منبر الرأيمختارات

مفارقات الصورة الأمنية في الجزائر

شهدت الساحة الرقمية في الجزائر خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر، تداول مقاطع فيديو وتعليقات لافتة، ركزت على غياب الحرس السويسري التقليدي الذي يرافق البابا عادة، مقابل إبراز الدور الجزائري في تأمين الزيارة. ومع هذا التناول، برز استعمال مكثف لعبارات مثل «نعمة الأمن والأمان»، وهي تعابير تحمل حمولة رمزية عميقة في الوعي الجماعي المغربي، حيث ارتبطت تاريخياً بخطاب الاستقرار والاستثناء في محيط إقليمي مضطرب.

غير أن هذا الخطاب يمر دون مفارقة لافتة، إذ في الوقت نفسه الذي كان فيه الحديث يتصاعد حول الأمن والاستقرار، شهدت مدينة البليدة حادث انفجار خلّف ضحايا، ما أعاد إلى الواجهة التباين بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني. هذه المفارقة تطرح بدورها تساؤلات حول مدى تماسك السردية الأمنية التي يراد تسويقها، وحول قدرة الأحداث الطارئة على تقويض الرسائل الرمزية التي تُبنى بعناية.

هذا التحول في الخطاب يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام مجرد تفاعل إعلامي ظرفي، أم أن الأمر يعكس محاولة واعية لإعادة إنتاج رموز خطابية تنسب تقليدياً إلى النموذج المغربي في مجال الأمن والاستقرار؟

في المغرب، لم تكن مفاهيم الأمن والأمان مجرد توصيف لحالة موضوعية، بل تحولت إلى جزء من الهوية السياسية والرمزية للدولة؛ فهي تُستحضر في الخطب الرسمية، وفي الإعلام، وفي السرديات الوطنية التي تربط بين الاستقرار السياسي والشرعية التاريخية والمؤسساتية. وقد تعزز هذا المعنى عبر عقود، خاصة في سياق إقليمي عرف اضطرابات وحروباً، ما جعل من «الاستثناء المغربي» خطاباً قائماً بذاته، له أدواته ومفرداته ورموزه.

في المقابل، عانت الجزائر، خصوصاً خلال تسعينيات القرن الماضي، من صورة دولية مرتبطة بعدم الاستقرار، فرغم نجاحها لاحقاً في استعادة الأمن الداخلي، إلا أن هذا النجاح لم يترجم دائماً إلى رأسمال رمزي مماثل لما راكمه المغرب. لذلك، فإن تبني تعابير مثل «نعمة الأمن والأمان»، في سياق حدث دولي كزيارة البابا، يمكن قراءته كجزء من محاولة إعادة تشكيل الصورة الذهنية، داخلياً وخارجياً.

لكن حادثة البليدة تذكر بأن بناء الصورة الرمزية للأمن لا يعتمد فقط على الخطاب، بل يتطلب استقراراً فعلياً، متماسكاً ومستداماً، قادراً على الصمود أمام الأحداث غير المتوقعة؛ فمن يرغب في إنتاج خطاب مطمئن، وواقع يظل عرضة للهشاشة، تشكل معادلة معقدة تحدد مدى مصداقية هذا الخطاب في أعين الرأي العام.

د. عبد الله بوصوف

مؤرخ؛ أمين عام مجلس الجالية المغربية في الخارج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى