وجهات نظر

الزيارة السنوية لمغاربة العالم… استثمار استراتيجي في هوية الأجيال الجديدة

الأسرة وحدها لا تكفي… والمغرب بحاجة إلى مشروع وطني لترسيخ “تمغربيت” لدى أبناء الجالية

لم تعد الزيارة السنوية التي يقوم بها ملايين المغاربة المقيمين بالخارج إلى وطنهم الأم مجرد موعد عائلي يتجدد كل صيف، أو مناسبة لقضاء العطلة وصلة الرحم، بل أصبحت تمثل اليوم رهاناً استراتيجياً يرتبط بمستقبل الهوية المغربية لدى الأجيال الجديدة. فبينما يعيش أبناء الجيلين الثالث والرابع في مجتمعات تختلف في لغاتها وثقافاتها وأنماط عيشها عن المجتمع المغربي، تظل العودة السنوية إلى المغرب إحدى أهم المحطات التي تعيد وصلهم بجذورهم الحضارية والثقافية والوجدانية.

لقد تحولت عملية العبور الصيفية إلى واحدة من أكبر حركات التنقل الموسمية في العالم، لكنها بالنسبة للمغرب تتجاوز بعدها اللوجستي والاقتصادي لتصبح قضية ذات أبعاد حضارية واستراتيجية. فكل طفل مغربي يولد خارج الوطن يحمل معه إمكانية أن يكون جسراً بين المغرب والعالم، كما يحمل في الوقت نفسه تحدياً حقيقياً يتمثل في كيفية الحفاظ على ارتباطه بوطنه الأصلي دون أن يشعر بتناقض مع مجتمع الإقامة.

وفي عالم تتسارع فيه العولمة، وتتداخل فيه الثقافات، وتصبح وسائل التواصل الاجتماعي أكثر تأثيراً من الأسرة والمدرسة في تشكيل الوعي، لم يعد الحفاظ على الهوية يتم بصورة تلقائية، بل أصبح يحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجية متكاملة تتجاوز المبادرات الفردية نحو مشروع وطني طويل المدى.

إن الهوية، في نهاية المطاف، ليست معطى بيولوجياً ينتقل عبر الدم، ولا صفة قانونية تمنحها وثيقة الجنسية وحدها، وإنما هي بناء اجتماعي وثقافي يتشكل عبر التجربة اليومية والذاكرة الجماعية والتفاعل مع المكان والناس والتاريخ. فالطفل الذي يقضي جزءاً من عطلته في المغرب، ويجلس مع أجداده، ويزور مدنه التاريخية، ويتعرف على عاداته وتقاليده، ويعيش تفاصيل الحياة المغربية، يراكم رصيداً وجدانياً يصعب أن تمنحه له المدرسة في بلد الإقامة أو وسائل التواصل الاجتماعي مهما بلغت درجة تطورها.

وتكشف الدراسات التي أنجزها مجلس الجالية المغربية بالخارج أن أكثر من 90 في المائة من الشباب المغاربة المقيمين في عدد من الدول الأوروبية يزورون المغرب مرة واحدة على الأقل كل سنة. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في ارتفاع نسبة الزيارات، بل في طبيعة تطلعات هؤلاء الشباب، إذ أظهرت الدراسات أنهم لم يعودوا يبحثون فقط عن لقاء الأسرة أو استرجاع ذكريات الطفولة، وإنما أصبحوا مهتمين أيضاً بالتعرف على التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والرياضية التي يعرفها المغرب، وهو ما يعكس رغبة متزايدة في اكتشاف المغرب الحديث والانخراط في ديناميته، لا الاكتفاء بصورة المغرب التي يحملها الآباء والأجداد.

وهذا المعطى يفرض إعادة النظر في طريقة التعامل مع الزيارة السنوية، لأن نجاحها لا يقاس بعدد الأيام التي يقضيها أبناء الجالية داخل الوطن، وإنما بالمحتوى الذي تحمله تلك الأيام. فإذا اقتصرت الزيارة على اللقاءات العائلية والمناسبات الاجتماعية، فإن أثرها يبقى محدوداً، أما إذا تحولت إلى تجربة معرفية متكاملة، فإنها تصبح مدرسة حقيقية لبناء الهوية.

فالجيلان الثالث والرابع لا يريدان فقط أن يعرفا المغرب الذي عاش فيه الآباء، بل يريدان أيضاً أن يكتشفا المغرب الذي يبني اليوم موانئ عالمية، ويطور صناعة السيارات والطيران، ويستثمر في الطاقات المتجددة، ويستعد لتنظيم تظاهرات رياضية دولية كبرى، ويعزز مكانته الاقتصادية والدبلوماسية في إفريقيا والعالم. ولذلك، فإن تعريف أبناء الجالية بهذه الأوراش الكبرى لا يقل أهمية عن تعريفهم بالموروث الثقافي والتاريخي، لأن الهوية لا تبنى بالماضي وحده، وإنما تبنى أيضاً بالإيمان بالمستقبل.

ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة للانتقال من المبادرات الأسرية الفردية إلى سياسة عمومية متكاملة تجعل من الزيارة الصيفية مشروعاً وطنياً لبناء الانتماء. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إعداد برامج ثقافية وتربوية خاصة بأبناء الجالية، تشمل زيارات للمؤسسات الدستورية، والمتاحف، والمواقع الأثرية، والجامعات، ومراكز الابتكار، والمناطق الصناعية، إضافة إلى تنظيم مخيمات شبابية ومنتديات للحوار تجمع بين شباب الداخل والخارج، بما يعزز تبادل الخبرات ويخلق روابط إنسانية وثقافية مستدامة.

ولا يمكن إنكار أن الأسرة تظل المدرسة الأولى للهوية، فهي التي تنقل اللغة، والعادات، والقيم، والذاكرة الجماعية. غير أن الأسرة، مهما بلغ وعيها، لم تعد قادرة وحدها على مواجهة حجم التحولات التي يعرفها العالم. فالأجيال الجديدة تنشأ داخل مدارس أجنبية، وتتعامل يومياً مع فضاءات رقمية عالمية، وتتعرض لتأثيرات ثقافية متعددة، الأمر الذي يجعل مسؤولية ترسيخ الهوية مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والدولة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية.

كما أن طبيعة الحوار داخل الأسرة نفسها تغيرت. فالأبناء اليوم لا يكتفون بتلقي التعليمات أو تقليد الآباء، بل يبحثون عن تفسير منطقي للقيم والعادات التي يطلب منهم الحفاظ عليها. لذلك لم يعد كافياً أن نقول للطفل: “أنت مغربي”، بل أصبح من الضروري أن نشرح له معنى هذا الانتماء، وما الذي يميز الشخصية المغربية، وكيف استطاع المغرب عبر تاريخه أن يبني نموذجاً حضارياً قائماً على الاعتدال والانفتاح والتعايش.

ومن أكبر الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الأسر تصوير العلاقة بين المغرب وبلدان الإقامة باعتبارها علاقة تناقض أو صراع بين ثقافتين. فهذا الخطاب قد يخلق لدى الأبناء شعوراً بأنهم مطالبون بالاختيار بين هويتين، بينما تؤكد التجارب الدولية أن الإنسان الأكثر ثقة بجذوره هو الأكثر قدرة على الاندماج الإيجابي داخل المجتمع الذي يعيش فيه. فالانتماء إلى المغرب لا يتعارض مع المواطنة الكاملة في بلد الإقامة، بل يشكل قيمة مضافة تثري شخصية الفرد وتمنحه بعداً حضارياً وإنسانياً أوسع.

ولعل التجربة الرياضية المغربية تقدم المثال الأوضح على ذلك. فقد استطاع المنتخب الوطني أن يحقق إنجازات تاريخية بفضل لاعبين ولدوا وتكونوا في أوروبا، لكنهم اختاروا تمثيل المغرب في المحافل الدولية. ولم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تربية أسرية حافظت على الروابط مع الوطن، وسياسات وطنية فتحت المجال أمام أبناء الجالية ليظلوا جزءاً من المشروع الوطني. لقد أثبت هؤلاء اللاعبون أن الانتماء المغربي لا يعيق الاندماج ولا النجاح، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة وإشعاع عالمي.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في أبناء الجالية يجب أن ينظر إليه باعتباره استثماراً في الرأسمال البشري للمملكة، وليس مجرد استجابة لمطالب اجتماعية أو ثقافية. فهؤلاء الشباب يشغلون اليوم مواقع متقدمة في الجامعات العالمية، ومراكز البحث، والمؤسسات الاقتصادية، والشركات الكبرى، ويمكن أن يشكلوا أحد أهم مصادر القوة الناعمة للمغرب في العقود المقبلة إذا ما نجحت الدولة في الحفاظ على ارتباطهم ببلدهم الأصلي.

وفي هذا الإطار، تكتسب التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج أهمية استراتيجية بالغة، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة في تدبير شؤون الجالية، تنتقل من منطق معالجة الملفات الإدارية إلى منطق الاستثمار في الإنسان. فالرهان الحقيقي هو بناء مؤسسة قادرة على تنسيق الجهود بين مختلف القطاعات الحكومية، وإعداد برامج ثقافية وتربوية مستدامة تستجيب لخصوصيات أبناء الجيلين الثالث والرابع، وتواكب التحولات التي يعرفها العالم.

ولا يقل عن ذلك أهمية الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الإعلام العمومي والخاص. فالإعلام اليوم لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي والهوية. ومن ثم، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإنتاج محتوى رقمي ووثائقيات وبرامج متعددة اللغات موجهة خصيصاً لأبناء الجالية، تقدم لهم المغرب الحديث بلغتهم، وتعرفهم بإنجازاته الاقتصادية والعلمية والثقافية، وتبرز قيم التعدد والانفتاح التي يقوم عليها المجتمع المغربي.

كما أن تطوير برامج تعليم اللغة العربية والأمازيغية والثقافة المغربية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة استراتيجية. غير أن هذا التطوير ينبغي أن يراعي خصوصيات أبناء الجالية، من خلال اعتماد مناهج حديثة، وتطبيقات رقمية، وأساليب تفاعلية تربط اللغة بالتاريخ والفنون والموسيقى والرياضة والحياة اليومية، حتى يشعر الطفل بأن تعلم لغة وطنه جزء من بناء شخصيته، وليس مجرد واجب مدرسي.

إن المغرب، وهو يستعد لمراحل جديدة من التنمية والانفتاح الدولي، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعبئة كل طاقاته البشرية، سواء داخل الوطن أو خارجه. والجالية المغربية ليست فقط مصدراً للتحويلات المالية، بل هي رصيد استراتيجي يمتلك من الكفاءات والخبرات والعلاقات الدولية ما يجعلها شريكاً أساسياً في تعزيز مكانة المملكة عالمياً.

وخلاصة القول، فإن الزيارة السنوية لمغاربة العالم ينبغي ألا تبقى مجرد تقليد اجتماعي يتكرر كل صيف، بل يجب أن تتحول إلى رافعة استراتيجية لبناء هوية وطنية متوازنة، وإلى مشروع متكامل لترسيخ مفهوم تمغربيت لدى الأجيال الجديدة. فالأسرة ستظل دائماً نقطة الانطلاق، لكنها لم تعد قادرة وحدها على مواجهة تحديات العصر. ولذلك، فإن نجاح هذا الورش يقتضي انخراط الدولة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، والمجتمع المدني، في رؤية وطنية موحدة تجعل من أبناء الجالية سفراء للمغرب، لا بالانتماء العاطفي وحده، بل بالمعرفة، والثقافة، والمواطنة، والإيمان بأن مستقبلهم يبقى مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بمستقبل وطنهم الأم.

د. عبد الله بوصوف

مؤرخ؛ أمين عام مجلس الجالية المغربية في الخارج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى