وجهات نظر

المغرب في مواجهة حرب السرديات الوهمية: حين يتحول تزييف الوعي إلى أداة للاستهداف السياسي

لم تعد الحروب في عالم اليوم تخاض بالدبابات والطائرات وحدها، ولم يعد إخضاع الدول أو الضغط عليها يمر بالضرورة عبر المواجهة العسكرية المباشرة و لقد انتقلت جبهات الصراع إلى فضاءات أكثر تعقيدا وأقل وضوحا، حيث تستهدف الدول في صورتها وسمعتها، ويستهدف المواطن في وعيه وثقته، وتستهدف المؤسسات في شرعيتها ومصداقيتها،وفي قلب هذه التحولات تبرز ما بات يعرف بـ«حرب السرديات»، وهي حرب لا تسعى فقط إلى نشر خبر زائف أو ترويج إشاعة عابرة، بل تهدف إلى بناء رواية متكاملة، تُكرر باستمرار حتى تبدو وكأنها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش.

والمغرب، بما يمثله ولله الحمد من استقرار سياسي ومؤسساتي، وبما حققه من حضور متنامٍ على الصعيدين الإقليمي والدولي، لم يعد بعيدا عن هذا النوع من الاستهداف،فكلما عززت المملكة المغربية موقعها الدبلوماسي، ووسعت شراكاتها الاقتصادية، ورسخت حضورها الإفريقي، ظهرت في المقابل محاولات جزائرية لتقويض صورتها عبر سرديات انتقائية، تقدم الوقائع مجتزأة، وتخلط بين النقد المشروع والتشويه المتعمد، وبين حرية التعبير وصناعة التضليل.

إن أخطر ما يميز السرديات الوهمية الموجهة ضد المغرب أنها لا تقدم دائما في صورة أكاذيب فاضحة يسهل كشفها،بل غالبا ما تُصاغ بلغة تبدو حقوقية أو أكاديمية أو صحافية، وترفق بأرقام مبتورة أو شهادات مجهولة أو تحليلات أحادية الجانب، ثم يجري تداولها على نطاق واسع من خلال منصات رقمية وحسابات متناسقة وصفحات مدعومة أو موجهة من الجزائر تتبادل المحتوى نفسه في توقيت متقارب و مفضوح ،وهكذا تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة رقمية» بفعل التكرار، لا بفعل قوة الدليل.

وتقوم هذه الحرب التي تشنها الجزائر على قاعدة بسيطة لكنها شديدة الخطورة: ليس المطلوب دائماً إقناع الجميع برواية معادية، بل يكفي زرع الشك، وإرباك الوعي العام، وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه،فحين يفقد المتلقي قدرته على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الوثيقة والإشاعة، يصبح أكثر قابلية للتأثر، وأكثر استعداداً لتبني مواقف بنيت على الانفعال بدلا من المعرفة.

ولا يمكن فصل تصاعد هذه الحملات عن التحولات التي يشهدها موقع المغرب في محيطه،فالمملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة حضوراً دبلوماسيا ملحوظا، ونجحت في توسيع شبكة شراكاتها، كما أصبحت طرفا مؤثرا في ملفات الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة والتعاون جنوب–جنوب …وهذا الصعود لا يمر دائما من دون مقاومة، لأن العلاقات الدولية ليست فضاءً مثالياً تحكمه النوايا الحسنة، بل مجالا لتضارب المصالح والتنافس على النفوذ والمواقع.

من هنا، يصبح استهداف صورة المغرب من قبل الجزائر محاولة للتأثير في قوته الناعمة، وفي قدرته على الدفاع عن مصالحه وقضاياه،وقد تتخذ هذه المحاولات أشكالا متعددة:

– تضخيم أخطاء واقعية،

-اختلاق أزمات غير موجودة،

-تعميم حالات فردية،

-استغلال أحداث اجتماعية معزولة، أو تقديم النقاشات الداخلية الطبيعية باعتبارها دليلا على انهيار شامل.

وفي أحيان أخرى، يعاد تدوير أخبار قديمة على أنها مستجدات، أو تستخدم صور ومقاطع فيديو خارج سياقها الجغرافي والزمني، مستفيدة من سرعة التفاعل وضعف التحقق لدى بعض المستخدمين.

غير أن مواجهة هذه الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لرفض النقد أو تخوين كل صوت مخالف،فالدولة القوية ليست التي تخشى الأسئلة، بل التي تجيب عنها بالحقائق،والمجتمع المتماسك ليس الذي يخفي مشكلاته، بل الذي يناقشها بمسؤولية ويعمل على معالجتها.

 لذلك، يجب التمييز بوضوح بين النقد الوطني البنّاء، الذي يهدف إلى الإصلاح وتصحيح الاختلالات، وبين الخطاب التضليلي الذي يتعمد تشويه الوقائع وضرب الثقة ونشر اليأس.

إن أفضل رد على السرديات الوهمية ليس الانفعال، ولا الدخول في سجالات يومية مع كل حساب مجهول أو منصة منحازة، بل بناء سردية وطنية قوية، صادقة، متماسكة ومسنودة بالوقائع.

فالصمت الإعلامي يترك الفراغ للخصوم، والمعلومة المتأخرة تفقد جزءا كبيرا من تأثيرها مهما كانت صحيحة،لذلك تحتاج المؤسسات المغربية إلى تطوير تواصل استباقي، قادر على تفسير القرارات، وتقديم المعطيات في وقتها، والتفاعل السريع مع الأخبار المضللة قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة.

كما أن الإعلام الوطني مدعو إلى تجاوز منطق الدفاع المناسباتي،فلا يكفي الرد على الحملات بعد انتشارها، بل ينبغي الاستثمار في صحافة التحقيق، وفي المحتوى التحليلي متعدد اللغات، وفي منصات مهنية قادرة على مخاطبة الجمهور المغربي والرأي العام الدولي على السواء.

إن العالم لا يسمع دائما من يملك الحقيقة، بل يسمع في كثير من الأحيان من يملك القدرة على تقديم روايته بصورة أسرع وأكثر إقناعا وانتشارا .

وتقع مسؤولية أساسية أيضاً على عاتق المواطن،فالهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة لتلقي الأخبار، بل تحول كل مستخدم من خلاله إلى ناشر محتمل،وبضغطة واحدة يمكن لأي شخص أن يساهم في نشر الحقيقة أو في توسيع دائرة التضليل. لذلك يجب أن يصبح التحقق من المصادر سلوكا يوميا وثقافة مجتمعية، لا مهارة مقتصرة على الصحافيين والمتخصصين.

وقبل مشاركة أي خبر مثير، ينبغي طرح أسئلة بسيطة: من نشره أولاً؟ هل المصدر معروف؟ هل توجد جهة مستقلة تؤكده؟ هل العنوان يطابق مضمون المادة؟ هل الصورة حديثة ومن المكان نفسه؟ وهل يدفعنا المحتوى إلى التفكير أم يسعى فقط إلى إثارة الغضب والخوف؟

إن هذه الأسئلة البسيطة تشكل خط دفاع حقيقي في زمن أصبحت فيه الإشاعة قادرة على عبور القارات خلال دقائق.

ولا تقتصر مسؤولية الحماية على الإعلام والمواطنين، بل تشمل المدرسة والجامعة ومؤسسات الثقافة والمجتمع المدني. فمحو الأمية في عصرنا لم يعد مرتبطا بالقراءة والكتابة فقط، بل أصبح يشمل التربية الإعلامية والرقمية،ويحتاج الجيل الجديد إلى تعلم كيفية قراءة الخطاب، وتحليل الصور، وفهم آليات الدعاية، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات،فكلما ارتفع الوعي النقدي، تقلصت قدرة الحملات المضللة على اختراق المجتمع المغربي.

إن الدفاع عن المغرب في هذه المعركة لا يعني ترديد خطاب دعائي مقابل خطاب دعائي آخر، لأن مواجهة التضليل بالمبالغة لا تؤدي إلا إلى إضعاف المصداقية،والمطلوب هو خطاب وطني عقلاني يعترف بالإنجازات من دون تهويل، وبالتحديات من دون جلد للذات، ويقدم الوقائع كما هي،فالحقيقة، حين تعرض بشفافية وبأسلوب مهني، أكثر قوة واستدامة من أي حملة عاطفية مؤقتة.

المغرب ليس بلدا بلا تحديات، شأنه شأن جميع الدول، لكنه أيضاً ليس تلك الصورة القاتمة التي تحاول بعض الخطابات رسمها باستمرار،إنه بلد يتحرك ويتغير، ينجح أحياناً ويتعثر أحياناً أخرى، ويمتلك مؤسسات ومجتمعاً حياً ونقاشاً عاماً متنوعاً. ومن حق المغاربة أن ينتقدوا أوضاعهم وأن يطالبوا بالإصلاح والعدالة والنجاعة، لكن من واجبهم أيضاً ألا يسمحوا بتحويل مطالبهم المشروعة إلى أدوات لخدمة روايات تستهدف وطنهم ووحدتهم وثقتهم في المستقبل.

وفي النهاية، فإن حرب السرديات ليست معركة تُحسم ببيان رسمي واحد أو بحملة رقمية عابرة،إنها مواجهة طويلة تتطلب اليقظة، والاحتراف، والشفافية، وقوة المؤسسات، ووعياً مجتمعياً قادراً على مقاومة التلاعب.

فالأوطان لا تُحمى فقط عند الحدود، بل تُحمى أيضاً داخل العقول، وفي وسائل الإعلام، وعلى شاشات الهواتف، وفي كل مساحة يجري فيها تشكيل الرأي العام.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى