وجهات نظر

فلسطين ما بعد الصدمة: الواقع تغيّر… ونحن لم نتغيّر بعد

فلسطين التي ستخرج من هذه المرحلة لن تكون هي فلسطين التي دخلتها. فما جرى في غزة وما يجري في الضفة لم يغيّر الأرض وحدها، بل غيّر الإنسان الفلسطيني ووعيه، وكشف أن مرحلة كاملة من التفكير السياسي والأدوات التي حكمت الفعل الفلسطيني لم تعد كافية لواقع تبدلت فيه قواعد الصراع، وتغير المجتمع، وتغير الاحتلال، وتغير العالم، بينما بقي جزء من وعينا يتحرك داخل خرائط قديمة.

والأخطر أن الاحتلال نفسه لم يعد يتعامل مع فلسطين بالأدوات ذاتها. لقد انتقل من إدارة واقع قائم إلى محاولة إنتاج واقع جديد، ورفع مستوى القوة والسيطرة إلى حدود تعيد إلى الذاكرة بعضًا من أساليب التعامل التي عرفها الفلسطينيون في النكبة، لا بصورة مطابقة للماضي، وإنما بمنطق يستعيد بعض ملامحه بأدوات أكثر تطورًا: التهجير والاقتلاع، تغيير الوقائع على الأرض، توسيع الاستيطان، وتعميق السيطرة، ودفع الفلسطيني تدريجيًا من موقع صاحب قضية وحق إلى موقع يجري التعامل معه باعتباره مسألة أمنية وسكانية.

كانت النكبة أكثر من حرب؛ كانت إعادة رسم للخريطة والسكان. وما يجعل اللحظة الراهنة شديدة الخطورة أن تيارات في اليمين الإسرائيلي تحمل منذ سنوات مشاريع تقوم على توسيع السيطرة والاستيطان وتقويض إمكانية التحرر والسيادة الفلسطينية، وقد وفرت الأحداث الأخيرة في غزة والضفة ظرفًا ملائمًا لدفع هذه المشاريع إلى مستويات جديدة. لذلك لا ينبغي النظر إلى ما يحدث باعتباره مجرد رد أمني أو عسكري، بل باعتباره صراعًا على شكل فلسطين نفسها، أرضًا وسكانًا ومستقبلًا.

لكن المشكلة لا تقف عند ما يفعله الاحتلال. فقد جرى، على مدى سنوات، تشويه صورة الواقع الفلسطيني نفسه؛ حتى بدا الفلسطيني في بعض صور الصراع وكأنه دولة مسلحة تخوض حربًا مع دولة أخرى، بينما الحقيقة الأساسية مختلفة تمامًا: الفلسطيني شعب يعيش تحت الاحتلال، وليس طرفًا في حرب متكافئة بين دولتين. وهذه ليست مسألة لغوية أو سياسية هامشية، لأن تعريف الواقع يحدد طبيعة الأدوات التي نختارها، ويحدد المجال الذي نخوض فيه المواجهة.

عندما يُعاد تقديم الفلسطيني باعتباره طرفًا عسكريًا، يُنقل الصراع إلى المجال الذي يتفوق فيه الاحتلال بصورة ساحقة، ويصبح من الأسهل عليه تحويل قضية شعب تحت الاحتلال إلى ملف أمني، وتقديم استخدام قوته الهائلة باعتباره مواجهة مع خصم عسكري. والأسوأ أن هذه الصورة قد تتسلل إلى وعينا نحن، فنبدأ باختيار أدواتنا وفق تعريف للواقع يخدم الطرف الأقوى.

لهذا فإن البداية الحقيقية لا تكون بتغيير الأدوات قبل تغيير فهمنا للواقع، بل بـ إعادة تصويب الواقع قبل تصويب الأدوات. نحن شعب تحت الاحتلال، وهذه الحقيقة ليست عنوانًا للعجز، بل نقطة الانطلاق لبناء قوة مختلفة. لسنا بحاجة إلى أن نشبه المحتل كي نواجهه، ولا إلى أن ندخل دائمًا إلى المجال الذي يتفوق فيه، بل إلى أن نبني قدرة تجعل تفوقه أقل قدرة على فرض النتائج التي يريدها.

فالأداة لا تُقاس فقط بما تفعله في لحظتها، وإنما بما تنتجه بعدها، وبما تمنحه للخصم. قد تحقق أثرًا مباشرًا، لكنها قد تمنح الاحتلال في المقابل الذريعة أو المجال لتوسيع قوته، وإعادة تعريف الصراع وفق روايته، وتغيير قواعده. لذلك لا تكمن المسألة في امتلاك أدوات أكثر، بل في امتلاك أدوات أكثر ملاءمة للواقع؛ أدوات تحمي الإنسان والأرض والقضية، ولا تسمح للمحتل بأن يختار وحده شكل المواجهة وحدودها وقواعدها.

ومن هنا يجب إعادة تعريف القوة الفلسطينية. القوة ليست أن نمتلك الأداة نفسها التي يمتلكها الخصم، لأن ذلك يعيدنا إلى الساحة التي يمتلك فيها التفوق الأكبر، وإنما أن نبني منظومة قدرات تجعل فرض إرادته أكثر صعوبة وكلفة: مجتمعًا قادرًا على الصمود وإعادة إنتاج نفسه، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، واقتصادًا يقلل الهشاشة، وتعليمًا ومعرفة وتكنولوجيا تنتج قدرة واستقلالًا، وقانونًا يتحول إلى مساءلة، ودبلوماسية إلى ضغط، وإعلامًا يصنع الرواية ولا يكتفي بالرد عليها، ومجتمعًا قادرًا على تنظيم طاقته وتحويلها إلى تأثير.

القوة الحقيقية ليست في مضاهاة الاحتلال في أدواته، بل في امتلاك أدوات لا يستطيع اختزالها بالقوة وحدها. وعندما تصبح محاولة التهجير أكثر كلفة، وتوسيع الاستيطان أكثر عرضة للمساءلة، وتغيير الواقع على الأرض أقل قدرة على إنتاج شرعية، يبدأ ميزان مختلف في التشكل.

لكن بناء هذه القدرة يبدأ أيضًا من الداخل، من قراءة المجتمع كما هو، لا كما تصفه النخب. فالمجتمع الفلسطيني الذي خرج من هذه السنوات ليس هو المجتمع الذي دخلها. هناك وعي جديد يتشكل تحت سطح الخطاب السياسي؛ أشياء لم تعد تقنع الناس، وأخرى لم يعودوا يصدقونها، ومخاوف وتطلعات وأفكار لم تجد بعد لغتها السياسية. يظهر هذا الوعي في الصمت والسلوك وردود الأفعال، وفي ما يتفاعل معه الناس وما يرفضونه وما يتوقفون عن تصديقه. وهذا الوعي غير المكتوب قد يكون أحد أهم مصادر القوة في المرحلة المقبلة.

وقد لا تولد أدوات المستقبل في غرف السياسة أصلًا. قد تأتي من المجتمع نفسه؛ من الشباب والجامعات والمعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة والمبادرات المجتمعية، ومن الطرق الجديدة التي يبتكر بها الفلسطينيون وسائل الصمود والتكيف والاستمرار. والمطلوب من السياسة ليس أن تفرض وصفة جاهزة على المجتمع، بل أن تكون قادرة على قراءة ما يتشكل فيه، والتقاط بداياته، وربط طاقاته، وتحويلها إلى قدرة وطنية.

وكما نحتاج إلى قراءة المجتمع، نحتاج إلى قراءة الاحتلال كما أصبح، لا كما كان؛ أن نفهم كيف يتغير، وما الذي يخطط له، وما الذي يحاول تحويله من إجراء مؤقت إلى حقيقة دائمة، وأن نرى اتجاهه قبل أن يصبح واقعًا مكتملًا. فالاحتلال لا ينتظرنا، وإذا كان قد غيّر أدواته وقواعد تعامله، فإن البقاء في طريقة التفكير السابقة يعني أن نترك له مهمة تعريف المرحلة وحده.

لهذا لا ينبغي أن يكون ما بعد الصدمة مجرد عودة إلى ما قبلها. إعادة إعمار غزة والضفة ضرورة، لكن إعادة بناء الحجر لا تكفي إذا أعدنا معه العقل نفسه. ما بعد الصدمة يجب أن يكون لحظة فلسطينية لإعادة قراءة الواقع كله: قراءة الاحتلال، وقراءة المجتمع، وإعادة تعريف القوة، وإعادة النظر في الأدوات التي نحمي بها الإنسان والأرض والمشروع الوطني.

ولا يعني ذلك التنكر للماضي. لكل مرحلة أدواتها، وما صنعته الأجيال السابقة كان استجابة لواقعها وله قيمته ومكانته. لكن الوفاء للماضي لا يعني تحويل أدواته إلى عقيدة أبدية. الثوابت هي الحق والحرية والكرامة وإنهاء الاحتلال والحفاظ على الوجود والهوية والقدرة على تقرير المصير؛ أما الوسائل فليست مقدسة، وتتغير بتغير الزمن والواقع.

لقد تغير الاحتلال، وتغير المجتمع، وتغير العالم. ولذلك فإن بقاء أدواتنا على حالها ليس بالضرورة ثباتًا على المبدأ؛ قد يكون انفصالًا عن الواقع. وإذا كان الطرف الآخر قد غيّر قواعد اللعبة، فلا يمكن أن نواجه المرحلة الجديدة بعقلية المرحلة السابقة.

ربما تكون هذه هي اللحظة التي يجب أن نبدأ فيها من حيث وصلنا، لا من حيث كنا. لا نحتاج إلى مواجهة أكبر، بل إلى قدرة أذكى؛ قدرة تعرف حقيقة موقعنا، وتقرأ المجتمع كما يتحرك، والاحتلال كما يتغير، وتلتقط الوعي الذي لم يتحول بعد إلى كلام، وتبتكر أدوات تحمي الفلسطيني وتربك حسابات الاحتلال دون أن تمنحه القدرة على تحويل الصراع إلى الساحة التي يريدها.

فلسنا بحاجة إلى أن نكون أقوى من الاحتلال في مجاله؛ نحتاج إلى أن نكون أقوى من قدرته على فرض قواعده علينا.

وهذا هو معنى البداية الجديدة: أن نأخذ من الماضي جذوره، ومن الحاضر حقيقته، ومن المستقبل اتجاهه؛ أن نحافظ على الثوابت، لكن نحرر الوسائل من الجمود؛ وأن نعيد بناء القوة الفلسطينية لا باعتبارها قدرة على الرد فقط، بل قدرة على حماية الإنسان، وصون الأرض، ومنع إعادة إنتاج النكبة، وإبقاء فكرة التحرر والسيادة حية وقابلة للتحقق.

لقد انتهى زمن كان يمكن فيه أن نواجه واقعًا جديدًا بأدوات قديمة دون أن ندفع ثمن ذلك. ما بعد غزة والضفة ليس مجرد مرحلة جديدة في التسلسل الزمني للقضية؛ إنه اختبار لقدرتنا على أن نفهم أن الواقع نفسه قد تغيّر.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نعود إلى ما كنا عليه، بل كيف نبدأ من المكان الذي وصلنا إليه.

فلسطين ما بعد الصدمة تحتاج إلى عقل جديد، وقراءة جديدة، وأدوات جديدة.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى