
التحولات المصيرية في السياسة الفلسطينية: حين تغيّرت وظيفة السياسة
منذ قيام السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينيات، بدا أن الفلسطينيين يدخلون مرحلة جديدة في تاريخهم السياسي. فقد مثّلت تلك المرحلة، رغم محدودية صلاحياتها وغياب السيادة الكاملة، محاولة للانتقال من مرحلة الثورة والمنفى إلى مرحلة بناء المؤسسات وممارسة شكل من أشكال الحكم الذاتي على الأرض. وكان الرهان أن تكون هذه المؤسسات، بما فيها الانتخابات والمجلس التشريعي والأجهزة الإدارية، أدوات انتقالية ضمن مشروع أكبر عنوانه بناء الدولة واستعادة القرار الوطني.
لكن مع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين الوظيفة التي كان يفترض أن تؤديها هذه المؤسسات وبين الواقع الذي تشكل على الأرض. فبدل أن تكون الإدارة مقدمة للسيادة، أصبحت السيادة نفسها أكثر صعوبة في ظل استمرار الاحتلال وتوسع الاستيطان وتزايد التحكم الإسرائيلي بالعناصر الأساسية التي تحدد معنى الدولة: الأرض، والحدود، والحركة، والموارد، والقدرة على اتخاذ القرار في القضايا المصيرية.
عند هذه النقطة بدأ التحول الأعمق في التجربة السياسية الفلسطينية. فلم تعد القضية فقط في حجم الصلاحيات المتاحة للفلسطينيين، بل في طبيعة السياسة التي يمارسونها داخل واقع شديد التعقيد. فقد بقيت المؤسسات قائمة، واستمرت الانتخابات، وحافظت الأحزاب والقوى السياسية على حضورها، لكن السؤال الأساسي أصبح: هل ما زالت هذه السياسة قادرة على إنتاج تغيير حقيقي، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى إدارة لواقع تحدد شروطه قوة خارجية؟
لقد كانت السياسة الفلسطينية في بدايات هذه المرحلة مرتبطة أساسًا بسؤال التحرر: إنهاء الاحتلال، واستعادة الأرض، وبناء الدولة، وتحقيق حق تقرير المصير. ولم تكن المؤسسات والانتخابات غاية بحد ذاتها، بل أدوات ضمن مشروع وطني أوسع يفترض أن ينقل الفلسطيني من حالة الخضوع لواقع مفروض إلى حالة القدرة على صناعة المستقبل.
لكن مع مرور الوقت، بدأت السياسة الفلسطينية تتحرك داخل مساحة مختلفة. فبدل أن يبقى السؤال المركزي هو كيفية الانتقال من الاحتلال إلى الاستقلال، أصبح جزء كبير من العمل السياسي اليومي مرتبطًا باستمرار المؤسسات، ودفع الرواتب، وإدارة الخدمات، ومعالجة الأزمات المالية، وتنظيم الحياة العامة في ظل واقع يزداد صعوبة.
لم تختفِ السياسة الفلسطينية، لكن تغيّرت وظيفتها.
وهنا تظهر إحدى أهم الإشكاليات في الحالة الفلسطينية: الخلط بين وجود السياسة وبين قدرة السياسة. فالفلسطينيون لم يفقدوا السياسة بمعنى وجود الأحزاب والمؤسسات والنقاشات العامة، وما زالت هناك قوى سياسية ورؤى مختلفة حول المستقبل. لكن السؤال الأعمق يتعلق بقدرة هذه السياسة على التأثير في الواقع الذي تتحرك داخله.
فقد توجد سياسة بلا سيادة، ومؤسسات بلا قدرة على اتخاذ القرارات الكبرى، وانتخابات تختار من يدير المجال المتاح لكنها لا تغير حدود هذا المجال. فالسياسة لا تُقاس فقط بوجود المؤسسات، بل بقدرتها على فتح خيارات جديدة والتأثير في مسار المستقبل. وحين تنحصر في إدارة الشؤون اليومية، فإنها تفقد جزءًا من وظيفتها التاريخية وتصبح أقرب إلى إدارة الواقع بدل تغييره.
وهنا يظهر الدور المركزي للاحتلال في إعادة تشكيل المجال السياسي الفلسطيني. فالاحتلال لم يكتفِ بمنع قيام السيادة الكاملة، بل ساهم في تضييق المساحة التي تتحرك داخلها السياسة الفلسطينية، من خلال إبقاء عناصر القوة الأساسية ـ الأرض، والحدود، والموارد، والحركة، والقرار الأمني ـ خارج السيطرة الفلسطينية. وبذلك لم يقتصر أثر الاحتلال على السيطرة المادية، بل امتد إلى التأثير في طبيعة السياسة نفسها، بحيث أصبحت المؤسسات الفلسطينية قادرة على إدارة جوانب مهمة من حياة المجتمع، لكنها محدودة القدرة على تغيير الشروط التي تحدد هذه الحياة.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد بالاحتلال وحده لا يفسر كل جوانبه. فوجود مؤسسات فلسطينية محدودة قد يتقاطع أحيانًا مع مصلحة الاحتلال، ليس لأنها تحقق المشروع الفلسطيني، بل لأنها توفر إطارًا لإدارة المجتمع الفلسطيني وتخفف من تكلفة السيطرة المباشرة. ولهذا فإن السؤال الأساسي لا يتعلق بوجود السياسة الفلسطينية، بل بوظيفتها: هل هي أداة لبناء قدرة وطنية تقود إلى تغيير الواقع، أم أنها تتحول إلى وسيلة لإدارة واقع صُمم ليبقى محدودًا؟
لكن أزمة السياسة الفلسطينية لا ترتبط فقط بالعامل الخارجي، بل تتصل أيضًا بخلاف داخلي عميق حول معنى السياسة وطريق استعادتها.
فهناك اتجاه يرى أن استعادة الفعل السياسي الفلسطيني تمر عبر بناء مؤسسات وطنية قادرة على إنتاج السيادة، وتوسيع دائرة المبادرة، وتحويل المجتمع إلى طرف قادر على التأثير في موازين القوة. ويرى هذا الاتجاه أن بناء القدرة السياسية والمؤسساتية ليس نقيضًا للتحرر، بل أحد شروطه، وأن المجتمع المنظم والمؤسسات الفاعلة يمكن أن تكون أدوات أساسية في أي مشروع وطني طويل المدى.
وفي المقابل، هناك اتجاه آخر ينطلق من رؤية مختلفة جذريًا لمعنى السياسة. فهذا الاتجاه لا يرى أن بناء المؤسسات داخل واقع الاحتلال يمكن أن يكون طريقًا كافيًا للتحرر، بل يعتبر أن نقطة البداية هي مواجهة الاحتلال وتغيير ميزان القوة معه. وفي العمق الفكري لهذا التيار، ظل العمل السياسي القائم على التفاوض أو بناء المؤسسات محل شك كبير، إذ اعتُبر في كثير من الأحيان مسارًا يحمل خطر التحول من مشروع التحرر إلى إدارة واقع مفروض أو قبول بتسويات لا تحقق جوهر القضية.
ولهذا تعاملت هذه القوى مع السلطة ومؤسساتها باعتبارها واقعًا قائمًا أكثر منها مشروعًا استراتيجيًا نهائيًا؛ فسايرت وجودها بالقدر الذي يسمح لها بالحضور والتأثير، لكنها أبقت على تصور مختلف للهدف السياسي النهائي، يقوم على أن المقاومة هي الأداة المركزية لتغيير ميزان القوة واستعادة الحقوق.
وبذلك لا يصبح الخلاف بين التيارين مجرد خلاف على الوسائل، بل خلاف على تعريف السياسة نفسها. فالاتجاه الأول يرى أن السياسة تبدأ ببناء القدرة الوطنية والمؤسساتية وصولًا إلى السيادة، بينما يرى الاتجاه الثاني أن السياسة تبدأ من كسر ميزان السيطرة القائم، وأن أي بناء مؤسساتي لا يسبقه تغيير في ميزان القوة سيبقى محكومًا بشروط الاحتلال.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى في الحالة الفلسطينية: هل يمكن بناء صيغة تجمع بين بناء المؤسسات ومواجهة الاحتلال، بحيث تصبح الأدوات المختلفة جزءًا من مشروع سياسي واحد؟ أم أن استمرار الصراع بين هذه الرؤى سيبقي المجال السياسي الفلسطيني أسير الانقسام؟
فالمشكلة أن الخلاف الداخلي، بدل أن ينتج تكاملًا بين أدوات مختلفة، تحول في كثير من الأحيان إلى صراع على تعريف المشروع الوطني نفسه. فأصبح الانقسام ليس فقط حول كيفية التحرر، بل حول من يملك تعريف السياسة الفلسطينية ومن يمثلها.
وهكذا تصبح المفارقة أكثر تعقيدًا: فالاحتلال يفرض حدود المجال السياسي من الخارج، والانقسام الفلسطيني يضعف القدرة على توسيعه من الداخل.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن المؤسسات الفلسطينية فقدت قيمتها، أو أن المجتمع الفلسطيني فقد قدرته على الفعل. فبناء المجتمع، والحفاظ على المؤسسات، وتطوير أدوات التنظيم، ليست أعمالًا هامشية في تجارب الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، بل قد تكون جزءًا من عملية التحرر نفسها.
المشكلة ليست في وجود المؤسسات، بل في أن تتحول إلى بديل عن المشروع الذي يفترض أن تخدمه. فالسلطة ليست دولة، لكنها ليست عدمًا. والمؤسسات ليست سيادة، لكنها قد تكون طريقًا إليها إذا ارتبطت بمشروع سياسي واضح. والمقاومة ليست مجرد فعل منفصل عن السياسة، كما أن السياسة ليست مجرد تفاوض أو إدارة؛ فكلاهما يكتسب معناه من قدرته على إعادة الفلسطيني إلى موقع الفاعل التاريخي.
ولهذا فإن النقاش حول الانتخابات أو أي مسار سياسي آخر لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال المشاركة أو المقاطعة فقط، بل عند سؤال أعمق: ماذا سينتج هذا المسار؟ هل سيعيد بناء قدرة الفلسطينيين على التأثير في مستقبلهم؟ أم سيكتفي بتغيير الأشخاص الذين يديرون واقعًا بقيت شروطه كما هي؟
فالانتخابات وحدها لا تصنع التحرر، كما أن المقاومة وحدها لا تنتج التغيير تلقائيًا. قيمة أي خيار سياسي لا تُقاس بشكله فقط، بل بقدرته على تحويل الفلسطيني من متلقٍ للوقائع إلى طرف قادر على صناعة الخيارات.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع السياسة الفلسطينية أن تستعيد وظيفتها الأصلية، وأن تنتقل من إدارة واقع فرضته موازين القوة إلى قوة قادرة على تغييره؟
الإجابة لا تتعلق فقط بتغيير الحكومات أو إجراء انتخابات جديدة، بل بإعادة تعريف السياسة نفسها: أن تصبح المؤسسات أدوات لبناء القدرة الوطنية، وأن تكون المقاومة جزءًا من مشروع سياسي واضح، وأن تتحول السياسة من التعامل مع الحاضر إلى صناعة المستقبل.
فالسؤال في النهاية ليس: هل ما زالت هناك سياسة فلسطينية؟
فالسياسة موجودة.
السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع السياسة الفلسطينية أن تستعيد قدرتها على أن تكون فعلًا يغيّر التاريخ بدل أن تكتفي بإدارته؟


