وجهات نظر

حين تخسر إسرائيل الشارع وتكسب المؤسسات

بقلم د. ابراهيم نعيرات


على مدى عقود طويلة، بدت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وكأنها إحدى الثوابت النادرة في السياسة الدولية. لم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل مجرد سياسة حكومية عابرة، بل تحول إلى جزء من الثقافة السياسية السائدة في واشنطن، وإلى قضية تحظى بإجماع واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه اليوم بقوة هو: هل يمكن أن يؤدي المسار الحالي للأحداث إلى نتيجة لم تكن إسرائيل تتخيلها يوماً، وهي تآكل التعاطف الأمريكي معها، بل وربما تصاعد مظاهر معاداة السامية داخل المجتمع الأمريكي نفسه؟

قد يبدو السؤال صادماً، لكنه لم يعد من المحرمات السياسية كما كان في السابق. فالمشهد الأمريكي يشهد تغيرات عميقة تتجاوز حدود السياسة الخارجية إلى بنية المجتمع ذاته. ملايين الشباب الأمريكيين الذين لم يعيشوا أجواء الحرب الباردة ولا ذاكرة المحرقة الأوروبية يتعاملون مع الصراع في الشرق الأوسط من منظور مختلف تماماً عن الأجيال السابقة. بالنسبة لهم، لم تعد إسرائيل تُرى دائماً باعتبارها “الدولة الصغيرة المحاصرة”، بل باتت تُقدَّم في كثير من النقاشات بوصفها قوة عسكرية وإقليمية تمتلك تفوقاً ساحقاً.

ومع توسع وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق الصور والمعلومات خارج القنوات التقليدية، بدأت إسرائيل تواجه تحدياً متزايداً في ساحة الرأي العام العالمي. فالرواية التي تمتعت لعقود بحضور قوي داخل الإعلام الغربي لم تعد تحظى بالقبول نفسه لدى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة بين الأجيال الشابة. وأصبح واضحاً أن المعركة لم تعد تدور فقط حول الوقائع على الأرض، بل حول القدرة على إقناع الرأي العام بشرعية المواقف والسياسات.

ويرى بعض المراقبين أن هذا التراجع النسبي في قوة الرواية الإسرائيلية ساهم في دفع إسرائيل والمنظمات المؤيدة لها نحو التركيز بصورة أكبر على المستويات الرسمية والمؤسساتية. فكلما أصبحت معركة الرأي العام أكثر صعوبة، ازداد الاعتماد على أدوات النفوذ السياسي والقانوني والدبلوماسي للحفاظ على الدعم التقليدي داخل الدول الغربية.

وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة جهود مكثفة لتوسيع تبني تعريفات وتشريعات وسياسات رسمية تتعلق بمعاداة السامية داخل البرلمانات والجامعات والمؤسسات الحكومية في عدد من الدول المؤثرة. ويعتبر مؤيدو هذه الجهود أنها استجابة ضرورية لتزايد الحوادث المعادية لليهود ولظهور أشكال جديدة من الكراهية تتخفى أحياناً خلف الخطاب السياسي.

غير أن منتقدي هذه المقاربة يرون أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخط الفاصل بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل أقل وضوحاً. فكلما جرى توسيع نطاق التعريفات الرسمية ليشمل بعض أشكال النقد الموجه لإسرائيل، ازداد شعور فئات من الرأي العام بأن النقاش السياسي يخضع لقيود استثنائية لا تُفرض على قضايا دولية أخرى.

وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فبينما تهدف هذه السياسات إلى حماية اليهود من الكراهية، يخشى بعض الباحثين من أن يؤدي ربط إسرائيل بالمنظومات القانونية والسياسية التي تنظم حرية التعبير إلى نتائج معاكسة. إذ قد ينشأ لدى بعض الأوساط انطباع بأن إسرائيل، بعد أن فقدت جزءاً من معركة الإقناع الشعبي، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على القوة المؤسساتية والقانونية لتعويض تراجع نفوذها داخل الرأي العام.

ولا يمكن فصل هذا الجدل عن البعد الأمريكي الداخلي. فخلال عقود، لعبت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل دوراً مؤثراً في الحياة السياسية الأمريكية، وفي مقدمتها منظمة ايباك  (AIPAC)، التي نجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الكونغرس ومراكز القرار. وبينما يرى أنصارها أنها تمارس دوراً مشروعاً في إطار النظام الديمقراطي الأمريكي، يعتبر منتقدوها أنها تمثل نموذجاً لنفوذ جماعات الضغط القادرة على التأثير في السياسات العامة.

وتزداد حساسية المسألة عندما يمتد النقاش إلى اليهود الأمريكيين أنفسهم. فاليهود حققوا نجاحات بارزة في مجالات الاقتصاد والمال والتكنولوجيا والعلوم والثقافة، وكان لهم إسهام مهم في بناء القوة الاقتصادية والفكرية للولايات المتحدة. إلا أن فترات الاستقطاب السياسي غالباً ما تدفع بعض الأصوات الشعبوية إلى تحويل هذا النجاح إلى مادة للتعميمات والاتهامات الجماعية، وهو مسار عرفته مجتمعات كثيرة عبر التاريخ وكانت نتائجه خطيرة دائماً.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر. فكلما اشتد الجدل حول إسرائيل ونفوذ جماعات الضغط والتشريعات المرتبطة بمعاداة السامية، ازدادت احتمالات انتقال النقاش من نقد دولة وسياساتها إلى استهداف اليهود كجماعة دينية أو ثقافية. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الخطر موجهاً ليس إلى إسرائيل وحدها، بل إلى النسيج الاجتماعي الأمريكي نفسه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل ما تزال قادرة على الحفاظ على دعم الحكومات الغربية، بل ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على دعم المجتمعات الغربية نفسها. فهناك فرق جوهري بين النفوذ داخل المؤسسات وبين القبول داخل الرأي العام، وبين الانتصار في أروقة السياسة وبين كسب العقول والقلوب.

لقد نجحت إسرائيل لعقود في الجمع بين الأمرين معاً: الدعم الرسمي والتعاطف الشعبي. أما اليوم، فيبدو أن المعادلة بدأت تتغير. فكلما تراجعت قدرتها على إقناع قطاعات واسعة من الرأي العام، ازداد اعتمادها على الحلفاء السياسيين وجماعات الضغط والتشريعات والمؤسسات الرسمية للحفاظ على موقعها التقليدي في الغرب.

غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن الشرعية المستدامة لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا تُصان بالقرارات الحكومية فقط. فحين تبدأ الفجوة بالاتساع بين ما تؤيده المؤسسات وما تؤمن به الشعوب، تصبح أي قوة سياسية معرضة لخسارة تدريجية في رصيدها المعنوي مهما بلغ حجم نفوذها الرسمي.

ومن هنا تبرز المفارقة التي قد تواجهها إسرائيل خلال السنوات المقبلة. فبينما تهدف الجهود الرامية إلى توسيع تعريفات معاداة السامية وإحاطة إسرائيل بمزيد من الحماية السياسية والقانونية إلى تحصين موقعها في الغرب، قد يُنظر إليها من قبل بعض قطاعات الرأي العام باعتبارها دليلاً على أن الرواية الإسرائيلية لم تعد قادرة على فرض نفسها بقوة الإقناع التي امتلكتها سابقاً.

وقد يكون الخطر الأكبر أن يؤدي هذا المسار، بمرور الوقت، إلى نتائج معاكسة تماماً للهدف المعلن منه. فكلما شعر جزء من الرأي العام بأن قضية سياسية معينة تحظى بحماية استثنائية أو معاملة مختلفة، ازدادت احتمالات نشوء ردود فعل غاضبة تتجاوز نقد السياسات لتتحول إلى مواقف عدائية تجاه الجماعات المرتبطة بها. وعند هذه النقطة، لا يعود الخطر مقتصراً على صورة إسرائيل، بل يمتد إلى اليهود في الغرب وإلى التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات الديمقراطية نفسها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل تخسر معركة الرأي العام اليوم، بل ما إذا كانت تدرك أن الاعتماد المتزايد على النفوذ المؤسسي لتعويض التراجع الشعبي قد يحمل في داخله بذور أزمة أكبر في المستقبل. فالتاريخ كثيراً ما أظهر أن كسب الحكومات أسهل من كسب الشعوب، لكن خسارة الشعوب هي الخسارة التي يصعب تعويضها.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى