذه التسوية محفوف بعقبات هيكلية تتجاوز مجرد الإرادة السياسية:

أولى هذه العقبات ما يمكن تسميته “معضلة التزامن “:  كل طرف يريد أن يُقدّم الآخر تنازله أولاً، لأن التحرك الأول يبدو كالتراجع أمام الرأي العام الداخلي. هذه المعضلة هي التي جعلت الوساطة القطرية العُمانية ضرورة لا خياراً، إذ يوفر الوسيط “غطاء التزامن” الذي يسمح للطرفين بالتحرك في آنٍ واحد.

ثانياً، عامل إسرائيل الداخلي:  نتنياهو ليس طرفاً واحداً، بل هو ائتلاف هش من الإسرائيليين الذين يريدون التسوية لاستعادة الحياة الطبيعية، والذين يريدون الاستمرار لتصفية الحسابات مع إيران نهائياً. الجناح المتشدد داخل الحكومة الإسرائيلية قادر على تفجير أي اتفاق يبدو أقل من “النصر الكامل”.

ثالثاً، هشاشة القيادة الإيرانية:  الفراغ القيادي الناجم عن الضربات الأولى يعني أن المفاوض الإيراني لا يملك دائماً صلاحية الالتزام نيابةً عن كل مراكز القرار الفعلية. الحرس الثوري والجهاز الديبلوماسي لا يتحدثان دائماً بصوت واحد، وهذا يجعل أي اتفاق يُوقَّع على مستوى عالٍ قابلاً للتقويض من مستويات دنيا رافضة.

رابعاً، الحادثة غير المحسوبة:  كل تسوية تحتاج إلى “نافذة هدوء” كافية لإنضاجها. ضربة واحدة خاطئة على مدرسة أو مستشفى أو ناقلة نفط مدنية كفيلة بإغلاق هذه النافذة لأشهر.

خامساً: القوى الإقليمية.. الوسطاء الفعليون

في ظل استحالة التفاوض المباشر العلني، يبرز ثلاثة لاعبين إقليميين يملكون أوراقاً حقيقية للوساطة:

عُمان تحتفظ بقناة اتصال مع طهران لم تنقطع منذ عقود، وتاريخها في احتضان المفاوضات السرية الأمريكية-الإيرانية موثَّق ومعترف به. اليوم تقوم مسقط بدور محوري في نقل الرسائل، وإن كانت قدرتها على إلزام أي طرف محدودة.

قطر تملك ورقة “الأطراف الوكيلة” أكثر مما تملك ورقة التفاوض المباشر. حوارها مع حركة حماس وتاريخها مع الفصائل المختلفة يجعلها قادرة على التأثير في ديناميكيات الجبهات الفرعية.

تركيا هي الأكثر طموحاً والأقل قدرة على الحياد. أنقرة تريد أن تكون الوسيط الكبير لأسباب تتعلق بمشروعها الإقليمي الخاص، لكنها تحمل أعباءً تاريخية مع كل الأطراف تُعقّد موقعها التفاوضي.

السيناريو الأرجح أن الوساطة ستكون “توزيعية”: عُمان لقناة واشنطن-طهران، قطر لإدارة ملف الوكلاء، وتركيا لتسويق الصفقة لدى الرئيس ترامب، والسعودية -التي تراقب بمزيج من القلق والحساب- لتوفير الغطاء المالي لأي حزمة إعمار تُرافق الاتفاق.

خاتمة: سلام بلا منتصرين

لن يُكتب في نهاية هذه الحرب -إن انتهت- كتاب بعنوان “كيف انتصرنا”. سيُكتب في أحسن الأحوال ملف دبلوماسي سري يوضع في خزائن وزارات الخارجية، تُفهرَس فيه التنازلات التي أبدى كل طرف استعداده لتقديمها حين أيقن أن الاستمرار أكثر إيلاماً من التراجع.

ما تكشفه تحليلات مراكز التفكير الكبرى عند قراءتها بين السطور هو أن “منطقة التقاطع” موجودة فعلاً، لكنها تظل محجوبة بحواجز الغرور السياسي وحسابات البقاء في السلطة. الجدول الزمني ليس في يد العقلاء، بل في يد عوامل الاستنزاف: كيف سيتحمل الاقتصاد الأمريكي ارتفاع الطاقة، وكيف ستتحمل المدن الإيرانية موجة اللاجئين الداخليين، وكيف ستتحمل إسرائيل كلفة الاستنزاف اليومي على جبهات متعددة.

حين يصل الاستنزاف إلى نقطة اللاعودة لدى الأطراف الثلاثة في آنٍ واحد -وهي نقطة تقترب لا محالة- ستظهر على الأرجح فجأة “إرادة سياسية” كانت غائبة. ليست الحروب من يصنع التسويات، بل الإرهاق الداخلي الذي تصنعه الحروب.

هيثم شلبي

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى