
حين نضع مستقبل المشروع الوطني في صندوق اقتراع إسرائيلي
ثمة مفارقة قاسية في اللحظة الفلسطينية الراهنة: إسرائيل تستعد لانتخاباتها، فيما يبدو أن جزءًا من السياسة الفلسطينية يستعد معها، وكأن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ينتظر بدوره ما ستقوله صناديق الاقتراع الإسرائيلية. من سيبقى في الحكم؟ هل يفوز نتنياهو؟ هل يتغير الائتلاف؟ هل تأتي حكومة أقل تطرفًا؟ وهل يمكن أن يفتح تغير تركيبة الحكومة الإسرائيلية نافذة سياسية جديدة؟ أسئلة مشروعة، بل ضرورية، لأن ما يحدث في إسرائيل يؤثر بصورة مباشرة في حياة الفلسطينيين وفي مستقبل الصراع. لكن الخلل يبدأ عندما تنتقل هذه الأسئلة من موقع المتابعة والتحليل إلى موقع الانتظار، وعندما يصبح ما ستنتجه الانتخابات الإسرائيلية شرطًا مسبقًا لما يمكن أن يفعله الفلسطينيون.
المشكلة هنا ليست في الاهتمام بالانتخابات الإسرائيلية، وإنما في أن يتحول الاهتمام إلى اعتماد، وأن يصبح مستقبل السياسة الفلسطينية معلقًا على احتمال أن ينتج المجتمع الإسرائيلي حكومة أقل تطرفًا. عند هذه النقطة لا تعود الانتخابات الإسرائيلية مجرد حدث في البيئة السياسية المحيطة، بل تصبح، بصورة غير مباشرة، جزءًا من آلية صنع القرار الفلسطيني، وكأن الفلسطيني لا يستطيع أن يحدد مساره قبل أن يعرف من سيكون رئيس الحكومة في تل أبيب.
وراء ذلك كله أزمة أعمق تتصل بمكان الفعل الفلسطيني نفسه. فقد تراجعت، على مدى سنوات، قدرة السياسة الفلسطينية على التعامل مع الخارج باعتباره متغيرًا في البيئة السياسية، لا مصدرًا لبدء الحركة. شيئًا فشيئًا، أصبح القرار الفلسطيني يتشكل في ضوء ما قد يحدث خارج فلسطين أكثر مما يتشكل انطلاقًا مما يمكن للفلسطينيين أن يفعلوه بأنفسهم؛ تُراقَب واشنطن، وتُقرأ التحولات الإقليمية، وتُنتظر الانتخابات الإسرائيلية، ويُترقب تبدل الإدارات والمواقف الدولية، ثم يُرحّل جزء من إعادة ترتيب البيت الفلسطيني إلى استحقاقات داخلية مؤجلة. وهكذا لم يعد الانتظار مجرد فترة بين حدثين، بل تحول تدريجيًا إلى طريقة في إدارة السياسة نفسها؛ فيما كانت الوقائع تتقدم في الخارج أسرع من قدرة الداخل الفلسطيني على بناء أدواته، واستعادة زمام المبادرة، وتحويل ما يملكه من عناصر قوة إلى قدرة سياسية مؤثرة.
وهذه ليست مسألة نفسية أو أسلوبًا في الخطاب السياسي، بل مسألة تتعلق بمركز القرار نفسه. حين يصبح الخارج هو الذي يحدد إيقاع الحركة، يتحول الداخل تدريجيًا من فاعل إلى متلقٍ؛ ينتظر التحول في واشنطن، ثم يعيد حساباته، وينتظر التغير في إسرائيل، ثم يعيد ترتيب أولوياته، وينتظر التحولات الإقليمية، ثم يبحث عن موقعه فيها. ومع الوقت لا يعود السؤال المركزي هو كيف نصنع نحن مساحة للفعل، وإنما كيف نتكيف مع المساحة التي يتركها لنا الآخرون. وهنا تحديدًا يبدأ تآكل الاستقلال السياسي، حتى من دون أن يفقد الفلسطينيون قضيتهم أو تمسكهم بها.
لكن الانتظار في الحالة الفلسطينية ليس موقفًا محايدًا، لأن الزمن لا يعمل لصالح الفلسطينيين بالضرورة. السياسة يمكن أن تؤجل قرارًا، أما الأرض فلا تؤجل نفسها. المستوطنات تتوسع، والطرق تتغير، والحواجز تعيد تشكيل الحركة، والمناطق تُفصل عن بعضها، والوقائع التي تبدو اليوم مؤقتة يمكن أن تصبح غدًا جزءًا من بنية مستقرة يصعب تغييرها. لذلك فإن انتظار الانتخابات الإسرائيلية حتى تتضح الصورة يعني، في بعض الحالات، السماح للواقع نفسه بأن يتقدم خلال فترة الانتظار.
وقد يحتاج الإسرائيليون إلى أسابيع أو أشهر لكي يحسموا شكل حكومتهم المقبلة، لكن الأرض الفلسطينية لا تدخل في حالة انتظار خلال هذه الفترة. ما يحدث في الضفة يستمر، وما يجري في غزة يستمر، والوقائع السياسية والأمنية والاقتصادية تواصل تشكيل المستقبل قبل أن تظهر نتائج الصندوق الإسرائيلي. الفلسطيني الذي ينتظر النتيجة لا ينتظر في فراغ، وإنما ينتظر داخل واقع يتغير كل يوم، وفي صراع يتحرك حتى عندما تتوقف السياسة عن الحركة.
وقد يكون تغير الحكومة الإسرائيلية مهمًا بالفعل. قد يؤدي تغير الائتلاف إلى فروق في التكتيك، أو في طريقة إدارة الصراع، أو في هامش الحركة السياسية، وقد تنتج حكومة أقل تطرفًا من الحكومة الحالية. لكن هذا كله لا ينبغي أن يتحول إلى أساس للمشروع الوطني الفلسطيني. فالحكومات تتغير، والائتلافات تتبدل، والشخصيات تصعد وتهبط، بينما تحتاج المشاريع الوطنية إلى استمرارية تتجاوز دورة انتخابية واحدة في الدولة الأخرى. وحتى لو جاءت حكومة إسرائيلية أكثر استعدادًا للتفاوض، فإن ذلك لا يعفي الفلسطينيين من امتلاك رؤيتهم، ولا يعيد إليهم تلقائيًا ما فقدوه من قدرة سياسية، ولا يحل أزمة الانقسام والشرعية والمؤسسات.
الأهم أن تغير الحكومة لا يعني بالضرورة تغير الاتجاهات الأعمق التي تحكم السياسة الإسرائيلية تجاه الأرض الفلسطينية. قد تتغير درجة التشدد، وقد تختلف الأدوات والخطابات، وقد تتبدل أولويات الحكومة، لكن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يضعوا مستقبلهم في انتظار تحول جوهري قد لا يأتي. المشروع الوطني الذي يتوقف على وجود حكومة إسرائيلية مناسبة يضع، بصورة مباشرة، جزءًا من شروط بقائه في يد الطرف الذي يخوض معه الصراع.
وهنا يصبح الخلل أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى الضفة الغربية. فالخطر لا يكمن فقط في عدد المستوطنات أو مساحة الأراضي التي تتم السيطرة عليها، وإنما في إعادة تشكيل المجال الفلسطيني نفسه. حين تصبح المدن والقرى والتجمعات أكثر انفصالًا، وحين تصبح الحركة بينها مرتبطة بعشرات الحواجز والإغلاقات، وحين تتآكل القدرة على الوصول إلى الأرض واستثمارها وربطها اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ما يتغير ليس المشهد الأمني فقط، بل إمكانية قيام مجتمع سياسي متصل وقابل للحياة. الجغرافيا تبدأ عندها في إنتاج السياسة، والسياسة التي تفقد مجالها الجغرافي تبدأ بدورها في فقدان قدرتها على إنتاج المستقبل.
ومن هنا لا يمكن التعامل مع غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا ينتظر بدوره ترتيبات الآخرين. فمستقبل القطاع سيكون جزءًا من مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة الإعمار ليست مسألة عمرانية فقط، كما أن الترتيبات الأمنية والسياسية ليست تفاصيل مؤقتة يمكن فصلها عن المشروع الوطني. القضية الأساسية هي ألا يتحول الانقسام الجغرافي إلى انفصال سياسي دائم، وألا تصبح غزة كيانًا تتم إدارته خارج الإطار الوطني الفلسطيني، بينما تستمر الضفة في مسار مختلف. فإذا حدث ذلك، فلن يكون الانقسام مجرد خلاف بين حركتين أو سلطتين، بل سيصبح إعادة تعريف لفلسطين نفسها، وسيكون جزءًا من فقدان الفلسطينيين لمركز فعل واحد قادر على النظر إلى الضفة وغزة باعتبارهما مجالًا سياسيًا واحدًا.
لهذا فإن استعادة مركز الفعل الفلسطيني تعني، قبل أي شيء، استعادة وحدة المجال السياسي نفسه. لا يمكن بناء استراتيجية وطنية للضفة بمعزل عن غزة، ولا يمكن معالجة مستقبل غزة بمعزل عن الضفة، ولا يمكن إعادة بناء الشرعية بينما يبقى جزء من الشعب خارج النظام السياسي أو خارج مؤسساته. وحدة القرار لا تعني إلغاء التعدد، كما أن وحدة النظام السياسي لا تعني اختفاء الخلافات؛ معناها أن تصبح الخلافات داخل إطار وطني واحد، وأن يكون التنافس على البرامج والسياسات والمواقع، لا على وجود الآخر نفسه.
ومن هنا تكتسب التحولات المحتملة في موقع حماس أهمية تتجاوز الحركة ذاتها. فإذا اتجهت حماس تدريجيًا نحو العمل السياسي، فإن هذا التحول ينبغي ألا يُقرأ فقط بوصفه تسوية تخص سلاح الحركة أو مستقبلها التنظيمي، وإنما باعتباره احتمالًا لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني كله. انتقال قوة سياسية كبيرة من منطق الصراع المسلح إلى المشاركة السياسية يمكن أن يكون فرصة لإعادة بناء النظام الوطني، بشرط ألا يكون مجرد عملية لإدخال طرف جديد إلى نظام قديم، بل مدخلًا لإعادة صياغة قواعد المشاركة والتمثيل والشرعية، وإعادة تعريف العلاقة بين القوى الفلسطينية على أساس سياسي ومؤسسي.
وهنا يصبح التحدي أمام الجميع أكبر من مجرد قبول حماس أو رفضها. المطلوب أن يتحول النظام السياسي الفلسطيني من نظام يدير الانقسام إلى نظام يستوعب التعدد. أن يصبح الانتقال إلى السياسة انتقالًا حقيقيًا إلى قواعد السياسة: مؤسسات شرعية، انتخابات، تداول للسلطة، مساءلة، قبول بالتعدد، واحترام لنتائج العملية الديمقراطية. وفي المقابل، فإن إدماج أي قوة سياسية لا ينبغي أن يعني مجرد إدخالها إلى مؤسسات مأزومة، وإنما ينبغي أن يترافق مع إصلاح هذه المؤسسات نفسها.
فلسطين لا تحتاج إلى إعادة توزيع المقاعد داخل النظام القديم بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء النظام نفسه. ولذلك فإن الانتخابات الفلسطينية المقبلة، إذا جرت، لا ينبغي أن تُختزل في اختيار أشخاص أو قوى تتنافس على السلطة، بل ينبغي أن تكون جزءًا من عملية أوسع لاستعادة الشرعية وإعادة تعريف العلاقة بين الضفة وغزة، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتجديد المؤسسات، وفتح المجال أمام قوى وأجيال وشخصيات جديدة، وتحويل الاختلاف السياسي من مصدر دائم للانقسام إلى جزء طبيعي من حياة سياسية تعددية.
وهذا هو الجانب الذي يمكن للفلسطينيين أن يتحكموا فيه بدرجة أكبر من أي متغير خارجي. لا يستطيع الفلسطينيون اختيار الحكومة الإسرائيلية، ولا التحكم في السياسة الأمريكية، ولا تحديد اتجاهات الإقليم، لكنهم يستطيعون أن يقرروا ما إذا كانوا سيبقون أسرى لهذه التحولات أم سيبنون قدرة سياسية تسمح لهم بالتعامل معها. يستطيعون أن يحددوا أولوياتهم، وأن يعيدوا بناء مؤسساتهم، وأن يجددوا شرعيتهم، وأن يوسعوا قاعدة المشاركة السياسية، وأن يحولوا الانتخابات من مجرد استحقاق قانوني إلى أداة لإعادة بناء القدرة الوطنية.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يعود مركز الفعل الفلسطيني إلى الداخل، لا بمعنى الانغلاق على الخارج أو تجاهل موازين القوى، وإنما بمعنى أن يبدأ القرار من المصالح والأهداف الفلسطينية، ثم يقرأ البيئة الخارجية على أساسها. إسرائيل متغير مهم، والولايات المتحدة متغير مهم، والإقليم متغير مهم، لكن لا يجوز أن تتحول هذه المتغيرات إلى مصادر لصناعة القرار الفلسطيني نفسه. وظيفة السياسة الفلسطينية أن تتعامل معها، وأن تستثمر فرصها، وأن تحد من مخاطرها، لا أن تنتظرها لكي تعرف إلى أين تتحرك.
فالاستقلال السياسي لا يعني امتلاك القدرة على التحكم بالآخرين، وإنما امتلاك القدرة على تحديد الطريق في ظل ما يفعله الآخرون. أن يكون الفلسطيني قادرًا على التعامل مع حكومة إسرائيلية شديدة التطرف أو حكومة أقل تطرفًا، مع إدارة أمريكية منحازة أو إدارة أكثر ضغطًا على إسرائيل، ومع إقليم متعاون أو إقليم مضطرب، من دون أن يتغير جوهر مشروعه الوطني مع كل تغير في البيئة المحيطة.
وعندها فقط تصبح الانتخابات الإسرائيلية عاملًا في الحسابات الفلسطينية، لا مركزًا لهذه الحسابات. يمكن أن تفتح حكومة جديدة نافذة سياسية، ويمكن أن تغلق حكومة أخرى هذه النافذة، لكن امتلاك المشروع الوطني لا يتوقف على وجود النافذة أصلًا. المشروع الذي يمتلك أدواته يستطيع استثمار الانفتاح حين يحدث، والصمود حين يغيب، والتكيف مع التحولات دون أن يفقد اتجاهه.
فالانتخابات الإسرائيلية ستأتي وتذهب. سيتغير رئيس الحكومة أو يبقى، وسيتغير الائتلاف أو يعاد إنتاجه، وستتبدل الخطابات والشعارات. لكن فلسطين لن تتوقف خلال ذلك عن مواجهة أسئلتها الأساسية. الأرض ستستمر في التغير، وغزة ستستمر في البحث عن موقعها، والانقسام سيستمر في استنزاف النظام السياسي، وأزمة الشرعية ستظل قائمة، والمجتمع سيواصل البحث عن سياسة يشعر أنها تمثله وتحمي مصالحه وتمنحه أفقًا.
لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على من سيفوز في إسرائيل، وإنما على ما إذا كان الفلسطينيون سيستعيدون قدرتهم على الفعل قبل أن تحسم الوقائع جزءًا كبيرًا من مستقبلهم بالنيابة عنهم. ليس المطلوب أن ينتظروا اللحظة المناسبة، بل أن يبنوا القدرة التي تجعلهم قادرين على التعامل مع أي لحظة. وليس المطلوب أن يعرفوا مسبقًا ماذا ستفعل إسرائيل أو واشنطن أو الإقليم، بل أن يعرفوا هم ماذا يريدون، وما الذي يمكنهم فعله، وما الذي لا يجوز أن يتركوه للآخرين.
المطلوب، في النهاية، أن تعود فلسطين إلى مركز سياستها. أن تصبح الانتخابات الإسرائيلية حدثًا نراقبه ونحسب أثره، لا موعدًا نعلّق عليه قرارنا. وأن يصبح التغير في إسرائيل عاملًا يؤثر في حساباتنا، لا عاملًا يحدد قدرتنا على الحركة. وأن تصبح الانتخابات الفلسطينية فرصة لاستعادة الشرعية وبناء القدرة وتجديد النظام السياسي، لا مجرد استحقاق آخر في نظام مأزوم.
ستنتخب إسرائيل حكومتها وفق مصالحها وحساباتها، وسيكون على الفلسطينيين أن يتعاملوا مع النتيجة أيًا كانت. لكن المشروع الوطني الفلسطيني لا يستطيع أن ينتظر صناديق الآخرين لكي يعرف طريقه. فالمسألة ليست في أن نعرف من سيحكم إسرائيل، وإنما في أن نكون قد عرفنا قبل ذلك من نحن، وماذا نريد، وما الذي نستطيع فعله. عندها فقط تصبح الانتخابات الإسرائيلية حدثًا في بيئتنا السياسية، لا حدثًا يحدد مستقبلنا.
فالمشروع الوطني لا ينبغي أن يدخل صندوق اقتراع إسرائيلي؛ بل ينبغي أن يدخل، قبل ذلك، إلى امتحان قدرته على استعادة مركز الفعل الفلسطيني.



