وجهات نظر

هل تتحول استراتيجية الردع في اليمن إلى معركة حسم؟

الشعب اليمني أمام معركة فاصلة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة عبر عملية ردع واسعة وشاملة، لم يعد الردع عسكريا فقط، بل شمل مسارات اقتصادية وأمنية لحماية الأعيان المدنية وملاحقة شبكات التمويل والتهريب الحوثية، لإعادة ضبط قواعد الاشتباك بعد مرحلة من الاحتواء، انتقلت من رد الفعل الدفاعي إلى امتلاك زمام المبادرة، وتنفيذ ضربات استباقية، تستهدف العمق الحوثي، تطال منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الطائرات المسيرة والصواريخ، ومراكز القيادة وقطع خطوط الإمداد.

هناك فرق بين ردع فعل عسكري واستراتيجي، لكن التوجهات الجديدة لا تبدو مجرد ردع دفاعي، بل تحمل في طياتها ملامح استراتيجية، لتصبح المعادلة مختلفة، وإن كانت ستبقى مرتبطة بتطورات الصراع الإقليمي، وحسابات إيران والولايات المتحدة، رغم ذلك تتحول الأولويات إلى ضرب القدرات الحوثية، في محاولة لتقليص قدرات الحوثيين التي تقف خلف هجماتهم على السعودية والمناطق اليمنية المحررة وممرات البحر الأحمر والتحالف مع الحشد الشعبي في العراق والقاعدة في الصومال للقيام بأعمال مشتركة تهدد المنطقة، وتحييد قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة الحوثية، التي جعلتهم يمارسون التعنت في أي مفاوضات عبر طلبات سقفها مرتفع.

هناك جاهزية على جميع المستويات، وهناك مستويات من الطائرات المسيرة تمتلكها الشرعية لم تستخدم حتى الآن تستطيع حمل صواريخ لمسافات بعيدة، واستهداف مواقع في العمق، لإعادة معادلة الردع نتيجة وجود غرفة موحدة وتنسيق مشترك، مسيرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين، يمثل تحولا نوعيا في معادلة القوة.

رفع مستوى الردع وتوجيه ضربات استباقية لم يعهدها الحوثيون من قبل، قلصت قدرة الحوثيين على شن هجمات جديدة، بل توحيد جهود الحكومة الشرعية مكنها من تنفيذ عمليات متزامنة على جبهات متعددة، أرهقت الحوثيون ومنعتهم من اختيار وزمان المعركة ومكانها كما كان من قبل، أو التمكن من حشد قواتهم في مكان واحد، أو قدرتهم على المناورة وإعادة الانتشار.

المقاومة اليمنية أفشلت مخططات الحوثيين في السيطرة على الساحل لدعم مساندة إيران وتهديد حركة السفن، لكن الهجوم الحوثي اصطدم بقوات المقاومة الوطنية المشتركة العمالقة والتهامية تحولت إلى استنزاف للحوثيين، وفشلت هجماتهم في جبهة البرح في تعز باعتبارها بوابة للوصول إلى الساحل، حدثت لهم انتكاسة ميدانية، رغم انها نقلت حشودا عسكرية من معسكرات صعدة وصنعاء وذمار، لكنها منيت بهزيمة ساحقة، نتيجة تكامل الرد، ورفع الجاهزية، وتعزيز الإنذار المبكر، وتكثيف العمليات الاستخبارية، وتشديد الإجراءات الأمنية والبحرية لتعقب طرق تهريب الأسلحة إلى الحوثيين، فضلا عن قدرة الحكومة اليمينة على تبني استراتيجيات متعددة المسارات تجمع بين العمليات الجوية والصاروخية والجهد الأمني والاستخباراتي والبحري، بما يسهم في إعادة بناء معادلة الردع ظلت الحكومة الشرعية تبني قدراتها منذ عام 2022، بعد سنوات استفادت خلالها الجماعة من تفوقها النسبي في الصواريخ والمسيرات، ومن تشتت خصومها.

توجه الحوثيون إلى توسيع رقعة المواجهة في البحر الأحمر لدعم إيران أعطى الشرعية اليمنية الفرصة لتحييد تهديدات الحوثيين المستمرة، وخرق اتفاقية ستكهولم 2018 وهي الاتفاقية الأممية التي أنقذتهم من تحرير الحديدة عام 2018، هبوط الطائرة الإيرانية المدنية في مطار الحديدة تم تسجيله خرقا لسيادة اليمن وقرار مجلس الأمن 2216 كون الحديدة حسب اتفاق استكهولم تحت إدارة محلية خاضعة للتفتيش، أتت الفرصة لتحييدهم.

لجأ الحوثيون إلى صيغة الحصار بالحصار وفي 20 يوليو أعلنت الجماعة قيودا على السفن المرتبطة بالسعودية، لتنقل المعركة من المجال الجوي إلى البحري خدمة ومساندة لإيران، ثم من البحر إلى ضرب منشآت الطاقة السعودية امتدادا لخدمة إيران لدفع أمريكا للقبول بالشروط الإيرانية، لن يقف المجتمع الدولي هذه المرة مع الحوثيين كما وقف معها في 2018 ومنع تحرير التحالف الحديدة واستبدل تحرير الحديدة باتفاق استكهولم.

يعتقد الحوثيون أن الانتقال من التفاوض إلى الاعتراف بسلطته المستحيلة إلى فرض هذا الاعتراف عمليا، يفسر ذلك الطابع الانتقائي للحظر البحري، ولم يعلنوا إغلاق باب المندب أمام جميع السفن، بل سعوا إلى تحديد فئات بعينها، بما يسمح بتقديم نفسها كقوة قادرة على المنع وكطرف لا يريد خوض مواجهة شاملة مع التجارة الدولية رغم ذلك فإن السفن السعودية تمد العالم بالنفط.

الاستراتيجية السعودية لم تتجه كما يريد الحوثي نحو حرب مباشرة على غرار حرب 2015، بل اتجهت السعودية نحو بناء طبقات من الردع، أهمها رفع قدرات القوات الحكومية وتمكينها من الردع بصورة أكثر استقلالية، بجانب تشكيل تحالف بحري في 13 أغسطس متعدد الجنسيات إلى مرحلة التفعيل العملياتي، وكذلك تشكيل السعودية بنية التحالفات الدفاعية الإقليمية الأوسع في 7 أغسطس وقعت السعودية مع باكستان وتركيا اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي ينص على اعتبار الهجوم على أحد الأطراف هجوما على الاخرين، هذه الاستراتيجية تسمح للسعودية أن تكون الحرب على مسافة منها، فقط تدير هذا التهديد.

تتحول الجغرافيا اليمينة إلى أصل استراتيجي عالمي، لأن البحر الأحمر يزداد أهمية بعدما تجاوزت السعودية مضيق هرمز وتصدير نفطها عبر ينبع، ارتفعت قيمة القدرة الحوثية على تهديده كما يظن ويعتقد، ولن يتوقف الحوثيون عن استخدام البحر كرافعة سياسية لهم، ولن يتوقفوا عند حدود مناطقهم أو حتى حدود اليمن، ولن تقبل السعودية ولا الدول الإقليمية ولا العالمية أن يكون الحوثي جزء من مستقبل اليمن، كما الحرس الثوري الذي يدعم الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي.

                            د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

   أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى