
الاعتراف المصري بدعم الوحدة الترابية المغربية.. تتويج لعلاقات تاريخية عميقة وشراكة استراتيجية متجددة
تجسّد العلاقات بين المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية عمقاً حضارياً وإنسانياً يمتد لقرون، متجاوزاً الحدود الجغرافية والحسابات السياسية الآنية. فمنذ العصور الوسطى، شكّل طريق الحجاج المغاربة عبر أرض الكنانة جسراً حياً لتبادل المعارف الفقهية والروحانية، إذ يشهد على ذلك «رواق المغاربة» العريق في رحاب الجامع الأزهر الشريف، وهو من أقدم الأروقة وأكثرها شهرة. ولا تقتصر هذه الحضارة المشتركة على المجال الديني وحسب، بل تمتد إلى أحياء «حارة المغاربة» وباب الشعرية في القاهرة، حيث اضطلع تجار مغاربة بمناصب رفيعة كشهبندر تجار القاهرة. وهو ما يعكس أن الحضور المغربي لم يكن مجرد تواجد عابر، بل كان تعبيراً فاعلاً عن وحدة مصير ومشاركة حقيقية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية المصرية.
ومع استقلال البلدين، تحولت هذه الروابط العضوية إلى شراكة دبلوماسية رسمية أُسست عام 1957، توجتها أول بروتوكول ثقافي عام 1959. وفي هذا السياق، احتضنت القاهرة قادة الحركة الوطنية المغربية، وساهمت وسائل إعلامها في إيصال صوت القضية المغربية إلى الرأي العام العربي والدولي. وقد تجلى هذا التضامن المتبادل في محطات حاسمة عديدة، إذ أكد المغرب وقوفه إلى جانب مصر بمشاركة قواته في حرب أكتوبر 1973، حيث ساهم لواء مغربي في الجبهة السورية على الجولان، فضلاً عن دوره الفاعل في قمة الرباط العربية عام 1974، وإسهامه في إعادة مصر إلى الحضن العربي في قمة عمان 1987. وهكذا يمنح هذا التاريخ المتبادل المواقف المعاصرة أساساً متيناً يتجاوز حسابات اللحظة.
وقد ارتقت هذه العلاقات اليوم، في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مدفوعة برؤية مشتركة تستحضر العمق الحضاري وتطوره نحو تعاون ملموس. وفي هذا الإطار، انعقدت بالقاهرة في 6 أبريل 2026 الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المغربية-المصرية، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش ورئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي. وشكل هذا الاجتماع مناسبة لتوقيع أكثر من إحدى عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات حيوية تشمل الطاقة المتجددة والاستثمار والثقافة والسياحة والصناعة وإدارة الموارد المائية، مما يعكس طموحاً صادقاً لتحويل الروابط التاريخية إلى مشاريع تنموية تخدم البلدين.
ومع ذلك، يبرز في صلب هذه الدورة الموقف المصري الصريح الذي سُجل في محضر اللجنة الرسمي، إذ أكدت جمهورية مصر العربية دعمها الكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية، وتأييدها لقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025. ويُعد هذا القرار نقلة نوعية في المسار الدولي للقضية، إذ حظي بتأييد أحد عشر عضواً، واعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية – التي قدمها المغرب عام 2007 – الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، داعياً الأطراف إلى مفاوضات جدية على أساسها ضمن خارطة الطريق الأممية. وإن كان هذا الدعم ليس جديداً تماماً، إذ جددت مصر مواقفها الداعمة لوحدة الأراضي المغربية في مناسبات سابقة منذ عام 1999، فإنه يأتي اليوم بمستوى تفصيلي واضح ينسجم مع الإجماع الدولي المتزايد.
وفي سياق إقليمي يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، يكتسب هذا الموقف أبعاداً استراتيجية تتجاوز الثنائية المغربية-المصرية. فبينما يواصل المغرب تنمية أقاليمه الجنوبية ضمن نموذجه التنموي الجديد، ويعمق انفتاحه على محيطه الإفريقي والأوروبي والخليجي، يتزايد التأييد الدولي لملف الوحدة الترابية تجلّى في قرار 2797. في المقابل، يجد النظام الجزائري نفسه في عزلة متزايدة، متمسكاً بمواقف تجاوزها الزمن والواقع على الأرض، بينما يتقدم المغرب بدبلوماسية هادئة وفعالة تركز على التنمية والشراكات البناءة.
ومن شأن هذه الشراكة أن تفتح آفاقاً واسعة للتعاون في قطاعات استراتيجية مثل الأمن الغذائي والطاقة المتجددة والبنى التحتية والتنسيق الأمني الإقليمي. ويملك البلدان إمكانات تكاملية نادرة: فالمغرب يتمتع بموقعه الجيوستراتيجي بين إفريقيا وأوروبا وتجربته في جذب الاستثمار، بينما تتمتع مصر بكتلتها البشرية وثقلها الإقليمي. وهذا التكامل يمكن أن يشكل رافعة لمواجهة تحديات مشتركة كالتغير المناخي وشح الموارد، في عالم يزداد فيه الاعتماد على الشراكات الفعلية.
يمثل هذا التطور دفعة قوية لتعزيز الاستقرار في شمال إفريقيا والمتوسط. وإن نجاح اللجنة المؤسسية ذات الرئاسة الحكومية المباشرة سيعتمد على ترجمة الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة قابلة للقياس، بعيداً عن البروتوكولات الشكلية التي عرفتها التجارب العربية السابقة. كما يصبح التعاون المغربي-المصري، في ظل تزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، نموذجاً محتملاً لتكامل عربي-إفريقي بناء يركز على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة.
يُعد الدعم المصري الصريح تتويجاً منطقياً لإرث مشترك غني، وخطوة نوعية نحو شراكة استراتيجية حقيقية. وهو إقرار بأن الحلول الواقعية المبنية على السيادة والشرعية الدولية والتنمية هي السبيل الأمثل لتسوية النزاعات الإقليمية، بدلاً من إطالة أمدها لأجندات ضيقة. وهو في الوقت ذاته دعوة لتعزيز التكامل بين البلدين في خدمة شعبيهما والأمة العربية وقارة إفريقيا، في عالم تتشكل ملامحه بسرعة لا تنتظر المترددين.




