
التحالف الثلاثي الدفاعي الردعي ( عصر التكتلات والتحالفات )
كانت هناك أربع امبراطوريات تحكم العالم، الامبراطورية العثمانية، وروسيا القيصرية، والامبراطورية المجرية النمساوية، والامبراطورية الألمانية، وكانت أوروبا تدور فيها حروب طاحنة، فمنذ الثورة الفرنسية 1789 أسقطت لويس السادس عشر، أعجبت ألمانيا بالثورة الفرنسية في 1871، وفي 1878 استقلت صربيا عن الدولة العثمانية، وفي عام 1908 ضمت الامبراطورية النمساوية المجرية البوسنة والهرسك، أغضب القومية الصربية، فأقدم غافريلو الصربي على اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانتس فرديناند وزوجته في سراييفو في 28 يونيو 1914، أشعل الحرب العالمية الأولى، لم يكن السبب الجذري الوحيد، بل جاء تتويجا لتوترات عميقة ومتراكمة في أوروبا، من سباق تسلح، وقومية متطرفة، وتنافس استعماري محموم على المستعمرات والثروات.
أفرزت الحرب العالمية الأولى إلى بروز الدولة القومية في أوروبا، رغم ذلك اشتعلت الحرب العالمية الثانية، وأفرزت نظام عالمي تحت هيمنة الغرب، وفي 1990 انتهت مرحلة الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وعودة للقطبية الأمريكية في إدارة العالم حتى ظهور جماعات جهادية في 2001، كان وقتها ناتج الصين عام 2002 نحو 1.2 تريليون دولار، فيما كان ناتج الولايات المتحدة يبلغ 11 تريليون دولار، لكن ارتفع الناتج الصيني في 2025 إلى 20 تريليون دولار مقابل 31 تريليون دولار للولايات المتحدة، أي أن الصين أصبحت القوة المنافسة للولايات المتحدة، لم تكن كذلك عندما انهار الاتحاد السوفيتي في عام 1990، كذلك ارتفع ناتج بريكس من 8% من الناتج العالمي عام 2002 إلى 24% في عام 2005، فيما انخفض ناتج الدول السبع من 71% من الناتج العالمي عام 2002 إلى 45% في عام 2025.
دخل العالم صدام بين الدول العظمى أمريكا والصين عبر حرب بالوكالة، حرب لا مركزية، تهدف للسيطرة على الممرات البحرية، والتحكم في مصادر الطاقة والمعادن، بدأت بحرب روسيا في أوكرانيا في 2022، وطوفان الأقصى في غزة 2023، وحرب السودان، وهناك بقايا صراعات غزو أمريكا للعراق 2003 تمددت إيران عبر أذرعها في المنطقة العربية بغض طرف واشنطن، وحصاد ثورات الربيع العربي 2011 بانهيار سوريا وليبيا واليمن، والآن الحرب على إيران وأذرعها.
تاريخيا ظل حكم الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي الأول 1501 حتى سقوط العاصمة أصفهان 1727 على يد القبائل الأفغانية الهوتاكية بقيادة محمود الهوتكي إلى دخول إيران في مرحلة حرجة من الفوضى السياسية والتدخلات الخارجية، حتى تدخلت الدولة العثمانية، ووقعت معاهدة همدان بين الدولة العثمانية وقائد الأفغان أشرف هوتاك، قاد إلى توسع عثماني وروسي، وخسرت إيران أراضي واسعة لصالح روسيا في القوقاز، وعقدت معاهدتان في 1813، 1828، وتعرضت إيران لغزو روسي وبريطاني في 1941 وعزل رضا بهلوي لصالح ابنه محمد، حكم إيران بعد سقوط الدولة الصفوية الدولة الأفشارية بقيادة نادر شاه، ثم السلالة الزندية، تلتها السلالة القاجارية ثم البهلوية وصولا إلى الجمهورية الإسلامية.
تعتبر أمريكا إيران المتحالفة مع الصين وروسيا تحديا استراتيجيا يهدد هيمنتها العالمية، ومصالحها في الشرق الأوسط، يقوض النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، بعدما كانت ترى الولايات المتحدة إيران حليف ضد الاتحاد السوفيتي عندما دعمت الشاه، لكن بعدما اتجه رئيس الوزراء محمد مصدق إلى تأميم صناعة النفط عام 1951 دعمت أمريكا انقلاب الشاه 1953 كانت نقطة تحول.
وكانت علاقة ملالي طهران بين التحالف مع أمريكا وإسرائيل أثناء الحرب الإيرانية العراقية، ودعم أيران أمريكا في احتلالها العراق وأفغانستان بعدما رفضت الدول العربية وتركيا تقديم أي دعم للولايات المتحدة، لكن لم تكن العلاقة على ما يرام بين الجانبين لأن إيران تود أن تمنحها واشنطن أن تكون شرطي المنطقة، لكن واشنطن تدرك ان السعودية خلفها العالم الإسلامي ولها مصالح كبيرة معها لا يمكن التفريط فيها، وتمتلك السعودية حكم راسخ نجح في مواجهة تحديات كثيرة.
لجأت إيران على احتجاز 66 رهينة 1979-1981، أعقبها تفجيرات ثكنات بيروت في 1983 من قبل حزب الله في بيروت قتل أكثر من 200 من مشاة البحرية، لكن بعد احداث 11 سبتمبر 2001 تعززت العلاقات بين طهران وواشنطن، ووقعت طهران مع دول 5+1 في 2015 اتفاق نووي، لكن اعتبره ترمب اتفاقا ضعيفا جدا ومؤقت انسحب منه عام 2018، وفرض عقوبات مشددة على إيران.
لم تقبل السعودية ترك المنطقة لتغول أمريكا ولثأر إيران من دول الخليج، اتجهت إلى توقيع اتفاق دفاعي بينها وبين باكستان في سبتمبر 2025، واتى الاتفاق الثلاثي الدفاعي في مكة لرسم المنطقة ما بعد الحرب الإيرانية الأمريكية، وهي اتفاقية مفتوحة وطويلة الأجل، استعدادا لتأسيس نظام عالمي.
التحالف الثلاثي قوة صلبة إقليمية في ظل الانكفاء الاستراتيجي للولايات المتحدة نتيجة صعود الصين، خصوصا وأن التحالف يمتلك عناصر قوة متكاملة تنتقل من مبدأ الدفاع المشترك إلى آليات أعمق للتشاور والعمل الجماعي المشترك، إلى جانب تنسيق صناعي لتعزيز دفاعاته ذاتيا وكذلك تبادل المعلومات.
يأتي هذا التحالف الدفاعي متماشيا مع التحولات العالمية ووفقا لتوماس رايت في كتابه ( نقطة تحول .. بايدن وترمب والنظام العالمي المستقبلي) كذلك هناك قراءة دقيقة لرئيس وزراء كندا مارك كارني عندما صرح بقوله نحن أمام قطيعة لا مرحلة انتقالية، فأتت اتفاقية مكة خطوة استباقية في النظام الدولي الجديد مواجهته بالشراكات والتحالفات وليس بالترقب والانتظار، خصوصا بعدما كان العرب وقودا للفوضى منذ احتلال أمريكا للعراق 2003، فلابد من امتلاك رؤية استراتيجية مستقبلية كما في اتفاق مكة، لتدخل المنطقة عصر الاقتصاد والتكنولوجيا حتى تمتلك أدوات المستقبل، وهذا الاتفاق لا يسمح للعالم يعيد رسم خرائط منطقتنا نيابة عنا، على غرار سايكس بيكو 1916، وخرائط أعقبتها على يد أمريكا لمحاولة تغيير هذه الخرائط منها الشرق الأوسط الكبير والجديد وبث الفوضى.
هذا الاتفاق أتى بعدما فشلت أمريكا وإسرائيل في رسم إسرائيل خريطة المنطقة عبر اجبار السعودية على التطبيع مع إسرائيل حتى تحصل على طائرات إف 35 والتوقيع على اتفاق مع الولايات المتحدة حول حصولها على النووي، لكن السعودية حصلت على ما تريد دون أي تطبيع الذي تربطه بموافقة إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة بدعم عالمي وموافقة نحو 150 دولة.
السعودية بعد هذا الاتفاق تتجه نحو هندسة جغرافية سياسية للمنطقة، وتفشل مشاريع أرادت خنق السعودية عبر الحوثي في اليمن وحروب في الصومال والسودان وليبيا وثأر إيراني عبر أذرعها في العراق ولبنان، وعسكرة المنطقة، لكن بعد هذا الاتفاق أصبحت تكاليف مغامرات إيران في العراق وفي لبنان واليمن مرتفعة التكاليف.
اعتبرت إسرائيل هذا الاتفاق تطور خطير على لسان وزير الشتات، فيما اعتبرته إيران على لسان إبراهيم رضائي عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني بقوله ينبغي للسعوديين أن يدركوا أن اتفاقية ورقية مع تركيا وباكستان لن تجلب لهم الأمن.
قادت السعودية هذا التحالف باعتبار انها مركز روحي ودبلوماسي واقتصادي وجيوستراتيجي وتمتلك الواقعية السياسية الاستراتيجية يمكنها من صياغة معادلة جديدة عبر إقامة علاقات متوازنة بين الشرق والغرب دون أي اصطفاف.
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا




