
عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية: حين تُثبت الحرب عكس أهدافها!
ثمة لحظات في التاريخ تنتهي فيها حقبة لا بإعلان رسمي، بل بحدث يكشف هشاشة ما كان يُظنّ صلباً. كانت الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وحلفائها واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تصبح فيها الهزيمة الاستراتيجية أشدّ إيلاماً من الهزيمة الميدانية، لأنها تعرّي الوهمَ الذي كان يحمل الهيمنة على كتفيه منذ عقود.
لم يكن الأمر مجرد فشل في تحقيق أهداف ميدانية محددة. كان ذلك ما وصفه معهد بروكينغز بـ”اللحظة الكاشفة”، تلك اللحظة التي تتجلى فيها الفجوة الحقيقية بين القوة المُعلنة والقوة الفعلية، بين الردع المُدّعى والردع الحقيقي. وحين تتجمع تقييمات مراكز تفكير مستقلة كمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ومعهد RAND، ومعهد كارنيغي للسلام الدولي، ومعهد شاتام هاوس البريطاني، وتنتهي إلى خلاصات متقاربة في جوهرها، فإن المشهد يتجاوز رأي محللين اثنين أو ثلاثة ليصبح قراءة جماعية لنهاية مرحلة.
جدول المحتويات
أولاً: الهدف المُعلن والنتيجة المقلوبة
دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المعادلة بأهداف محددة المعالم: تفكيك البرنامج النووي الإيراني، إجهاض شبكة الوكلاء الإقليميين، وتوجيه ضربة تُعيد رسم موازين القوى في المنطقة وفقا لمصالح إسرائيل ودول المنطقة التي تؤمن بتفوقها وتقبل بهيمنتها. غير أن ما أفرزته الحرب كان على النقيض من هذه الأهداف بصورة شبه كاملة.
فإيران التي دخلت المعركة في موقع دفاعي خرجت منها تستمد شرعيةً مكتسبةً في مواجهة الضغط الغربي. ومنظومة الوكلاء التي أُريد تفكيكها أثبتت قدراً من المرونة والتكيف أعاد رسم معادلات الردع الإقليمي من جديد. أما إسرائيل، فقد وجدت نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد: نجاحات تكتيكية محدودة في مقابل تكاليف استراتيجية باهظة تتعلق بشرعيتها الدولية وعزلتها المتصاعدة، وتعزز عوامل تفككها الداخلي.
والمفارقة أن أوضح مؤشر على الهزيمة الاستراتيجية لا يكمن في ميادين القتال، بل في أرقام الرأي العام الدولي. فبحسب مسح بيو للأبحاث الذي شمل 28 ألف شخص في 24 دولة أُجري بين يناير وأبريل 2025، فإن 62% من المستطلَعين في وسط هذه الدول أعلنوا انعدام ثقتهم في ترامب للتصرف الصحيح في الشؤون الدولية، فيما تراجعت نسب تأييد الولايات المتحدة بين 2024 و2025 في 19 دولة من أصل 24 . وأشد ما في الأرقام دلالةً أن المكسيك شهدت تراجعاً بمقدار 32 نقطة مئوية في نسب التأييد لتصل إلى 29%، فيما انهارت في كندا إلى 34%، وفي السويد إلى 19% وهي دول كانت تُعدّ حتى أمس قريب من أوثق الحلفاء.
وعلى صعيد أشمل، انهار الرصيد الأمريكي في مؤشر إدراك الديمقراطية الدولي إلى نقاط صافية سلبية بلغت ناقص خمسة، وهو تراجع بمقدار 22 نقطة خلال عام واحد. وفي قراءة تجمع بين المعطيين: الحرب في الشرق الأوسط وتحولات السياسة الخارجية الأمريكية الأشمل قد وضعا معاً حداً لنمط التأثير الناعم الذي كان يُشكّل الجزء غير المرئي من الهيمنة الأمريكية.
ثانياً: الصين وروسيا، الرابحان غير المتوقَّعَين
ما لم تُقدّره واشنطن هو أن الحروب في عصر تعدد الأقطاب لا تُنتج خاسرين ورابحين فحسب بين المتحاربين المباشرين، بل تُعيد توزيع الأوراق على الطاولة الدولية بأكملها.
الصين خرجت من هذه الأزمة بمكاسب مركّبة تمتد من أسواق المال إلى الجغرافيا السياسية. فعلى صعيد التموضع المالي، تجاوزت الصين الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخ استطلاعات غالوب بهامش خمس نقاط مئوية؛ إذ بلغت نسبة تأييد القيادة الصينية عالمياً 36% مقابل 31% للولايات المتحدة، وهو أوسع فارق لصالح بكين في ما يقارب عقدين من الرصد ، وعلى صعيد العملة والتجارة، أتمّت مؤسسات بنك الصين في 2024 تسويات عابرة للحدود بالرنمينبي تجاوزت 43 تريليون يوان، أي ما يعادل 6 تريليونات دولار، بزيادة 31% على أساس سنوي . فضلاً عن ذلك، تجاوز اليوان الدولار في حصته من المدفوعات الصينية العابرة للحدود منذ مارس 2023، ليبلغ 52.9% من إجمالي مدفوعات الصين بحلول مارس 2024، في حين تراجعت حصة الدولار في احتياطيات الصرف الأجنبي العالمية من 71% عام 1999 إلى 56.3% في منتصف 2025، وهو أدنى مستوى خلال ثلاثة عقود .
روسيا، من جهتها، استفادت على مستويين متكاملين: الأول رفع الضغط الغربي الكلي عنها حين انخرطت واشنطن في جبهة شرق أوسطية بالغة التعقيد. والثاني أن الحرب أعادت الاعتبار للنقاش حول “مشروعية أمن الدولة” في مواجهة التدخل الخارجي. والأرقام تُعزز الصورة: بلغت نسبة تسويات التجارة الروسية داخل مجموعة بريكس بالعملات المحلية 90% في 2024، وهو ما كان يبدو وهماً لا يمكن تحقيقه قبل سنوات قليلة.
ثالثاً: الشراكة الأطلسية، الشرخ الذي يتسع
ربما كان أبلغ دلالةً على عمق التحول هو ما يحدث داخل الحلف الأطلسي ذاته. فأوروبا كانت تحاول الموازنة بين الإخلاص للحليف التاريخي وضرورات المصلحة الاستراتيجية المستقلة. لكن الانخراط الأمريكي في الحرب دون تشاور كافٍ مع الحلفاء الأوروبيين، بل وتجاهل تحذيراتهم من التصعيد، ضرب عمق الثقة في برلين وباريس ولندن.
والمفارقة اللافتة أن هذا الشرخ لا يُعبَّر عنه بالشعارات المضادة، بل بالقرارات الهادئة والأرقام الصاخبة. فالإنفاق الدفاعي الأوروبي لم يعد مجرد إيفاء بالتزامات الناتو، بل تحوّل إلى مشروع استقلالية استراتيجية حقيقية. فبحسب أحدث بيانات الناتو، ضاعف الأوروبيون وكندا إنفاقهم الدفاعي من 574 مليار دولار إلى ما يزيد على 607 مليار دولار في 2025، بزيادة 20% عن 2024، بعد أن كانت الحصة الأوروبية لا تتجاوز 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014. وللمرة الأولى في التاريخ المُسجَّل للحلف، تجاوزت دولة أوروبية -النرويج- الولايات المتحدة في الإنفاق الدفاعي بالنسبة للفرد. بل ذهب الأوروبيون أبعد من ذلك: أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة ReArm Europe لتعبئة 800 مليار يورو للإنفاق الدفاعي حتى 2029، فيما وصل إجمالي الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء إلى 381 مليار يورو في 2025، بزيادة 62.87% مقارنة بعام 2020 .
ويُصنّف معهد شاتام هاوس البريطاني هذا التوجه بـ”الاستقلالية الاستراتيجية الهادئة”، وهو مصطلح يلخّص جوهر التحول: أوروبا لا تُعلن الطلاق من واشنطن، لكنها تبني منزلاً آخر في الوقت ذاته.
رابعاً: التحولات في الهوامش، من طوكيو إلى كانبيرا
إذا كان ما يجري في أوروبا يُجسّد “الاستقلالية الهادئة”، فإن ما يحدث في آسيا-المحيط الهادئ يُجسّد “إعادة التسلح الكامل”. فالدول التي ظلت لعقود تحت المظلة الأمنية الأمريكية شرعت في بناء قدراتها الذاتية بوتيرة لم تعرفها منذ نهاية الحرب الباردة.
اليابان تتصدر المشهد: يُتوقع أن يبلغ إنفاقها الدفاعي 60.2 مليار دولار في 2025، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، في مسار يستهدف بلوغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027 عوضاً عن 2030 كما كان مقرراً. وتشتري طوكيو 400 صاروخ توماهوك أمريكي بكلفة 2.35 مليار دولار في إشارة واضحة إلى القطيعة مع مبدأ الدفاع الصرف، مُحوّلةً عقيدتها نحو “ردع الضربة المضادة”. أستراليا بدورها رفعت ميزانيتها الدفاعية إلى 34 مليار دولار في 2025 لتسريع برامج الضربة بعيدة المدى وبرنامج الغواصات الذي يمتد حتى 2030. أما كوريا الجنوبية، فتواصل توسيع صناعتها الدفاعية الوطنية لتصبح مُصدِّراً كبيراً لا مستورداً فحسب، في تحول لافت يعكس ثقة متنامية بالاستقلالية الاستراتيجية.
الهند تسير على خطى مختلفة لكن بالاتجاه ذاته: تخصص نحو ثلث ميزانيتها الدفاعية البالغة 79 مليار دولار للمنظومات المصنوعة محلياً في إطار مبادرة “صنع في الهند”، بينما تُوسّع علاقاتها مع موسكو وبكين بمعزل عن الإملاءات الأمريكية، مُجسّدةً نموذج “الاستقلالية الاستراتيجية” بأجلى صوره.
خامساً: تآكل الهيمنة المالية
لعل الوجه الأكثر عمقاً وهدوءاً لهذا التحول يتجلى في تآكل الهيمنة الدولية للدولار، ذلك السلاح الصامت الذي طالما مكّن واشنطن من فرض عقوباتها وإذعان خصومها. فمنذ توظيف الدولار سلاحاً في العقوبات على روسيا، سارعت دول كثيرة إلى بناء تحصينات مالية بدت حتى الأمس القريب ضرباً من المستحيل.
المؤشرات قاطعة: تراجعت حصة الدولار في الاحتياطيات الأجنبية العالمية من 71% عام 2000 إلى نحو 56% في 2025، في حين ارتفعت حصة اليوان في الدفع العالمي إلى 3.17% في سبتمبر 2025 وفق بيانات سويفت، كما وصلت حصته من تداول العملات الأجنبية إلى 8.5% لتسجل أكبر ارتفاع بين جميع العملات. وتشمل شبكة اتفاقيات مبادلة العملة الصينية اليوم أكثر من 30 بنكاً مركزياً في مختلف أنحاء العالم. وفي سياق الطاقة تحديداً، أبرمت الهند والإمارات اتفاقيات لتسوية معاملات النفط بالروبية والدرهم، فيما قفز مؤشر الدولار بنسبة تراجع بلغت 9.5% في 2025، مما دفع أسعار الذهب إلى أرقام قياسية تجاوزت 3900 دولار للأوقية.
ثمة تحفظ تحليلي ضروري هنا: الدولار لا يزال يحتل 56% من الاحتياطيات العالمية، وهيمنته تبقى راسخة في سوق السندات الأمريكية وفي المعاملات الكبرى. لكن القصة الحقيقية ليست في الانهيار المفاجئ، بل في التحول البطيء الذي يجرد الولايات المتحدة تدريجياً من أهم أسلحة هيمنتها: قدرة الإكراه المالي. وهو تحول يستغرق عقوداً لإتمامه، لكن اتجاهه لم يعد موضع شك.
سادساً: نهاية الهيمنة أم نهاية نمط الهيمنة؟
ثمة تمييز جوهري يستوجب الدقة التحليلية قبل الختام. الحديث ليس عن نهاية القوة الأمريكية في حد ذاتها؛ فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وأقوى آلة عسكرية عرفتها البشرية، وإنفاقاً دفاعياً ناهز 895 مليار دولار في 2026، أي ما يزيد على مجموع ميزانيات الدول العشر التالية. لكن ما انتهى -وهذا هو جوهر التحول الحقيقي- هو نمط الهيمنة القائم على قدرة واشنطن على تشكيل القواعد الدولية وفرضها، واستخدام النظام المالي العالمي أداةً للإكراه، والتدخل العسكري دون تحمّل تكاليف استراتيجية كاسحة.
بيتر تورشين، مؤسس علم الديناميكا التاريخية، يُقدّم قراءة أكثر حدة: النماذج التاريخية تُشير إلى أن اللحظات التي تُنتج فيها القوة المهيمنة أزمات خارجية دون تحقيق أهدافها تُسرّع دورات الانحدار بصورة غير خطية. بمعنى أن التأثيرات المتراكمة لهذه الأزمة لن تظهر بكاملها في السنة القادمة، لكنها ستُشكّل بيئة دولية مختلفة جذرياً خلال عقد. أما إيمانويل تود، الديموغرافي الفرنسي ذو النظرة المدهشة في الاستشراف، فيُميّز بين “تآكل الهيمنة” و”انهيارها”، مُشدداً على أن التحولات الكبرى في النظام الدولي تستغرق عادةً جيلاً لإتمامها، لكنها تنطلق دائماً بلحظات-مفصل كالتي نعيشها اليوم.
خاتمة: رهانات المغرب في النظام الجديد
في هذا المشهد الذي تتحول فيه الخرائط الاستراتيجية بوتيرة غير مسبوقة، يجد المغرب نفسه في موقع نادر الخصوصية. فهو دولة تربطها علاقات استراتيجية متينة مع واشنطن، وشراكة اقتصادية عميقة مع أوروبا التي تبني استقلاليتها، وعلاقات موثوقة مع بكين وموسكو في الوقت ذاته، وحضور أفريقي متصاعد يمنحه ثقلاً في الجنوب العالمي الذي يُعيد رسم مراكز الجاذبية الدولية.
هذا التعدد في الشراكات -الذي طالما اعتبره بعضهم “غموضاً استراتيجياً”- أثبت في ضوء التطورات الأخيرة أنه حكمة استراتيجية عميقة الجذور. فالدول التي راهنت على قطب واحد تجد نفسها اليوم أمام خيارات مؤلمة، في حين تمتلك المملكة المغربية مرونة التموضع في عالم متعدد الأقطاب دون أن تدفع ثمن القطيعة مع أي من مراكزه الكبرى.
عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية ليس بالضرورة عالماً أقل استقراراً للجميع. قد يكون، للدول التي تُحسن قراءة اللحظة وتتموضع بذكاء، عالماً أوفر حرية وأغنى خياراً. المغرب -بمشروعه الاستراتيجي الذي يمتد من الأطلسي جنوباً إلى المتوسط شمالاً- مُهيَّأ لأن يكون من الرابحين في هذه المرحلة الانتقالية الكبرى، مع توظيفه الجيد لأوراقه، بالدقة والجرأة التي تستدعيها اللحظة التاريخية.



