
حين يتحول البروتوكول إلى مرآة للتاريخ… المغرب دولة تصنع الهيبة ولا تستهلك الضجيج
في زمن أصبحت فيه بعض الأنظمة السياسية تختزل مفهوم الدولة في الشعارات المرتجلة، والظهور الإعلامي الصاخب، وحروب الميكروفونات، و فشل البروباغاندا السياسية ،يبرز المغرب كنموذج مختلف تماما؛ نموذج دولة تفهم جيدا أن هيبة الأمم لا تبنى بالصوت المرتفع، بل تصنع عبر التاريخ، وتتجسد في المؤسسات، وتنعكس في أدق تفاصيل البروتوكول والسيادة.
الجدل الذي أثاره المدعو بن سديرة، وهو يهاجم بطريقة انفعالية رئيس دولته العسكرية بسبب ما اعتبره “إهانة بروتوكولية” من خلال زيارة تبون الأخيرة لتركيا ، لم يكن مجرد حادث عابر داخل مشهد إعلامي متوتر، بل كشف عن أزمة أعمق تعيشها بعض الأنظمة التي لم تستوعب بعد أن البروتوكول ليس زينة سياسية أو ديكورا دبلوماسيا، بل هو لغة سيادية تختصر كاريزما قيادتها العليا و تاريخ الدولة ومكانتها وثقلها الحضاري.

فالدول العريقة لا تتعامل مع البروتوكول باعتباره مجرد ترتيب للكراسي أو تنسيق للاستقبالات الرسمية، وإنما تعتبره امتدادا مباشرا لهيبة الدولة واستمرارية مؤسساتها،ومن هنا تحديدا ، يظهر الفرق الهائل بين دولة متجذرة في التاريخ كالمملكة المغربية، وبين كيانات حديثة النشأة ما تزال تبحث عن تعريف ثابت لهويتها السياسية.
المغرب ليس دولة طارئة على الجغرافيا، ولا نظاما سياسيا ولد داخل مختبرات الانقلابات أو الحسابات الظرفية.
المغرب إمبراطورية تاريخية ضاربة في عمق الزمن، استطاعت عبر قرون طويلة أن تحافظ على استمرارية مؤسساتها ووحدة شعبها ورمزية عرشها، في وقت سقطت فيه إمبراطوريات كبرى وتفككت أنظمة عديدة تحت ضغط التحولات الدولية.
ولهذا السبب تحديدا، لم يكن البروتوكول المغربي يوما مجرد طقوس جامدة، بل كان دائما انعكاسا لعمق الدولة المغربية، ولذكاء المؤسسة الملكية في الجمع بين الأصالة والحداثة،فمن يتابع الاستقبالات الملكية، أو تنظيم المناسبات الرسمية، أو هندسة المراسم السيادية داخل المملكة، يلاحظ أن المغرب لا يمارس البروتوكول باعتباره استعراضا فارغا، بل باعتباره رسالة سياسية راقية تؤكد أن الدولة المغربية تعرف جيدا كيف تحافظ على هيبتها دون ضجيج.
إن قوة البروتوكول المغربي لا تكمن فقط في أناقته أو دقته التنظيمية، بل في رمزيته التاريخية،فكل تفصيل داخل المؤسسة الملكية المغربية يحمل امتدادا حضاريا متجذرا عبر قرون من الحكم والدبلوماسية والتقاليد المخزنية التي صقلت مفهوم الدولة المغربية قبل أن تولد كثير من الأنظمة المعاصرة ومنها نظام بن سديرة.
ولهذا يبدو المشهد مثيرا للسخرية حين تحاول بعض الأبواق الإعلامية تقديم البروتوكول كأنه مجرد مظاهر شكلية يمكن تقليدها أو تصنيعها بسرعة،إذ ان البروتوكول الحقيقي لا يستورد، لأنه نتاج تراكم تاريخي طويل.
الدول التي تمتلك عمقا حضاريا هي وحدها القادرة على تحويل البروتوكول إلى أداة قوة ناعمة تفرض الاحترام حتى في لحظات الصمت.
المملكة المغربية تدرك جيدا هذه الحقيقة، ولذلك استطاعت عبر عقود أن تفرض صورة دولة مستقرة، متزنة، وذات مصداقية عالية داخل المحافل الدولية،ليس عبر كثرة “القبلات” ! و ليس عبر الصراخ الإعلامي، ولا عبر تصدير الأزمات، بل عبر بناء صورة دولة تحترم نفسها اولا ، وتحترم شركاءها، وتفهم جيدا معنى الدولة الحديثة المرتبطة بجذورها التاريخية.
وفي المقابل، فإن الأنظمة التي ولدت داخل مناخات التوتر والانقلابات غالبا ما تعاني ارتباكات عميقة في فهم معنى الرمزية السيادية،ولهذا تتحول أبسط التفاصيل البروتوكولية داخلها إلى مادة للغضب والصراعات الداخلية، لأن الدولة التي لم تستقر بعد في وعيها السياسي يصعب عليها أن تنتج بروتوكولا يعكس الثقة والهيبة.
الفرق بين المغرب وغيره لا يكمن فقط في قوة الدبلوماسية أو الحضور الدولي، بل في طبيعة الدولة نفسها،فالمغرب يمتلك ذاكرة سياسية عمرها قرون، بينما تعيش بعض الأنظمة حالة قلق دائم بسبب هشاشة الشرعية وغياب العمق التاريخي،ولهذا تبدو ردود أفعالها مرتبكة ومشحونة، لأنها تحاول تعويض نقص الهيبة بالصوت المرتفع، ونقص التاريخ بالدعاية و لا بسرقة الموروث الهوياتي .
لقد فهم المغرب مبكرا أن الدولة القوية ليست تلك التي تدخل في معارك كلامية يومية، بل تلك التي تجعل خصومها منشغلين بتفسير صمتها وهيبتها،وهذه إحدى أعقد معادلات القوة في السياسة الدولية الحكيمة و الرزينة: حين تصبح الرصانة في حد ذاتها رسالة قوة.
إن المؤسسة الملكية المغربية، ولله الحمد،بما راكمته من تجربة تاريخية ودبلوماسية، نجحت في تحويل البروتوكول إلى جزء من الهوية السيادية للمملكة،لذلك لا يشعر المغرب بالحاجة إلى المبالغة أو الاستعراض، لأن الدول الواثقة من تاريخها لا تحتاج إلى إثبات وجودها كل صباح.
وفي النهاية، فإن الضجة التي أثارها بن سديرة لم تكشف قوة الأنظمة التي يدافع عنها، بل كشفت هشاشة تصورها لمعنى الدولة،لأن الدولة الحقيقية لا تقاس بعدد الخطب الانفعالية، ولا بحجم الضجيج الإعلامي، بل بقدرتها على صناعة الاحترام بهدوء، وعلى فرض الهيبة دون صراخ.
وهنا تحديدا ، ما لم يستطيع بن سديرة البوح به ،إذ يتجلى الفرق بين من يملك تاريخا يصنع البروتوكول الراقي… ومن يحاول استعمال البروتوكول لصناعة تاريخ لم يوجد أصلا و بتاتا …!



