وجهات نظر

حين تتحول الأكاذيب إلى عقيدة سياسية… كيف انتصرت المملكة المغربية على أكبر مشروع تضليل صنعه العسكر الجزائري؟

بقلم رقيق ميلود

في لحظات معينة من التاريخ، لا تسقط الأنظمة بسبب قوة خصومها فقط، بل لأنها تهزم أمام تناقضاتها وأكاذيبها و بروباكنداتها التي ظلت تتراكم حتى تنفجر في وجهها،وهذا بالضبط ما بدأ يعيشه النظام العسكري الجزائري اليوم، بعد التصريح الأخير لوزير الخارجية الجزائري،احمد عطاف،الذي لم يكن مجرد زلة دبلوماسية عابرة، بل كان لحظة انكشاف سياسي مدوية فضحت أمام العالم حجم التضليل الذي مورِس لعقود طويلة حول قضية الصحراء المغربية.

لقد كان ذلك التصريح أشبه بزلزال سياسي ضرب الرواية الرسمية الجزائرية في العمق، وكشف أن ما سوق لأكثر من خمسين سنة باعتباره “قضية تحرر” لم يكن في الحقيقة سوى مشروع وهمي صنعته المؤسسة العسكرية الجزائرية لخدمة أجنداتها الإقليمية، وإبقاء الشعب الجزائري أسيرا لصراعات مفتعلة تستعمل لإلهائه عن أزماته الحقيقية.

ولأكثر من نصف قرن، ضخ النظام العسكري مليارات الدولارات من أموال الشعب الجزائري في كيان وهمي بلا شرعية تاريخية ولا مقومات دولة ولا وزن دولي حقيقي، فقط من أجل تغذية نزاع مصطنع ضد المملكة المغربية.

فعلا،تم تسويق الأكاذيب عبر الإعلام والخطب والشعارات، وصنعت أسطورة “الجمهورية الوهمية” داخل غرف الدعاية السياسية، بينما الحقيقة كانت واضحة لكل من يقرأ التاريخ بعين العقل لا بعين الأيديولوجيا.

لقد حاول النظام العسكري الجزائري عبثا أن يصنع من الانفصال “قضية”، لكنه اصطدم بحقيقة أقوى من كل المؤامرات:

الصحراء مغربية بالتاريخ، والبيعة، والجغرافيا، والإجماع الشعبي، والشرعية الدولية المتنامية.

وفي المقابل، لم يدخل المغرب في هستيريا الشعارات ولا في منطق الصراخ السياسي، بل واجه كل الاستفزازات بحكمة دولة عريقة، يقودها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله برؤية دبلوماسية هادئة وذكية، جعلت من القضية الوطنية نموذجا في قوة النفس الطويل والانتصار بالعقل لا بالضجيج.

لقد انتصرت الدبلوماسية الملكية لأنها اعتمدت على الواقعية والشرعية والاحترام الدولي، بينما ظل النظام العسكري الجزائري غارقا في خطاب الحرب الباردة، عاجزا عن استيعاب أن العالم تغير، وأن منطق صناعة الكيانات الوهمية لم يعد يجد له مكاناً في النظام الدولي الحديث.

واليوم، وبعد سنوات من المناورات والتحريض وتمويل الانفصال، ماذا كانت النتيجة؟

المغرب أصبح قوة إقليمية صاعدة، يحظى باحترام دولي واسع، ونجح في تحويل أقاليمه الجنوبية إلى نموذج تنموي واستثماري متقدم، فيما بدأت الأطروحة الانفصالية تتهاوى تحت ثقل الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، والدعم الواسع لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الجاد والواقعي.

أما النظام العسكري الجزائري، فقد وجد نفسه محاصرا بالتناقضات والعزلة السياسية، بعدما تحولت “الجمهورية الوهمية” إلى عبء ثقيل حتى على من كانوا يساندونها في الماضي.

والأخطر من ذلك، أن الشعب الجزائري بدأ يكتشف حجم الخديعة التي عاش داخلها لعقود،فقد تم إقناعه بأن الصحراء قضية مصيرية للجزائر، بينما الحقيقة أن النظام كان يستخدم هذا الملف لتبرير استمرار هيمنة العسكر على القرار السياسي، ولإبعاد الأنظار عن الأزمات الداخلية الخانقة التي يعيشها المواطن الجزائري يوميا .

كيف يمكن لشعب يملك واحدة من أكبر الثروات الغازية والنفطية في العالم أن يعيش كل هذه الأزمات الاجتماعية والاقتصادية؟

كيف تم تبديد مليارات الدولارات على مشروع انفصالي فاشل بينما كان الشباب الجزائري يحلم فقط بفرصة عمل أو سكن أو أفق كريم؟

ومن يتحمل مسؤولية عقود من التضليل السياسي والإعلامي؟

إن ما كشف اليوم ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل فضيحة سياسية وأخلاقية كبرى،ولذلك، فإن أقل ما يمكن أن يفعله النظام الجزائري تجاه شعبه هو تقديم استقالة سياسية وأخلاقية جماعية، والاعتراف بحجم الأكاذيب التي تم تسويقها لعشرات السنين.

لقد حان الوقت لكي يخرج المسؤولون في الجزائر بكل شجاعة ويقولوا الحقيقة للشعب:

أن ملياراته أُهدرت في سراب سياسي.

وأن مستقبل المغرب العربي تم تعطيله بسبب حسابات العسكر.

وأن “الجمهورية الوهمية” لم تكن سوى أداة ابتزاز سياسي انتهت صلاحيتها أمام انتصار الحقيقة.

بل إن المرحلة اليوم تتطلب أكثر من مجرد اعتراف ضمني أو ارتباك في التصريحات؛ إنها تحتاج إلى اعتذار رسمي وصريح للشعب الجزائري عن عقود من التضليل، وعن استنزاف ثرواته في معركة خاسرة، وعن تحويل الجزائر من دولة كان يمكن أن تكون قوة اقتصادية كبرى إلى رهينة نزاع عبثي لا يخدم سوى بقايا عقلية الحرب الباردة.

وفي الجهة المقابلة، أثبت الشعب المغربي، من طنجة إلى الكويرة، أنه شعب موحد خلف ثوابته الوطنية وملكه، وأن قضية الصحراء ليست مجرد ملف سياسي، بل قضية وجود وكرامة وسيادة وطنية.

لقد حاول خصوم المغرب اللعب على عامل الزمن، لكن الزمن نفسه انقلب ضدهم.

وحاولوا التشكيك في مغربية الصحراء، فإذا بالعالم اليوم يقتنع أكثر فأكثر بعدالة الوحدة الترابية للمملكة.

وحاولوا عزل المغرب، فإذا به يتحول إلى شريك استراتيجي موثوق على المستوى الإفريقي والدولي.

إنها ليست مجرد هزيمة دبلوماسية للعسكر الجزائري، بل سقوط مدوٍ لأكبر مشروع تضليل سياسي عرفته المنطقة المغاربية منذ عقود.

لقد انتصرت الحقيقة… وسقطت الأكاذيب.

وانتصرت الحكمة الملكية… وسقطت أوهام العسكر.

وانتصر إيمان الشعب المغربي بعدالة قضيته الوطنية… بينما بدأت الرواية الانفصالية تتفكك أمام أعين العالم.

فالتاريخ قد يتأخر أحياناً في كشف الحقيقة، لكنه لا يرحم أبداً من يبنون سياساتهم على الوهم والخداع وتزييف وعي الشعوب.

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى