
جمهورية الاقتراع المُعلَّب: حين تُصمِّم الجزائر برلمانها في المكاتب الأمنية
ثمة لحظات نادرة تكشف فيها الأنظمة عن طبيعتها الحقيقية دون أن تقصد. ما جرى في الجزائر خلال أيار 2026، في الأيام العشرة الفاصلة بين إيداع لوائح المترشحين للانتخابات التشريعية والإعلان عن المقبولين منها، هو واحدة من تلك اللحظات. لم يكن تطبيقاً صارماً للقانون، ولا حملة موثقة لمكافحة الفساد. كان ما جرى أقرب إلى عملية “تصميم داخلي” للبرلمان القادم، قبل أن يدلي أي ناخب بصوته.
النتائج باختصار: مئات المترشحين تم إقصاؤهم في 69 ولاية والدوائر الخارجية الثماني، بنسب لا تقل عن ثلث القوائم وتصل في بعض الحالات إلى أربعة أخماسها. الأحزاب المتضررة؟ جميعها. المعارضة والموالاة على حد سواء. حتى جبهة التحرير الوطني، الحزب الذي صنع الدولة الجزائرية وقبض على مقاليدها عقوداً، فقد ثلاثة أرباع قائمته في بومرداس. فإذا كان هذا حال الحليف، فبماذا نصف ما ينتظر الخصم؟
الأرقام لا تحتاج تعليقاً
نسبة 78.94 بالمئة من مترشحي “صوت الشعب” في الجزائر العاصمة ذهبوا إلى سلة المهملات الأمنية قبل أن يلتقوا بأي ناخب. “التجمع الوطني الديمقراطي” في البليدة خسر 58.82 بالمئة من قائمته. “حركة البناء الوطني” المحسوبة على الموالاة الرئاسية الحالية تخلصت منها الأجهزة في ميلة بنسبة 58.33 بالمئة. حتى “حركة مجتمع السلم” الإسلامية فقدت أكثر من ثلث قائمتها في العاصمة.
هذا ليس تطبيقاً للمعايير. هذه هندسة. والفارق بين الاثنين يشبه الفارق بين حكم مباراة وإخراج مسرحية.
الموعد المحدد لاستبدال من تم إقصاؤهم هو السادس من يونيو. لمن لا يعرف الرياضيات السياسية الجزائرية: أسبوع واحد لإيجاد مترشحين بديلين “مقبولين أمنياً” يحظون بثقل انتخابي، في ولايات متعددة، بنسب استبدال تتجاوز أحياناً نصف القائمة. هذا ليس جدولاً زمنياً ضيقاً، هذا فخ مُحكَم.
المبررات: من اخترع هذا الكلام؟
استندت “السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات” – والاستقلالية هنا لمن لا يعرف مقومات الاستقلالية ضرب من الفكاهة اللغوية – إلى ثلاثة أبواب للإقصاء:
الأول هو “شبهات المال الفاسد”. مبرر نظيف على الورق، مثير للإعجاب أخلاقياً، لا غبار عليه. المشكلة الوحيدة أن الإقصاء يتم بموجب “تقارير أمنية موازية”، لا بأحكام قضائية نهائية. بمعنى آخر، يكفي أن يكتب ضابط استخبارات ورقة بحقك لتجد نفسك خارج اللعبة قبل أن تبدأ، دون محاكمة ودون حق في الرد. دستورياً هذا يُسمى شيئاً بعينه، لكن الجزائر تُسميه “حماية النزاهة الانتخابية”.
الثاني هو “اتخاذ مواقف تشكك في جهود الدولة ومؤسساتها”. هذا البند هو الأكثر إبداعاً في تاريخ الهندسة الانتخابية الجزائرية. إذا ترجمناه بصدق: كل من انتقد السياسات الحكومية علناً فهو “مشكِّك في المؤسسات”. وكل مشكِّك في المؤسسات لا مكان له في البرلمان. أي برلمان يُفترض به مراقبة هذه المؤسسات ذاتها. دوامة منطقية جميلة تستحق إدراجها في كتب الفلسفة السياسية، باب “كيف تبني ديمقراطية بلا معارضة”.
الثالث هو التعقيدات التقنية في جمع التوقيعات، والتي حصدت بالتساوي المترشحين من الداخل والخارج. آلية متساوية الظلم ديمقراطية بامتياز.
ردود الفعل: فُرز جديد في حديقة السلطة
ثمة من تكلم ومن صمت، والصمت في السياسة الجزائرية أبلغ من الكلام عادة.
“حركة مجتمع السلم” تكلمت ووصفت ما جرى بـ”الهندسة المسبقة للمشهد الانتخابي”. ثم لجأت إلى خطوة توضح حجم الورطة التي تجد نفسها فيها: ناشدت الرئيس تبون شخصياً للتدخل. أي أن الحزب يطلب من رأس السلطة التنفيذية التدخل ضد قرارات الجهاز الذي يعمل تحت مظلة تلك السلطة ذاتها. هذا إما دليل على نزاهة استثنائية لتبون، أو دليل على أن الحركة نفذت خياراتها.
“التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” و”جيل جديد” ذهبا أبعد ووصفا الأمر بالمناورة المتعمدة، مستنكرَين توجيه تهم الارتباط بأنشطة مشبوهة لمترشحين دون مسار قضائي. وهم محقون تماماً، لكن الاحتجاج بالمبادئ الدستورية في وجه جهاز أمني لا يعتبر الدستور مرجعاً ملزماً له يشبه إقناع مدير سجن بأن المعتقل بريء بالاستناد إلى لوائح الإجراءات الجنائية.
أما “جبهة التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي”، فقد اختارا الصمت رغم أنهما الأكثر تضرراً. هذا الصمت هو الأصدق تعبيراً عن موازين القوى الحقيقية في الجزائر: حتى الحزب الحاكم تاريخياً لا يجرؤ على الاحتجاج حين تقرر الأجهزة الأمنية رسم ملامح البرلمان القادم.
إلى أين يسير هذا النظام؟
ثمة سؤال استراتيجي جوهري يطرحه ما جرى: ما الذي تريده أجهزة القرار الجزائرية تحديداً من برلمان 2026؟
الجواب المُعلَن: برلمان نظيف خالٍ من الفساد ومن الأصوات المعارضة للتوجهات الرسمية.
الجواب الحقيقي أكثر تعقيداً. الجزائر تمر بضغوط اقتصادية متصاعدة: احتياطيات العملة الصعبة في تراجع، فاتورة دعم الدولة للمواد الأساسية ترهق الميزانية، وملف التنويع الاقتصادي لم يتجاوز مرحلة المؤتمرات والخطط الورقية. في مثل هذه السياقات تحتاج السلطة التنفيذية إلى غطاء تشريعي لقرارات اقتصادية مؤلمة قادمة. برلمان مُهندَس مسبقاً يوفر هذا الغطاء بكفاءة عالية وبدون ضجيج.
المشكلة أن هذا الحساب صحيح على المدى القصير ومدمِّر على المدى الاستراتيجي. حين تُحكم السلطة قبضتها على المسرح السياسي بهذه الدرجة فإنها تلغي آليات الإنذار المبكر الطبيعية، وتحرم نفسها من المعارضة التي تعكس لها مواطن الاحتقان الشعبي قبل أن يتحول إلى انفجار. البرلمان المُهندَس لا يخبرك بالحقيقة، يخبرك بما تريد سماعه.
“حركة مجتمع السلم” محقة في تحذيرها من تعمق “العزوف الانتخابي”. الجزائريون أثبتوا في محطات سابقة أنهم حين يشعرون بأن العملية الانتخابية مُصمَّمة مسبقاً فإنهم ببساطة لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع. نسب مشاركة منخفضة في برلمان مُهندَس تجتمع لتنتج شرعية هشة لمؤسسة تُفترض بها حمل الثقل التشريعي لمرحلة اقتصادية صعبة.
ما قبل السادس من يونيو
الأيام القليلة الفاصلة عن الموعد النهائي ستكشف إن كانت الرئاسة ستتدخل لإعادة بعض الأسماء الوازنة عبر قنوات الطعن القضائي، أو إن كانت ستمضي في فرض الواقع المهندَس كاملاً.
التدخل الرئاسي – إن حصل – ليس دليلاً على نزاهة النظام بل دليل على أن التطرف في الهندسة المسبقة تجاوز حداً أدركت فيه الرئاسة أن الفضيحة ستكون أكبر من المنفعة.
عدم التدخل يعني شيئاً أبسط وأكثر وضوحاً: جنرالات الجزائر قرروا أن البلاد لا تحتاج إلى تعددية، حتى الصورية منها.
في كلتا الحالتين، ما كُشف عنه في مايو 2026 لن يُنسى بسهولة. الجزائريون رأوا كيف تصنع أجهزتهم الأمنية البرلمان قبل أن يُفتح باب الاقتراع. وهذا النوع من الرؤية حين يستقر في الوعي الجمعي لا تمحوه بيانات رسمية ولا بخطب افتتاحية.




