وجهات نظر

الجزائر : من الفاتح من نوفمبر إلى انسداد الأفق: قراءة في خيانة العهد ونكسة المشروعية المغاربية

في تاريخ الأمم والملحمات الكبرى، نادرا ما نجد وثيقة تحسد على نبلها وعمقها الإنساني والسياسي كما هو الحال مع بيان الأول من نوفمبر 1954؛ إذ لم يكن ذلك البيان المرجعي مجرد نداء لرفع السلاح ضد المستعمر الغاشم، بل كان ميثاقا أخلاقيا وسياسيا جامعا أوجده الرعيل الأول من الحكماء والعقلاء  من الشعب الجزائري ليؤسس لدولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة ضمن أطر المبادئ الإسلامية والإنسانية، ومفتوحة بالضرورة على عمقها المغاربي الطبيعي.

غير أن المتأمل الحصيف للمسار التاريخي يجد نفسه مجبرا على الوقوف عند حقيقة صارخة تتمثل في تلك الخيانة الأولى التي لم تقترفها القواعد الشعبية المقاومة ولا أبناء الشعب الأوفياء، بل ارتكبتها البنية السلطوية التي جثمت على المقدرات والقرار بعيد الاستقلال بأسابيع معدودة، حيث تحولت فرحة الانعتاق الوطني، التي سُفكت على مذبحها دماء الشهداء، إلى مأساة تسلطية قمعية أعادت إنتاج أدوات الهيمنة الاستعمارية بأساليب جديدة، واستبدلت أحلام الجزائر الحرة الديمقراطية بمنظومة حكم شمولية ذات طابع عسكري أمني محتكر للقرار ومتفرد بالسلطة.

إن نقد هذه الصيرورة التاريخية المؤلمة لا ينبع إطلاقا من رغبة في التهجم أو إطلاق الأحكام الجاهزة، بل هو دعوة ملحة إلى وقفة تأمل تاريخية وجريئة ولحظة تفكير عميق تجعل الحقيقة نصب الأعين، خاصة بعدما أقدم النظام العسكري الحاكم على تجريف فلسفة بيان الفاتح من نوفمبر من محتواها التحرري، وتحول العقد الاجتماعي من تعاقد بين سلطة حقيقية وديمقراطية وشعبٍ صانعٍ لحريته إلى معادلة أمنية تُصادر الحقوق وتكمم الأفواه وتُلغي التعددية.

إن هذا الانحراف المؤسسي المبكر أدى إلى حالة من العزلة المركبة بالداخل والخارج؛ فبدلا من بناء دولة المؤسسات والقانون والحكم الرشيد، جرى تكريس خيار التحكم الأمني العسكري الذي يرى في كل صوت مصالح أو نداء إصلاحي أو طرح ديمقراطي تهديداً لوجوده واستمراريته.

ونتيجة لهذا الخيار التسلطي، عاش المجتمع الجزائري العقود الموالية تحت وطأة الأزمات المتناسخة والأنسداد السياسي الشامل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على البنيتين الاقتصادية والثقافية، وجعل من هذا البلد العظيم الغني بثرواته الباطنية وطاقاته البشرية رهينة لتسيير أزموي دائم ومراكمات من الفشل الهيكلي.

ولم تقف تداعيات هذا الخيار الشمولي عند حدود الداخل الجزائري وخنق حرياته، بل امتدت لتحدث زلزالا جيو-سياسيا في المنطقة المغاربية بأسرها؛ فبدلا من استثمار المشترك التاريخي والنضالي الدامي الذي اختلطت فيه دماء الشعوب المغاربية إبان معارك التحرير والتلاحم الأخوي ضد المستعمر، اختار النظام العسكري الجزائري قطع شريان التضامن المغاربي ونكث العهود والمواثيق الموقعة قبل الاستقلال وبعده، وناصب الجوار الإقليمي العداء المفتعل.

وقد تجلت هذه العجرفة السياسية حتى في أسمى المواقف الإنسانية، حيث قدم التعالي الأيديولوجي والحقد السياسي على أرواح المواطنين وحماية البيئة؛ ولعل أبرز دليل على ذلك هو الرفض القاطع لكل المبادرات الإقليمية للتضامن أثناء الكوارث الطبيعية وحرائق الغابات المهولة التي التهمت الأخضر واليابس وأكلت أرواح المواطنين والحيوانات في الجزائر،ففي الوقت الذي فرضت فيه قيم النخوة والجوار الاستجابة لنداءات الإغاثة والمؤازرة الصادرة من الأشقاء، فضل أصحاب شنقريحة و تبون   قبول النار الملتهبة والخسائر الفادحة على أن يفتحوا باب التضامن المغاربي الأخوي، في صورة تعكس أوج العناد والسياسات الصبيانية.

إن الخطورة الكبرى والداعي الحقيقي للقلق في هذه السياسة الرسمية المتبعة هي أن هوة الحقد والبغضاء لم تعد تقتصر على السجالات الدبلوماسية، بل أصبحت تُغذى وتتعمق لدى فئات معينة من الشعب عبر الشحن الإعلامي المكثف، وهو أمر بالغ الخطورة بالنظر إلى طبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية الفريدة التي تجمع الشعوب المغاربية، حيث تتشابك علاقات المصاهرة والنسب والزواج بين أغلبية الأسر الجزائرية وباقي أسر الدول المجاورة.

ويضاف إلى ذلك الحصار المضروب على الجانبين الاقتصادي والثقافي؛ إذ تسبب هذا الانسداد في حرمان المنطقة من تكامل اقتصادي كان كفيلا برفع معدلات النمو وخلق ملايين فرص الشغل للشباب، إلى جانب خنق التواصل الثقافي والحضاري الأصيل بين شعوب يجمعها دين واحد ولغة واحدة وتاريخ مشترك.

وفي مقابل هذا الجدار التسلطي والانسداد الإقليمي المفتعل، برزت مبادرات إيجابية ورؤى حكيمة تسعى إلى رأب الصدع وترميم ما أفسدته الحسابات الضيقة، وتتجلى أسمى صورها وأقواها في الموقف المغربي النبيل عبر الخطب الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، الذي دعا في أكثر من مناسبة تاريخية إلى سياسة “اليد الممدودة” نحو الجزائر.

لقد أطلق جلالته بلسان الحكمة ورغبة السلم الصادقة نداءات متكررة لتجاوز الخلافات المفتعلة، مؤكدا بوضوح لا يدع مجالا للشك أن المغرب لن يكون أبدا مصدرا لأي شر أو سوء للجزائر، وداعيا إلى فتح الحدود المغلقة بلا شروط، وتطبيعي العلاقات بين البلدين الشقيقين، وبناء شراكة إستراتيجية قائمة على الحوار المباشر والأخوة والمصير المغاربي المشترك.

لقد شكلت هذه الخطب الملكية السامية قوة أخلاقية وسياسية داعمة لمسار السلام ومبادرة تاريخية رفيعة لحل كافة الأزمات العالقة بروح من المسؤولية الوطنية والشهامة الإقليمية.

لكن المثير للاستغراب الشديد والأسف العميق أن هذه الخطوات المغربية الحكيمة وهذه اليد الممدودة بالسلم والمحبة قوبلت دائما بالتجاهل والرفض والتشكيك من قبل الأجهزة السياسية والعسكرية في الجزائر.

ولم يقف الأمر عند حدود الرفض الدبلوماسي التقليدي، بل تعداه إلى جلب كافة أدوات البروباغندا وتجنيد الآلاف من القصاصات الإخبارية الكاذبة والكتائب الإلكترونية والذباب الرقمي لضرب هذه المبادرة المغربية الشجاعة وتشويه مراميها النبيلة، فقط حتى لا يرى الشعب الجزائري الحقيقة الصاطعة، ولا يفطن لسر اللعبة الخبيثة التي يمارسها النظام.

إن هذا الإصرار على إبقاء حالة العداء المفتعل والتوتر الدائم مع الجوار ليس سدى ولا محض مصادفة، بل هو آلية بقاء حيوية للبنية الشمولية؛ فالإبقاء على شساعة “العدو الخارجي الوهمي” يُعد التبرير الوحيد لإدامة القبضة العسكرية، وتبرير الفشل الاقتصادي الذريع، وتغطية تجريف القطاعات الإنتاجية والثقافية، واستمرار فئة الانقلاب على بيان الفاتح من نوفمبر في احتكار السلطة واستنزاف ثروات البلاد ومقدراتها على حساب طموحات الشعب في العيش الكريم.

إن الخروج من هذا النفق المظلم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلبان عودة صادقة وشجاعة إلى الروح الحقيقية لبيان الأول من نوفمبر 1954؛ فالجزائر التي يستحقها شعبها الأبي المعطاء ليس هي جزائر العزلة والتسلط والعداء المجاني والتصلب السياساتي، بل هي جزائر الحرية، والديمقراطية، والتنمية، والجوار الآمن والمنفتح.

إن التفكير العميق والمراجعة الشجاعة من عقلاء و حكماء الشعب الجزائري هما أول طريق العلاج، إذ لن يستقيم حاضر المنطقة ولا مستقبل أجيالها القادمة إلا بإسقاط أوهام الهيمنة، وتغليب صوت الحكمة والتعقل، والتجاوب الصادق مع أيادي السلم الأخوية الممدودة، لاستعادة أحلام الشهداء الأبرار الذين قضوا لتكون الجزائر منارة ديمقراطية ورمزا متوهجا للوحدة والتضامن المغاربي الخلاق و الآمن .

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى