مختاراتوجهات نظر

فتح تعقد مؤتمرها تحت ضغط التحولات الفلسطينية والإقليمية.

د. إبراهيم نعيرات

ينعقد مؤتمر حركة فتح اليوم بين رام الله والقاهرة وبيروت، لكن انعقاده هذه المرة لا يبدو أقرب إلى لحظة تنظيمية مريحة أو محطة طبيعية في مسار الحركة، بل إلى استحقاق سياسي فرضته الظروف أكثر مما اختارته القيادة بإرادتها الكاملة. فكل المؤشرات توحي بأن الحركة ربما كانت تفضّل تأجيل المؤتمر لو أن البيئة السياسية الفلسطينية والإقليمية تسمح بذلك، غير أن حجم التحولات المحيطة بالقضية الفلسطينية، والضغوط المتراكمة داخليًا وخارجيًا، جعل من التأجيل مخاطرة أكبر من الانعقاد نفسه.

فتح تدخل مؤتمرها في واحدة من أكثر اللحظات الفلسطينية هشاشة وتعقيدًا منذ سنوات طويلة. حرب غزة المستمرة أعادت صياغة المشهد السياسي والأمني بالكامل، والاستيطان في الضفة الغربية يتوسع بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتحول مدن الضفة إلى جزر محاصرة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. وفي ظل هذا المشهد، تبدو السلطة الفلسطينية وحركة فتح معًا أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرتهما على البقاء كعنوان سياسي قادر على إدارة المرحلة المقبلة.

المؤتمر، بهذا المعنى، ليس مجرد حدث تنظيمي داخلي، بل محاولة لإعادة التموضع السياسي في لحظة إقليمية ودولية تعاد فيها صياغة كثير من الملفات، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فالحركة تدرك أن البيئة التي نشأت فيها قبل عقود لم تعد قائمة، وأن الشرعية التاريخية التي راكمتها عبر مسيرتها الطويلة لم تعد وحدها كافية لضمان استمرارها كقوة مركزية في النظام السياسي الفلسطيني.

ربما لهذا السبب تحديدًا يبدو أن فتح تحاول عبر هذا المؤتمر إرسال رسائل متعددة الاتجاهات. الرسالة الأولى للداخل الفلسطيني، ومفادها أن الحركة ما تزال قادرة على الإمساك بزمام الأمور، وأنها ليست خارج المعادلة رغم حالة التآكل التي أصابت صورتها خلال السنوات الماضية. أما الرسالة الثانية فهي للخارج، وخصوصًا للعواصم الغربية التي باتت تتعامل مع ملف “الإصلاح الفلسطيني” باعتباره جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات سياسية مقبلة في المنطقة.

في الكواليس السياسية، يدور حديث متزايد عن وجود رغبة دولية، وربما ضغوط غير معلنة، لدفع حركة فتح نحو إعادة هيكلة داخلية تتيح إنتاج قيادة أكثر مرونة، وأقل ارتباطًا بالإرث التاريخي الثقيل الذي بات يُنظر إليه، في بعض الدوائر الغربية، باعتباره عائقًا أمام التغيير وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بصورة تتلاءم مع المرحلة المقبلة.

هذا الإرث التاريخي الذي منح فتح شرعيتها لعقود، يتحول اليوم paradoxically إلى عبء سياسي وتنظيمي في نظر كثيرين. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعشرات السنين أصبحت مطالبة بأن تعيد تعريف نفسها بلغة مختلفة وأدوات مختلفة ووجوه مختلفة أيضًا. والحديث هنا لا يقتصر على تغيير أسماء داخل الأطر القيادية، بل يتعلق بمحاولة إنتاج جيل سياسي جديد أقل ارتباطًا بصراعات الماضي، وأكثر قدرة على التكيف مع التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.

لكن هذه العملية ليست سهلة على الإطلاق. ففتح ليست حزبًا سياسيًا تقليديًا يمكنه الانتقال بسلاسة من مرحلة إلى أخرى، بل حركة تحمل تاريخًا طويلًا من التعقيدات التنظيمية والرمزية والشخصية. ولذلك فإن أي محاولة لضخ دماء جديدة داخلها تصطدم تلقائيًا بمراكز نفوذ قديمة، وبحسابات دقيقة تتعلق بالتوازنات الداخلية وملف الخلافة السياسية ومستقبل القيادة.

الأزمة الأكبر التي تواجه الحركة اليوم ليست فقط في كيفية إجراء التغيير، بل في إقناع الشارع الفلسطيني بأن هذا التغيير حقيقي وليس مجرد إعادة تدوير للنخبة ذاتها بأشكال جديدة. فالفلسطيني الذي يعيش تحت وطأة الحرب والحصار والاستيطان والانهيار الاقتصادي لم يعد معنيًا كثيرًا بالشعارات التنظيمية، بقدر ما يبحث عن قيادة تمتلك رؤية واضحة وقدرة فعلية على التعامل مع التحولات الخطيرة التي تعصف بالقضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، يبدو أن المؤتمر يحمل طابعًا دفاعيًا أكثر منه هجوميًا. أي أن الحركة لا تعقد مؤتمرها انطلاقًا من حالة قوة سياسية كاملة، بل من شعور بأن هناك حاجة ملحة لإثبات الحضور ومنع تآكل الشرعية بصورة أكبر. فالمشهد الفلسطيني يتغير بسرعة، والقوى الإقليمية والدولية تتعامل مع فكرة “اليوم التالي” في غزة باعتبارها مدخلًا لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني برمته، وليس فقط إدارة أزمة عابرة.

لهذا تبدو فتح اليوم وكأنها تحاول إعادة تقديم نفسها باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة، سواء أمام المجتمع الدولي أو أمام الأطراف العربية أو حتى أمام الداخل الفلسطيني. وهي بذلك تسعى إلى القول إن الحركة ما تزال تمتلك الحد الأدنى من التماسك التنظيمي والشرعية السياسية الذي يؤهلها للبقاء في مركز القرار الفلسطيني.

لكن التحدي الحقيقي لن يكون في عقد المؤتمر نفسه، بل في نتائجه وما إذا كان سيؤدي فعلًا إلى تحولات ملموسة داخل بنية الحركة وخطابها السياسي. فالمؤتمرات في الحالة الفلسطينية كثيرًا ما كانت تنتهي إلى تسويات داخلية تحفظ التوازنات القائمة أكثر مما تنتج تغييرًا جذريًا.

ومع ذلك، يبدو أن هامش المناورة هذه المرة أضيق بكثير. فالظروف المحيطة بالقضية الفلسطينية لم تعد تسمح بإدارة الوقت كما في السابق. الحرب في غزة، وتصاعد الاستيطان، والانفجار المتواصل في الضفة الغربية، والتغيرات الإقليمية المتسارعة، كلها عوامل تدفع باتجاه مرحلة جديدة قد لا يكون فيها مكان كبير للقوى السياسية غير القادرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها.

من هنا يمكن فهم مؤتمر فتح باعتباره محاولة استباقية لإعادة التموضع قبل أن تُفرض ترتيبات أكبر من خارج الحركة وربما من خارج النظام السياسي الفلسطيني كله. فالحركة تدرك أن العالم لا ينتظر كثيرًا، وأن مراكز القرار الدولية بدأت تتحدث بلغة مختلفة حول “الإصلاح” و”تجديد الشرعية” و”إعادة بناء القيادة الفلسطينية”.

السؤال الذي سيبقى مطروحًا بعد انتهاء المؤتمر ليس ما إذا كانت فتح نجحت في عقده، بل ما إذا كانت قد نجحت فعلًا في قراءة اللحظة التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية. لأن التحدي لم يعد فقط الحفاظ على الإرث التاريخي للحركة، بل القدرة على صناعة مستقبل سياسي جديد لا يبقى أسير الماضي، ولا ينفصل عنه بالكامل في الوقت نفسه.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى