
سر الاستثناء الأمني المغربي (6): ماذا يمكن للمغرب أن يقدم لقارته؟
في عام 2017، وقّع المغرب اتفاقية أمنية مع دولة أفريقية تطلب مساعدته في هيكلة جهازها الاستخباراتي. لم يكن ذلك حدثاً استثنائياً بل نمطاً متكرراً بات يُعرَّف به المغرب في القارة: دولة لا تصدّر النفط ولا الأسلحة، بل تصدّر النماذج. نموذج الأمن الروحي لمن يعاني من تمدد التطرف الديني، ونموذج التنسيق المؤسساتي لمن يغرق في صراع الأجنحة بين أجهزته، ونموذج الاستخبارات الاستباقية لمن لا يزال يتعامل مع الأمن كرد فعل لا كاستباق.
لكن قبل الحديث عمّا يمكن للمغرب تقديمه، لا بد من استحضار ما أنجزه فعلاً. فالتصدير الحقيقي لا يقوم على شهادات الذات بل على سجل موثق من النتائج.
ما الذي أنجزه المغرب فعلاً: قراءة في السجل

على صعيد الأمن الميداني الاستباقي، يمثل غياب أي هجوم إرهابي كبير على الأراضي المغربية منذ أحداث أركانة عام 2011 المؤشر الأبلغ. أربعة عشر عاماً من الصمود في محيط إقليمي شهد عشرات العمليات الدموية في دول مجاورة وشقيقة، وهي فترة تعكس عمق المنظومة الاستباقية لا مجرد حظ جغرافي. وتشير التقديرات المتداولة في التقارير الأمنية الدولية إلى أن الأجهزة المغربية فككت على مدار هذه السنوات مئات الخلايا في مراحل تشكّلها الأولى، قبل أن تبلغ مرحلة الاستعداد العملياتي. الرقم الدقيق لا يُعلَن رسمياً بشكل منتظم، وهو في حد ذاته دليل على أن المنظومة تعمل بمنطق الوقاية لا منطق الإعلان.
على صعيد الأمن الروحي، يُخرّج معهد محمد السادس لتكوين الأئمة دفعات منتظمة من الأئمة المكوَّنين، من المغرب ومن دول أفريقية وأوروبية طلبت الانخراط في هذا البرنامج. فرنسا وبلجيكا وغيرهما من الدول الأوروبية التي تعاني من إشكاليات في إدارة الحقل الديني لمواطنيها المسلمين وجدت في الرباط شريكاً لا منافساً. هذا التصدير الروحي يحرم التطرف من حاضنته قبل أن تنشأ، ويبني للمغرب رصيداً دبلوماسياً ناعماً لا يُقاس بالأرقام بل بحجم الثقة التي يمنحها الشركاء.
على صعيد الأمن التنموي، استثمرت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ انطلاقها عام 2005 في مئات المشاريع بالمناطق الأكثر هشاشة اجتماعياً. الرابط بين هذا الاستثمار والأمن ليس نظرياً: المناطق التي شهدت أعلى نسب التجنيد نحو التطرف كانت في غالبها مناطق يتشابك فيها التهميش الاقتصادي مع الفراغ المؤسساتي، وهو ما جعل التدخل التنموي في هذه المناطق تحديداً استثماراً أمنياً بامتياز.

على صعيد الأمن السيبراني، يحتل المغرب مراتب متقدمة في المؤشرات الأفريقية للأمن الرقمي، وإن كانت الطبيعة المتطورة للتهديدات السيبرانية تجعل أي رقم ثابت قابلاً للتقادم السريع. ما يمكن قوله بثقة هو أن المغرب بنى قدرات دفاعية رقمية تفوق ما هو متاح في معظم دول محيطه الأفريقي، وأن شراكاته في هذا المجال مع الدول الغربية تشمل تبادل المعلومات حول التهديدات الرقمية بما يخدم الطرفين.
على صعيد الأمن المواطن، يصعب قياس نجاحاته بأرقام لأن طبيعته تقوم على ما لم يحدث لا على ما حدث. لكن المؤشر الأبلغ هو أن المغرب لم يشهد الظاهرة التي عانت منها دول عدة في المنطقة: التجنيد الجماعي من أحياء بعينها أو مناطق بعينها. حين تفشل التنظيمات في بناء قاعدة شعبية في أي منطقة من التراب الوطني، فهذا يعني أن الأمن المواطن يعمل كما ينبغي.
ما يمكن للمغرب تقديمه لأفريقيا: خمسة مسارات

القارة الأفريقية تعاني من أزمة أمنية بنيوية لا يمكن علاجها بالتدخلات العسكرية الخارجية وحدها، وقد أثبتت عقود من الوجود الفرنسي في الساحل ثم الانسحاب المذل منه أن الأمن المستورد لا يصمد حين يغادر من استورده. المغرب يملك ما لا تملكه القوى الخارجية: مصداقية الانتماء، وعمق الفهم، وسجل التجربة الموثق.
المسار الأول هو نقل نموذج التنسيق المؤسساتي. كثير من الدول الأفريقية تمتلك أجهزة أمنية متعددة تعمل في تنافس لا في تكامل. المغرب يستطيع تقديم تجربته في الجمع بين الاستخبارات والتنفيذ تحت مظلة قيادية واحدة، وفي بناء بروتوكولات التنسيق بين الأجهزة التي تجعل المعلومة تتدفق بدل أن تُحتجز.
المسار الثاني هو تصدير نموذج الأمن الروحي لدول الساحل تحديداً. منطقة الساحل تعاني من فراغ ديني حقيقي استغلته التنظيمات المتطرفة لبناء حواضنها. المغرب، بمؤسسة إمارة المؤمنين ومعهد تكوين الأئمة ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وتجربته في ضبط الحقل الديني، يملك نموذجاً قابلاً للتكيّف مع السياقات المحلية لهذه الدول. وقد بدأ هذا التصدير فعلاً في دول كمالي وغينيا وغيرهما، لكن حجمه لا يزال أقل مما تستدعيه الحاجة.

المسار الثالث هو الشراكة الاستخباراتية البينية. المغرب يمتلك شبكة علاقات مع الأجهزة الغربية الكبرى تخوّله أن يكون جسراً حقيقياً بين هذه الأجهزة والدول الأفريقية التي تفتقر إلى القنوات المباشرة معها. التعاون الاستخباراتي لا يعني التبعية بل يعني بناء قدرة مشتركة على رصد التهديدات العابرة للحدود التي لا تستطيع دولة واحدة مواجهتها بمفردها.
المسار الرابع هو التكوين الأمني. المغرب يملك مؤسسات تكوينية عسكرية وأمنية استقطبت على مدار سنوات ضباطاً وكوادر من دول أفريقية عديدة. هذا الاستثمار في رأس المال البشري الأمني الأفريقي هو من أكثر الاستثمارات جدوى على المدى البعيد لأن الكادر الذي تكوّن في الرباط يحمل معه ليس فقط مهارة تقنية بل فلسفة أمنية وثقافة مؤسساتية تختلف جوهرياً عن تلك التي تُزرع في التكوينات العسكرية الغربية.
المسار الخامس هو منصة التشاور الأمني الإقليمي. مراكش والرباط باتتا تستضيفان بانتظام ملتقيات ومؤتمرات أمنية تجمع مسؤولين أفارقة وخبراء دوليين. هذه المنصات ليست ترفاً دبلوماسياً بل مساحة حيوية لبناء الثقة وتبادل المعلومات وتشكيل رؤى مشتركة حول طبيعة التهديدات ومقاربات مواجهتها.
ما لا يستطيع المغرب تقديمه: حدود النموذج
الأمانة الفكرية تستوجب التوقف عند حدود ما يمكن تقديمه. النموذج المغربي لا يُصدَّر بالكامل لأن جزءاً جوهرياً منه غير قابل للنقل: الشرعية التاريخية المتراكمة، والمرجعية الدينية الراسخة في الوجدان الجمعي، والإدارة الترابية المتجذرة في النسيج الاجتماعي. هذه عناصر نبتت في تربة مغربية خاصة ولا تنبت بالزراعة الاصطناعية في تربة أخرى.
ما يستطيع المغرب تقديمه هو الإطار لا المحتوى، المنهجية لا الوصفة الجاهزة، والمرافقة لا الاستبدال. الدولة الأفريقية التي تريد الاستفادة من التجربة المغربية عليها أن تبحث في جذورها هي عن ما يوازي المخزن لديها، وعن ما يوازي إمارة المؤمنين في مرجعيتها الروحية، وعن ما يوازي الإدارة الترابية في بنيتها المجتمعية. المغرب لا يستطيع أن يمنحها هذه العناصر، لكنه يستطيع أن يُريها كيف وظّف ما لديه.
خاتمة السلسلة: درس لا يُنسى
ما تعلّمنا إياه هذه السلسلة ليس أن المغرب دولة مثالية بلا إشكاليات، وليس أن منظومته الأمنية فوق النقد أو التطوير. ما تعلّمناه هو أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالاستيراد بل بالاستخراج، استخراج ما تملكه الدولة من موارد تاريخية ومجتمعية وروحية وتوظيفها في خدمة الحاضر. المغرب فعل ذلك على مدى عقدين بصبر وتراكم وعقيدة ثابتة، فأصبح في نظر كثير من الشركاء الدوليين أكثر من دولة آمنة، بل مصنعاً للاستقرار في قارة تبحث عنه بإلحاح.
درس بسيط في ظاهره، عميق في استيعابه، نادر في تطبيقه.




