المملكة الشريفةمختارات

“اللعب مع الكبار”.. لماذا خسرت الجزائر رهان سبتة؟!

منذ اللحظة الأولى لموجة العبور الجماعي من المغرب إلى سبتة أواخر يوليوز الماضي، انفجرت النظريات شرقا وغربا. من القول إن النظام المغربي دبّر الأزمة لمعاقبة إسبانيا على تقاربها المفترض مع الجزائر بعد زيارة سانشيز لتبون، ومن ذهب أبعد فتحدث عن تحالف أمريكي إسرائيلي مغربي لمعاقبة سانشيز على مواقفه من غزة، وغيرها من النظريات المتهافتة. النظرية الأولى تسقط أمام سؤال بسيط: أي دولة تخرّب احتفالات عيدها الوطني بيدها؟ والثانية أضعف من أن تستحق الدحض. النظريات الجادة الوحيدة التي تستحق الفحص هي تلك المسندة بمعطيات قابلة للتحقق، لا بالتخمين السياسي البعيد عن الواقع.

الوقود محلي، والإشعال خارجي

بداية، يجب الإقرار بأن الأزمة لم تُصنع من العدم. الغلاء والبطالة في صفوف الشباب المغربي حقيقة يقرّ بها النظام نفسه، وتتكرر الإشارة إليها في الخطب الملكية كأولوية وطنية ملحّة، من أجل توزيع أثر النمو الاقتصادي والثروة المحققة على جميع فئات المجتمع بشكل متناسب، بما يمنع خلق “مغرب يسير بسرعتين”، كما أشار إلى ذلك جلالة الملك صراحة. هذه هي المادة القابلة للاشتعال. لكن الشرارة التي حوّلت إحباطا اجتماعيا متراكما إلى اندفاع جماعي نحو السياج الحدودي خلال أيام معدودة، دون حساب العواقب، تحمل بصمات خارجية موثقة، لا مجرد إشاعة عابرة.

تقرير استخباراتي مفتوح المصدر أعده المحلل الإسباني تشيما خيل غاري بطلب من مؤسسات إسبانية، ونشرته وسائل إعلام إسبانية من بينها أتالايار، رصد حملة رقمية سبقت الأزمة ورافقتها، بلغت 11 مليون تفاعل عبر واتساب وفيسبوك وتيك توك وإنستغرام. الأهم في التقرير هو تحديد مجموعتي واتساب أدارتا التنسيق اللوجستي، الخرائط ونقاط التجمع ومواعيد العبور، من أرقام هاتفية تحمل المقدمة الدولية للجزائر 213+، إحداها تحمل اسما دالا هو «Hijma Kiraj Sebta»، رُصدت يوم 28 يوليوز، أي قبل ذروة الأزمة بيومين فقط.

دليل يصعب تفسيره ببراءة

هنا يجب التمييز بدقة بين طبقتين من الأدلة داخل التقرير نفسه، فالخلط بينهما يضعف أي تحليل جاد. الإشارة إلى «مشاهدات» أو تفاعلات من الولايات المتحدة، وبدرجة أقل من فرنسا، تفسيرها الأرجح بصمات رقمية عادية، عناوين IP يمكن أن تعكسها شبكات في بي إن أو جاليات مهاجرة، وهذه أدلة ضعيفة نسبيا لأن أي مستخدم يستطيع بسهولة الظهور وكأنه يتصفح من أمريكا. أما إدارة مجموعات واتساب فأمر مختلف كليا: يستلزم رقم هاتف فعليا مسجلا في الجزائر، شريحة محلية أو eSIM، وهو ما لا يوفره أي برنامج في بي إن مهما كان. تحويل هذا الرقم إلى مدير فعلي لمجموعة تنسيق لوجستي قبل الأزمة بأيام، دليل أصعب على التفسير البريء من مجرد بصمة IP.

التقرير نفسه يوضح أن أربع دول شكلت مصادر هذا النشاط الرقمي، الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب مشاهدات من الولايات المتحدة، بينما كان المغرب الطرف المستقبِل والمستجيب ميدانيا لا مصدر التحريض. وتجدر الإشارة إلى أن جهات إسبانية رصدت أن الرباط توزّع تقارير من هذا النوع عبر سفاراتها لإثبات دور السلطات الجزائرية في خلق وتأجيج الحملة الرقمية، وهو استخدام سياسي جارٍ للتقرير لا يبطل قيمته التقنية، لكنه يستدعي وعي القارئ بأن الرواية تُستثمر دبلوماسيا بالتوازي مع صدورها.

رهان مزدوج فاشل

هذا التحريض الجزائري الفاشل، يقف وراءه منطق استراتيجي لا يبدو موجّها ضد إسبانيا وحدها، بل ضد المغرب في المقام الأول، عبر رهان مزدوج. فإما أن تواجه الرباط الحشود بالقمع كما يتوقع في مثل هذه الحالات لمنع التشويش على مناسبة عيد العرش، فتفتح بذلك جبهة إعلامية دولية حول حقوق الإنسان تتزامن مع عيد العرش نفسه، أو أن تسمح للموجة بالمرور فيتحول العيد الوطني إلى مشهد فوضى حدودية أمام العالم. كلا الخيارين يخدم النظام الجزائري، الغارق أصلا في أزمة صورته الحقوقية والاجتماعية الداخلية.

ما لم يُحسب في هذا الرهان هو خيار ثالث اختارته السلطات المغربية: عدم الاصطدام المبكر بالحشود المقدرة بستين ألف شخص، تركها تجرّب العبور، ثم إدارة العودة بهدوء بالتنسيق مع الجانب الإسباني. هذا تقدير تحليلي قابل للنقض، لا معلومة مؤكدة، وستحسمه الأيام المقبلة، سواء عبر تصعيد رسمي إسباني جزائري إذا تأكد الدور الجزائري وانكشف علنا، أو عبر بقاء الملف في مستوى التداول الاستخباراتي الصامت، والذي سيكون من أول تداعياته إقالة مدير المخابرات الخارجية الجزائرية.

الرد الإسباني المؤجل

إن استهداف المغرب بالشكل الذي خطط له، لا يمنع من كون إسبانيا كانت متضررة بشكل لا يقل عن الضرر المقصود تجاه المغرب إن لم يكن أكبر. فالخطوة الجزائرية الرعناء وضعت رئيس الوزراء الإسباني في وضع لا يحتمل: من جهة، ثارت ثائرة الشركاء الأوروبيين ضده، لاسيما تلك التي تحكمها حكومات يمينية كإيطاليا، وصلت إلى حد المطالبة بإخراج اسبانيا من منظومة شنغن، ومن جهة أخرى، أشعلت فتيل هجمة غير مسبوقة من اليمين الإسباني تجاه سياسات الحكومة الاشتراكية الخاصة بالهجرة، انضم إليها حتى بعض أطراف الحكومة الإسبانية من أقصى اليسار، وهو ما أحدث ضررا بمكانة سانشيز داخليا وخارجيا. صحيح أنه نجح في احتواء الغضب الأوروبي، لكن تحقيق نفس الأمر داخليا يحتاج لمزيد من الجهد والوقت.

هذا الأمر، يترتب عليه منطقيا، أن تعيد الحكومة الإسبانية لاحقا النظر في أي تقارب محتمل في بعض جوانب علاقتها مع النظام العسكري في الجزائر، وإدراك أن هذا النظام المتهالك لا يصلح شريكا في أي من مجالات التعاون، وبالأساس، لا يصلح كورقة ضغط على المغرب في الملفات العديدة المفتوحة بين البلدين، وهو ما سيجر بالتبعية ردة فعل إسبانية غاضبة، بشكل معلن أو خفي، على “المراهقين” في الجزائر الذين أعماهم العداء للمغرب عن إجراء أي حسابات استراتيجية بعيدة المدى.

الدرس الذي لم يُخطط له أحد

النتيجة الفعلية على الأرض جاءت أقسى من أي حملة إعلامية مضادة كان يمكن أن يشنّها المغرب. سقط ما يقارب 77 قتيلا في محاولات العبور، ومعظمهم غرقا، وعاد أكثر من خمسين ألف شخص إلى المغرب خلال ساعات. الأهم أن شهادات موثقة لعائدين شباب أظهرتهم يعبّرون عن ندمهم على المغامرة قبل أن يحتفلوا بعودتهم، بعد تجربة قصيرة كفيلة بتبديد وهم «الفردوس الإسباني» الذي روّجت له الحملة الرقمية نفسها. أزمة صُممت لإحراج المغرب، فإذا بها تتحول إلى درس ردع طويل الأمد لشباب مغربي ظل يحمل تصورا مثاليا عن الهجرة السرية، واعترافا إسبانيا وأوروبيا على أعلى مستوى، بأهمية الشراكة الاستراتيجية المتينة التي تربطهما بالمغرب، بل وترسيخ هذه الشراكة في المجالات الأمنية والاقتصادية والتنموية.

هذا النمط ليس معزولا. فقبل الأزمة بأسبوعين، حاولت جهات جزائرية استدراج معارض مغربي، هو «علي المرابط»، للدخول إلى المغرب أملا في صنع “بوعلام صنصال” مغربي، يحول الأمر إلى قضية حقوقية دولية جديدة ضد الرباط. فكان أن واجهت السلطات المغربية المحاولة ببرود تام، ودون اعتقاله، طلبت منه المغادرة فحسب، فأفشلت المخطط بالهدوء نفسه الذي أفشلت به لاحقا رهان سبتة.

اللعب مع الكبار

ما يكشفه هذا التسلسل، من محاولة صنع صنصال مغربي فاشلة إلى رهان سبتة المزدوج، أنه نمط متكرر لنظام يراهن مرارا على رد فعل مغربي متسرّع، ولا يحصل عليه، لأنه لا يدرك قواعد اللعب مع “الكبير المغربي”. الفارق بين الطرفين ليس فارقا في النوايا فحسب، بل في مستوى النضج المؤسسي. نظام يقرأ المشهد بحسابات قصيرة المدى، يواجه دولة تعمل بأفق أطول، تفضّل احتواء الأزمة بهدوء على الانتصار السريع في معركة صورة عابرة. اللعب مع الكبار له قواعد، وأول هذه القواعد أن الخصم الرزين لا يقع في الفخ الذي يُنصب له.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى